مقابل المال والنفوذ… صناعة الحكم في الخليج تمرّ بساندهيرست

الأربعاء 17 مارس 202111:57 ص

تكشف نظرة سريعة إلى خلفية أعضاء الأسر الحاكمة في الخليج أن عدداً كبيراً منهم عسكريون، وتجمعهم صفة مهمة للغاية هي أنهم درسوا في الغرب.

وحينما نتتبع مسار دراسة هؤلاء الحكام العسكرية، نجد أن غالبيتهم درسوا في أكاديمية ساندهيرست العسكرية في المملكة المتحدة، والتي استقبلتهم مقابل المال والنفوذ السياسي في دولهم.

يغطّي الفصل الدراسي الثالث من دورة ساندهيرست لتكليف الضباط تقنيات مكافحة التمرّد وطرق إدارة الفوضى العامة. وربما هذا ما ساعد أحد خريجيها، نجل ملك البحرين ناصر بن حمد بن عيسى، الذي يشغل منصب قائد الحرس الملكي ومستشار الأمن الوطني، على إخماد التظاهرات في بلاده خلال الربيع العربي، مع ما رافق ذلك من انتقادات حقوقية.

ما هي ساندهيرست؟

بحسب وزارة الدفاع البريطانية، أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية هي المكان الذي يتلقى فيه ضباط الجيش البريطاني تدريبات لتولي مسؤولية قيادة جنودهم. يلتحق ضباط الجيش البريطاني بها ليتعلموا مهارات القيادة، والعيش وفقاً لشعار الأكاديمية: "اخدم لتقود".

بجانب ذلك، تشير الوزارة إلى أن دولاً أجنبية تختار إرسال بعض ضباطها إلى ساندهيرست لتلقي تدريبات لمدة 44 أسبوعاً، كونها أكاديمية تدريب عسكري معترَف بريادتها عالمياً.

منذ عام 1947، تلقى خمسة آلاف طالب غير بريطاني، من 120 دولة، تدريبات في الأكاديمية. وتذكر وزارة الدفاع البريطانية أن هؤلاء يعودون إلى بلدانهم حاملين معهم خبرة ثقافية وعملية عالية.

تختار الطلاب مؤسسات الدفاع الخاصة بكل دولة، ثم تقدّم طلباتهم إلى وزارة الدفاع البريطانية من خلال الملحقين العسكريين المتواجدين في السفارات.

وتظهر البيانات أن الدول الخليجية التي درس عدد من قادتها فيها تنفق أموالاً هائلة على الأكاديمية. على سبيل المثال، وافقت ساندهيرست عام 2012 على قبول تبرع بقيمة 15 مليون جنيه إسترليني من حكومة الإمارات لبناء مبنى سكني حمل اسم "مبنى زايد". وعام 2013، قبلت الأكاديمية تبرعاً بقيمة ثلاثة ملايين جنيه إسترليني من حكومة البحرين لتجديد قاعة مونز، والتي كانت تحمل هذا الاسم تكريماً لقتلى الجيش البريطاني في معركة مونس Battle of Mons، ليصير اسمها قاعة "الملك حمد" تكريماً لملك البحرين، ما أثار جدلاً في المملكة المتحدة.

خليجيون في ساندهيرست

درس كثيرون من قادة دول الخليج في الأكاديمية البريطانية. من أبرز القادة الإماراتيين الذين تخرجوا منها حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم، وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، وولي عهد دبي حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، وكان آخرهم الشيخ زايد، نجل محمد بن زايد، والذي تخرّج في كانون الأول/ ديسمبر 2020، من ضمن دفعة ضمّت أيضاً الشيخ حميد بن عمار بن حميد النعيمي، والشيخ خالد بن سلطان آل نهيان والشيخ نهيان بن طحنون بن سعيد آل نهيان وآخرين، في حفل حضره محمد بن زايد.

ومن السعودية، تخرج من الأكاديمية البريطانية كثيرون منهم الأمير متعب بن عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، وزير الحرس الوطني السابق، والأمير خالد بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود نائب وزير الدفاع السابق وخالد بن بندر بن عبد العزيز الرئيس السابق للاستخبارات السعودية وغيرهم من أبناء الأسرة الحاكمة.

ومن قطر، درس في ساندهيرست أمير قطر السابق حمد بن خليفة، والأمير الحالي تميم بن حمد، ورئيس الوزراء السابق حمد بن جاسم، وعدد كبير من أبناء الأسرة الحاكمة في الدوحة. وعام 2019، اصطحب أمير قطر السابق أسرته، على غرار محمد بن زايد في 2020، لحضور حفل تخرّج نجله القعقاع بن حمد، شقيق الأمير الحالي.

ومن البحرين، تضم قائمة الخريجين من ساندهيرست ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة وعدداً كبيراً من أبناء الأسرة الحاكمة ومن أبنائه، أبرزهم ناصر قائد الحرس الملكي وشقيقه خالد، بجانب وزير الخارجية الحالي عبد اللطيف الزياني.

ولا يقل اهتمام الكويت بالأكاديمية البريطانية عن باقي بلدان الخليج، إذ زار الأمير الراحل صباح الأحمد ساندهيرست عام 2012، وتخرج منها عدد كبير من أبناء الأسرة الحاكمة في الكويت، أبرزهم الأمير الراحل سعد العبد الله الصباح.

ومن سلطنة عمان تخرج السلطان الراحل قابوس بن سعيد، ولا تزال مسقط ترسل أبناءها إلى الأكاديمية البريطانية.

خارج دول مجلس التعاون الخليجي، تبرز العلاقة القديمة بين الأسرة الحاكمة في الأردن وساندهيرست. فقد تخرّج منها الملك عبد الله الثاني وسبقه جده الملك الأسبق طلال بن عبد الله ووالده الملك السابق حسين، وشقيقاته عائشة بنت الحسين، وإيمان بنت الحسين، كما تخرّج منها إخوته علي بن الحسين، وحمزة بن الحسين، وهاشم بن الحسين، وابن عمه راشد بن الحسن، وغيرهم من أعضاء الأسرة الحاكمة.

"ساندهيرست هي مكان تعارف حكام المستقبل على بعضهم البعض، كما أنها تمنح بريطانيا تأثيراً في الخليج، لا يتوفّر لأي دولة أخرى بحجمها"

وفي كانون الأول/ ديسمبر 2018، كان لافتاً حضور رئيس الحكومة اللبنانية المكلّف سعد الحريري، برفقة أسرته، لحفل تخرج نجله الأكبر حسام، ونشر صوراً على حسابه على إنستغرام، وكتب كتعليق: "بعيداً عن عملي في السياسة، أنا اليوم فخور بعملي كأب".

قوة ناعمة

لطالما ضغطت وسائل الإعلام البريطانية والحقوقيون من أجل وقف استقبال أي ضباط قادمين من الدول المتهمة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، ولكن لغة المال والعلاقات السياسية تفرض أولوياتها.

عام 2013، نشر مدير منظمة هيومن رايتس ووتش كينث روث تغريدة، قال فيها: "أكاديمية ساندهيرست العسكرية البريطانية تسمح لملكيات البحرين والإمارات القمعية بتطهير سمعتها بالسعر المناسب".

في العام التالي، نشرت "بي بي سي" تقريرها الشهير، "شيوخ ساندهيرست"، وروت فيه قصة مهمة تساعد على فهم سبب الاهتمام بهذه الأكاديمية البريطانية.

القصة المذكورة هي أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير كان يعتزم منع الطلاب العسكريين الأجانب من الدراسة في الأكاديمية، لكنه تراجع عن الأمر بعد حضوره جنازة ملك الأردن عام 1999. ففي الجنازة، رأى بلير مستشاره العسكري يتحدث مع زعماء دول، منهم سلطان بروناي وسلطان عمان وإلى بحرينيين وسعوديين، فسأله كيف تعرفت إلى كل هؤلاء، فأخبره بأنهم تعلّموا في ساندهيرست.

ونقل التقرير عن مايكل ستيفنز، نائب مدير المعهد الملكي للخدمات المتحدة في قطر، أن ساندهيرست هي مكان تعارف حكام المستقبل على بعضهم البعض، كما أنها تمنح بريطانيا تأثيراً في الخليج، لا يتوفّر لأي دولة أخرى بحجمها، مثل فرنسا مثلاً.

وعام 2016، نشرت صحيفة الغارديان تقريراً كشف عن دفع 4.2 مليون جنيه إسترليني للأكاديمية لتدريب 105 ضباط عسكريين قادمين من الخارج، وكثيرون منهم كانوا من دول خليجية ذات سجلات سيئة في مجال حقوق الإنسان.

"يجلس شيوخ ساندهيرست في أكاديمياتنا العسكرية، ويتعلمون أفضل ما لدينا، ثم يعودون لمساعدة الأنظمة التي تقمع سكانها وتدوس على جميع حقوق الإنسان"

في ذلك العام أيضاً، طالب عضو مجلس العموم تيم فارون، وكان زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار، الحكومة البريطانية بوقف تدريب مَن أسماهم بـ"شيوخ ساندهيرست"، كي لا يعودوا إلى بلادهم لتطبيق التقنيات العسكرية التي تعلموها في بريطانيا ضد شعوبهم.

وكتب فارون في انتقاد هذه المشاركة: "يجلس شيوخ ساندهيرست في أكاديمياتنا العسكرية، ويتعلمون أفضل ما لدينا، ثم يعودون لمساعدة الأنظمة التي تقمع سكانها وتدوس على جميع حقوق الإنسان".

وأضاف: "التدريب العسكري المشترك مع حلفائنا هو مورد رائع، ولكن حان الوقت للدفاع عن القيم التي نتحدث عنها كثيراً: الديمقراطية وحقوق الإنسان. تقدّم القوات البريطانية بعضاً من أفضل التدريبات العسكرية في العالم، ولكن امتياز التدريب مع قواتنا يجب أن يقتصر على القوات المسلحة الأجنبية التي تشاركنا قيمنا والتزامنا الصارم بالقانون الإنساني في القتال. أعتقد أننا بحاجة إلى إنهاء تدريب أفراد العائلات المالكة من أنظمة ذات سجلات مروّعة في مجال حقوق الإنسان".

وبحسب تقرير الغارديان المذكور، شهدت ساندهيرست تضاعفاً في أعداد الضباط العسكريين والعائدات من البحرين بعد انتفاضة 2011. وأرسلت البحرين 14 طالباً عسكرياً إلى الأكاديمية في ذلك العام بتكلفة 472 ألف جنيه إسترليني، مقارنة بخمسة طلاب، بتكلفة 162 ألف جنيه إسترليني في العام الذي سبق الانتفاضة.

وتُظهر الأرقام التي أصدرتها وزارة الدفاع، تعليقاً على كلام فارون، اهتماماً قوياً من دول الخليج بساندهيرست: زادت مدفوعات تدريب الضباط من الإمارات عام 2015 بنسبة 50% تقريباً عن الأعوام السابقة، من 364 ألف جنيه إسترليني إلى 519 ألف جنيه إسترليني، وذلك لتدريب 10 ضباط. وأرسلت عُمان عام 2015 تسعة طلاب بتكلفة 349 ألف جنيه إسترليني، بعد أن كانت تنفق 277 ألف جنيه إسترليني لتدريب ستة طلاب. وأرسلت السعودية عام 2016 ثلاثة طلاب بتكلفة 54 ألف جنيه إسترليني، وقطر 11 طالباً، بتكلفة 261 ألف جنيه إسترليني.

ودافعت وزارة الدفاع البريطانية عن ساندهيرست: "لمؤسسة الدفاع تقليد طويل وفخور بتدريب الأفراد العسكريين والمدنيين من الخارج في مؤسسات التدريب في جميع أنحاء المملكة المتحدة، وهذا عنصر أساسي في المشاركة الدفاعية... تعزز هذه الدورات مفاهيم المساءلة وحقوق الإنسان والشفافية. إنها مهمة في بناء المهارات التي تمكّن البلدان الأخرى من التعامل بشكل مناسب مع مشاكلها الداخلية، وبالتالي المساهمة في الأمن الإقليمي. ويتم دفع تكاليف الدورات من خلال مزيج من التمويل الذاتي والتمويل البريطاني".

وعام 2019، نشرت صحيفة "بايلاين تايمز" البريطانية تقريراً قال إن الأكاديمية تلقّت ما يقرب من 4.6 مليون جنيه إسترليني لتدريب ضباط من 33 دولة حول العالم، في عام 2018، وأشار إلى أن مصدر القلق الرئيسي هو أن عدداً من الجنود الذين حضروا إلى الأكاديمية أُرسلوا من دول أدرجتها الحكومة البريطانية على قائمة الدول ذات أوضاع حقوق الإنسان المقلقة.

وذكر التقرير أنه في حزيران/ يونيو 2019، أصدرت وزارة الخارجية قائمتها السنوية وتضمّنت 30 دولة "ذات أولوية في مجال حقوق الإنسان"، سبع منها أرسلت جنوداً للتدريب في ساندهيرست، وهي: أفغانستان والبحرين ومصر والعراق وباكستان والأراضي الفلسطينية المحتلة والسعودية.

وأشار التقرير إلى أن هنالك ردان رئيسيان على أي مخاوف تتعلق بالتدريب المقدم لضباط من بلدان ذات سجلات سيئة في مجال حقوق الإنسان: الأول، يقول إن تدريب هؤلاء سيغرس فيهم حساً أخلاقياً؛ أما الثاني، فيدين الأكاديمية ويتهمها بأنها تزوّد المتدربين الأجانب بمهارات وتقنيات تجعلهم أكثر كفاءة في تنفيذ انتهاكات حقوق الإنسان، مضفيةً طابعاً احترافياً على جنود الطغاة.

في هذا السياق، يعتبر المعارض البحريني إبراهيم المدهون أن هذه المعاهد تجهّز أبناء العائلات الحاكمة ليحكموا دول المنطقة بالقهر والاستبداد، مضيفاً أن الاستعمار صنع هؤلاء الحاكم في المنطقة، ويدرب أبناءهم ليستمروا في الحكم، لتأمين مصالحه.

عام 2019-2020، كسبت الأكاديمية العسكرية الملكية ساندهيرست أكثر من ستة ملايين جنيه إسترليني من الطلاب الأجانب، وهو أعلى مستوى خلال العقد الأخير. وتعليقاً على هذه الأرقام التي حَصَلَت عليها عبر آلية حرية المعلومات، قالت النائبة الديمقراطية الليبرالية ليلى موران إن العديد من الطلاب العسكريين الأجانب "يتعلمون أفضل ما لدينا ثم ينقلون هذه الأشياء إلى الأنظمة التي تقمع سكانها وتدوس على جميع حقوق الإنسان".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard