في "دولة التسامح"... لا تسامح مع الصحافة الحرة

الاثنين 15 فبراير 202106:26 م

"حرية الصحافة والكتابة ركن أساسي في عملية النهضة والتطوير، وهو الأمر الذي يعمل على دعم وتعزيز الإعلام المتطور الحر المسؤول"، كلام ورد ضمن بيان أطلقته قيادات إعلامية في دولة الإمارات العام الماضي احتفاءاً باليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يصادف في 3 مايو /أيار من كل عام. 

لكن ما هو مفهوم حرّية الصحافة والتعبير من وجهة نظر الإمارات؟ ما حدودها داخل بلد التسامح والسعادة؟ 
بالنسبة لأي صحافي أجنبي مقيم في الإمارات، وتحديداً العربي الوافد، سيكتشف بعد أسابيع من عمله هناك أنّ عمله سيكون مقتصراً على كتابة بيانات تشبه إلى حد ما عمل الوكالات الوطنية للإعلام، وإذا كان من أصحاب الحظ فسيتمكن من كتابة تحقيق عن أفخم مطعم وأغلى سيارة وأعلى برج وإلخ.

لائحة بما يجوز ولا يجوز الحديث عنه

لائحة طويلة من الممنوعات والإرشادات ستكون في انتظاره عند مكتب مدير التحرير في جريدة أو موقع إلكتروني أو مدير الأخبار عليه إتباعها دون قيد أو شرط.
الصحافي الباحث عن قضية رأي عام أو موضوع دسم من "التابوهات" أو تحقيق استقصائي سيتوقف بحثه كلياً حين يدخل أراضي البلاد، ولن يكون بوسعه التفكير من خارج الصندوق المجهّز له.
لائحة الممنوعات ستكون أقل وطأة على صحافي أو مؤسسة غربية (أوروبية أو أميركية)، سنأخذ مثالاً قناة "الحرّة" الممولة من وزارة الدفاع الأميركية، أحياناً تتخطى قيود الممنوعات  لو بشكل محدود لكن تفعلها، وأحياناً تتطرق بتقاريرها إلى مواضيع حقوق الرأي والمعارضين في الخليج في وقت يكون هذا السجال ممنوعاً (تحت الملاحقة القانونية والترحيل) على الوسائل العربية في الإمارات. 

الإعلام الأجنبي مستثنى نوعاً ما من الضغوط

من ناحية أخرى،  هناك قناة "البي بي سي" التي قلّصت منذ سنتين عدد الموظفين لديها لعدم حاجتها إلى كوادر من المراسلين والصحافيين الإستقصائيين داخل الإمارات، عادة المحطة البريطانية تغوص في تحقيقات جريئة اجتماعية أو استقصائية، فمثلاً قبل سبع سنوات عرضت تحقيقاً عن الظلم الذي يتعرّض له العمال الأسيويون في بلدان المنطقة، من ناحية ظروف العمل الصعبة تحت حرارة الشمس الحارقة، أو الرواتب المتدنية جداً أو الصرف التعسفي دون تعويضات.
هذا التقرير دفع بالحكومة لإصدار بيانات وتبريرات قبل إجراء تعديلات على قانون العمل ونظام الكفالة، لكنه فعلياً لم يًطبق وبقي الأمر على حاله حتى اللحظة، لكن لا يمكن لأي مخلوق، حتى للصحافي، التحدّث بهذا الموضوع ولو على صفحته الخاصة على مواقع التواصل.
بالنسبة لأي صحافي أجنبي مقيم في #الإمارات وتحديداً العربي الوافد، سيكتشف بعد أسابيع من عمله هناك أنّ عمله سيكون مقتصراً على كتابة بيانات تشبه إلى حد ما عمل الوكالات الوطنية للإعلام، وإذا كان من أصحاب الحظ فسيتمكن من كتابة تحقيق عن أفخم مطعم وأغلى سيارة
تحت عنوان "العمالة الوافدة التي تخلّت عنها دبي: تتضور جوعاً" ومن ثم "فيروس كورونا: آلاف العمال الوافدين مهددون بترك الإمارات"، نشرت "بي بي سي" تقريرين فيهما نوع من الانتقاد والتهجّم المبطن على نظام العمالة في الإمارات.
هذا الأمر كان سيتسبب بسجن الصحافي (العربي) وتغريمه قبل ترحيله من البلاد لو تجرأ وكتب ليس تحقيقاً ( كونه مستحيلاً أن تنشره أي وسيلة عربية  في الإمارات) بل تغريدة عن الموضوع.
سياسة التفادي "أساسية" لمصلحة البلد لصورته في الخارج،  الدولة تنفق ملايين الدراهم لتلميع الصورة خارجياً ومهمة الصحافي الموظف  لديها رسم صور جميلة إيجابية عن أحلام وردية، حتى المصطلحات التحريرية تشعر كأنها "قص" و"لصق" عن البيانات الرسمية.
في حادثة كادت تهز الرأي العام العالمي والإماراتي بشكل خاص، تدخّل القضاء في الوقت المناسب ومنع التداول بالقضية تحت طائلة الملاحقات القانونية، طبعاً كالعادة تخطّت "الحرة" و"السي أن أن" ومعهما "البي بي سي" وصحف ناطقة باللغة الأجنبية تعمل في الإمارات حاجز هذا المنع.
نتحدّث عن واقعة "الفارمونت - دبي"  أو قضية الاغتصاب الجماعي التي انتشرت عبر وسائل التواصل الإجتماعي داخل الإمارات، ولكن تداول القضية لم يأت بسبب جرأة صحتفي بل لأن المغتصبين، وهم مواطنون، بعد تناوبهم على اغتصاب مواطنة أيضاً قاموا بتوثيق فعلتهم وتصويرها ونشرها على صفحاتهم عبر منصة "سناب تشات". لذا أخذت القضية تفاعلاً كبيراً.
لم تتجرأ أي وسيلة عربية مكتوبة او مقروءة في البلد التحدّث أو حتى نشر خبر قصير عن الموضوع ، في وقت كان هاشتاغ #بو_مفتاح ( إسم المنطقة التي وقعت فيها الحادثة في شمال دبي)  يتصدّر قائمة أعلى الهاشتاغات في الإمارة.
بعد يومين، أمر النائب العام الإماراتي حمد سيف الشامسي عدم تداول أخبار تتعلق بالقضية. بالمختصر يريدون القول "لا نريد هزّ صورة الإمارات ... هذه الصورة ستبقى لامعة بّراقة"  
بالنسبة للإعلامين البريطاني والأميركي يعتبر كل منهما أنه خارج معادلة "المنع"، حسناً يمكن التخفيف من اللهجة التحريرية إلى حد ما، لكن لا أحد يستطيع منعهما من تداول أي قضية تحصل داخل الإمارات. وهو ما يترك علامة استفهام كبيرة، لماذا يحق لهما ما لا يحق لغيرهما؟ 
ولماذا يُمنع الحديث في أبسط المواضيع. صحافي اقتصادي على سبيل المثال لا يحق له كتابة تقرير عن حجم خسائر الشركات المستثمرة في البلد بسبب كورونا أو عن رقم البطالة والتخلّص من اليد العاملة. إذاً عماذا سيكتب هذا الصحافي؟ عن أغلى مطعم في برج العرب أو عن شراء الفنان محمد رمضان طائرة خاصة بسعر خيالي؟ 
لماذا يُمنع الحديث في أبسط المواضيع، صحفي اقتصادي على سبيل المثال لا يحق له كتابة تقرير عن حجم خسائر الشركات المستثمرة في #الإمارات بسبب كورونا، أو عن رقم البطالة والتخلّص من اليد العاملة. إذاً عماذا سيكتب هذا الصحافي؟
هنا لا بدّ من الإشارة إلى أن "بي بي سي" بشكل خاص، لها وضعها الاستثنائي، غير الواضح، لماذا هي دون سواها،  فغالباً ما تنشر أو تستعرض تقارير تسيء مباشرة إلى الدولة، لا بل تتعمد ذلك من حين إلى آخر، هذه عيّنة من من تلك الإساءات:
قضية الشابة البريطانية كايتلين ماكنامارا (29 سنة) التي اتهمت مباشرة وزير التسامح الإماراتي نهيان بن مبارك آل نهيان (69 عاماً)، بمحاولة التحرش بها والاعتداء عليها جنسياً على فراش طرحها فوقه. وبحسب كلامها (غير الموثق تماماً) أنها في شباط / فبراير 2020 كانت تحضّر مع الوزير لمهرجان فنّي ضخم سيقام في أبو ظبي. وبعد تقتيادها ( بحسب قولها) في سيارة فخمة إلى منزل ضخم علمت أنه وزير التسامح وأنه أراد التنفراد بها واغتصابها. وقد تمكنت من الهرب منه والذهاب إلى دبي ثم إلى سلطنة عمان وعودتها إلى لندن.
حبكة الرواية غير متكاملة ومترابطة ونحن لسنا بصدد التكذيب أو التصديق أو التحليل، وربما الفتاة أرادت فعلاً ابتزاز الوزير، أو هي خطة مركّبة من المخابرات البريطانية لابتزاز الإمارات كما تفعل بعض الأجهزة الأجنبية.
ولكن يبقى السؤال بعيداً عن نظريات المؤامرة، كيف استطاعت صحف بريطانية وقناة "بي بي سي" التحدّث بالموضوع بحرّية دون أي تكذيب من مكتب نهيان، الذي حاولت وكالة "فرانس برس" التحدث معه لكنه رفض التعليق على الموضوع.
وهنا يكمن التناقض والاستنسابية في تعاطي الدولة مع صحافيين وناشطين دون سواهم.

لماذا يحق لهذه المؤسسة ولا يحق لغيرها  

حين يجلس عدد من الزملاء الإعلاميين في الإمارات في مجالسهم الخاصة يتحدّثون بصوت منخفض فيه شيء من الحذر والخوف، كيف يسمح الإعلام داخل حدود الإمارات التحدّت عن مواضيع تمسّ صورة سوريا والعراق ولبنان أو مصر والسودان. تنشر القنوات والمواقع تقارير تحمل الفضائح او تكشف حقائق أو تسيء لصورة تلك البلاد فيما تمتنع عن نشر تحقيق يروي حياة أقليات وفئات مهمشة في دبي مثلاً.
أخيراً بعد "اتفاقيات أبراهام" التي أحدثت صدمة داخل المجتمع الإماراتي رغم وجود جزء من الشباب يوافق على التطبيع، لكن بالنسبة لأبناء جيل ما فوق الأربعين من العمر أو المتمسكين بجذور عروبيتهم رفضوا ضمناً هذا التوقيع.
وهنالك من فكر بصوت مرتفع مندداً بتلك الاتفاقية، فكان مصيره الملاحقة والسجن تحت شعار "لا صوت يعلو على صوت الدولة التي تسير بنهج السلام والامان، والأهم الصورة البرّاقة للبلد".
وممن تم توقيفهم وملاحقتهم الكاتبة الإماراتية والسفيرة السابقة والمشرفة العامة السابقة أيضاً لقناة "أبو ظبي"،  ظبية خميس التي منعت من السفر وكتبت لاحقاً على صفحاتها المخصّصة للأصدقاء فقط: "أنا الكاتبة الإماراتية ظبية خميس تم منعي من السفر اليوم بقرار صادر من أبو ظبي دون إبداء الأسباب، من مطار دبي في رحلة على طيران الإمارات للقاهرة بتاريخ 26-9-2020 والأغلب لمواقفي المعلنة ضد الصهيونية والتطبيع وأخشى على حريتي وحياتي من التهديد والاعتقال". 
طبعاً سارعت "بي بي سي" إلى نشر تقرير عن الحادثة تحت عناوين جذابة،  تماماً كما تجرأت سابقاً وزميلتيْها "الحرة" و"سي أن أن" على نشر تفاصيل هروب الأميرة هيا بنت حسين زوجة الأمير محمد بن راشد إلى لندن، كذلك قصة هرب الأميرة لطيفة بنت محمد بن راشد وكيفية القبض عليها وسجنها داخل قصر والدها في دبي.
والأكثر دهشة وغير الواضح أو مفهوم تماماً، لماذا التعتيم أو منع تداول أخبار أو صور لمواضيع هي ربما تافهة للآخر لكن للدولة هي حساسة جداً؟
مثال على ذلك، موضوع برج "الخور" المزمع بناؤه في منطقة خور دبي ويقال إنه سيكون أكبر برج في العالم منافساً في حال الانتهاء منه ( بُدئ العمل فيه العام 2016 وتوقف فجاة ) برج خليفة وأبراج كسرت الرقم القياسي عالمياً.
توقف العمل في بناء "برج الخور" العام 2018  لأسباب رفض المعنيون الخوض فيها أو الإجابة عن أسئلة الصحافيين، وهو موضوع لا يستحق التعتيم ولا يهدد الأمن القومي، ولكن من وجهة نظر الدولة لا يجوز الإساءة للبلد والحديث عن توقف بنائه
توقف العمل في بناء "برج الخور" العام 2018  لأسباب رفض المعنيون الخوض فيها أو الإجابة عن أسئلة الصحافيين، وهو موضوع لا يستحق التعتيم ولا يهدد الأمن القومي، ولكن من وجهة نظر الدولة لا يجوز الإساءة للبلد والحديث عن توقف بنائه، في وقت خصصت صحيفة "ديلي ميل" تقريراً عن أسباب التوقف في البناء وهي لضعف التمويل المالي وبعض المشاكل الاقتصادية التي تضرب البلد منذ سنتين، إلى جانب جائحة كورونا التي أدت لصرف آلالاف العمال من دون تعويضات وإرجاعهم لبلدهم. 
يبدو ان سلطة الرقابة على المنشورات والمطبوعات أقيمت خصيصاً وحصراً على الوسائل الإعلامية العربية والصحافيين العرب دون سواهم، ومن يقراً المواقع أو الصحف والمجلات الناطقة باللغة الأجنبية يكتشف الفرق التام في المحتوى رغم بعض المحاذير، لكن الفرق واضح تماماً.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard