حين يقتلنا الرجال ثم لا يخافون... من زينة إلى لارا

الخميس 11 فبراير 202101:03 م

أبحث عن صوت "إسراء غريب" لأذكّر نفسي بأن ما حدث لها حقيقي وموثّق، وأن آخر ما وصلنا منها قبل موتها في العام 2019 هو صراخها في المستشفى واستنجادها بالشرطة بعد تعرضها للتعنيف على يد عائلتها التي أنكرت الجريمة، ونسبت وفاتها لتعرضها لجلطة، وعادت واتهمت "الجن الذي سكنها" بأنه سبب صراخها. من المضحك أن الجن والشعوذة والجنون تظهر في عالمنا العربي عند النساء فقط، وتصبح العنوان الرئيسي لموتهنّ.

مؤلم صوت إسراء لدرجة أنني انتظرت أشهراً بعد مقتلها لأستمع إليه، فصراخها لم ينبع من فمها بل من كل جسدها، وحين وصلنا من فلسطين اكتشفنا أنه لا يشبه أي صوت صادفناه في حياتنا، وهنا كانت الصدمة: هذا هو الصوت الذي يخرج من أجساد النساء، وهنّ يتعرّضن للتعنيف في منازلهن، كوسيلة وحيدة وأخيرة أمامهنّ للتعبير عن الخوف، والعجز، والألم، وطلب المساعدة. وربما لهذا السبب علق صوت إسراء غريب في رأسي، لأنها أسمعتنا معنى أن تُكسر عظام امرأة على يد رجل. وكنت قد أدركت قبل ذلك أن أجساد الرجال بإمكانها أن تتحوّل إلى سلاح متنقّل بيننا. طبعاً هنا لا أعمّم، لكن هذه هي الحقيقة: القوة الجسدية التي يملكها الرجل يمكنها أن تقضي على المرأة في حال استُخدمت، وهذه الفكرة مرعبة.


محاولة قتل لارا

يوم الثلاثاء حصل هذا، حين تعرّضت لارا لمحاولة قتل أثناء عودتها من عملها إلى منزل أهلها في منطقة حي السلم في ضواحي بيروت الجنوبية. اعتدى عليها زوجها باستخدام عصا كهربائية، ورذاذ حارق، و"بوكس حديدي"، وطعنها بسكّين حاد أدّى إلى تمزيق رئتيها، بالإضافة إلى تشويهه لوجهها.

لارا التي تقبع الآن في العناية الفائقة، انتُهك جسدها في الشارع من قبل أبي طفلتها، فقط لأنها أرادت حقّها بالانفصال عنه، ولأنها رفعت دعوى ضدّه في المحكمة الجعفرية، تطالب فيها بتأمين نفقة لها ولابنتهما. جاء ردّه الأول عبر رفع دعوى "إطاعة ومساكنة" ليجبرها على العودة إليه، وردّه الثاني عبر محاولة قتلها. حتى اللحظة، بسبب تفشي وباء كورونا وعدم سير الجلسات لم يصدر أي حكم أو قرار بشأن قضيتها.

"مؤلم صوت إسراء لدرجة أنني انتظرت أشهراً بعد مقتلها لأستمع إليه، فصراخها لم ينبع من فمها بل من كل جسدها، وحين وصلنا من فلسطين اكتشفنا أنه لا يشبه أي صوت صادفناه في حياتنا"

لا يهمنا أن نعرف تفاصيل زواج لارا من س. س.، أو المشاكل التي حدثت بينهما. ما يعنينا هو أن هذه المرأة التي هي أم لطفلة لم تتجاوز السنتين من عمرها، تربّص بها مجرم تربطها به وثيقة زواج لم تحرّرها منها المحاكمة الجعفرية حين لجأت إليها، ومن الممكن أن تخسر حياتها في أية لحظة لأن القانون لم ينصفها وجعلها تنتظر، ولأن هذا القانون نفسه لا يخيف المجرمين ويبيح لهم التعامل مع النساء على أنهن امتداد لهم وملكهم فيمارسون سلطتهم الجسدية والنفسية والعاطفية عليهن.

جريمة قتل زينة كنجو

فضّلت الشاشات اللبنانية السكوب الإعلامي على تحقيق العدالة للضحية، ولم تأخذ بعين الاعتبار مدى حساسية وخصوصيّة التعامل مع قضايا النساء من النواحي الاجتماعية إذ روّجت قناة الـ MTV لمقابلة حصريّة في 5 شباط/ فبراير قدّمت فيها الهواء لإبراهيم غزال، الذي فرّ إلى تركيا بعد خنقه زوجته زينة كنجو في منزلهما في عين المريسة، يوم 31 كانون الثاني/ يناير. هذا الزوج المجرم، قدّمت له واحدة من أهم الشاشات فرصة ليظهر ويحكي قصّته، ويبرر نفسه أمام الرأي العام، أثناء اختبائه في بلد آخر وقبل أن يمْثل ويحاكم أمام القضاء، بينما الضحية صارت تقبع تحت التراب، ولا يمكنها الدفاع عن نفسها.

في تسجيل صوتي نشرته شقيقة زينة، حاول غزال أن يقنع نفسه والعائلة أنه لم يقتل زوجته عن قصد، وأن جريمته مبرّرة وهو ليس المسؤول المباشر لأنها "جريمة شرف" وبالتالي زينة هي المسؤولة، كما أنه بطريقة غير مباشرة قرّر أنه سيحمي "شرفها" عبر عدم ذكر هذا التفصيل في التحقيق. لنفترض أن ما يدّعيه صحيح. النتيجة ستبقى نفسها. زينة كنجو تعرّضت لعنف أسري أدّى إلى قتلها على يد مجرم، تجمعها به وثيقة زواج. والرأي العام يجب ألا يُستعطف ويُبرّر له القتل من خلال المشاكل الشخصية التي وقعت بينه وبين زينة التي هي وحدها ذهبت ضحيتها. كان بامكانه أن يطلّقها لا أن يقتلها.

وفي مقابلته مع قناة الجديد التي فتحت الهواء له أيضاً، قال غزال: "ما قتلتا، في فرق بين واحد يقتل وبين حدا عم بسكّت حدا تاني ويموت... ما تقولي أنا قتلتا... زينة توفّت أنا وعم سكّتها حتّى ما تعلّي صوتا كتير... ليكي كف إيدي، بيقتل... أنا رح سلّم حالي... بس إذا بدّي بقلب الطاولة رأساً على عقب، وما بتوقّف دقيقة. سبب المشكل خاص جدًا... كل وحدة تدير بالها من رفقاتها... اليوم شفت القبر، كنت بتمنى كون محلها".

لا يهمنا أن نعرف تفاصيل زواج لارا من زوجها، أو المشاكل التي حدثت بينهما، ما يعنينا هو أن هذه المرأة، التي هي أم لطفلة لم تتجاوز السنتين من عمرها، تربّص بها مجرم تربطها به وثيقة زواج لم تحرّرها منها المحاكمة الجعفرية حين لجأت إليها، ومن الممكن أن تخسر حياتها في أية لحظة لأن القانون لم ينصفها وجعلها تنتظر

حسنًا، هذه مقتطفات من المقابلة مع ابراهيم غزال. المشكلة أولًا هي عدم خوف الأخير من الظهور على الإعلام والتحدّث عن جريمة قتل ارتكبها. ثانياً، كان بإمكان غزال أن يستخدم مسدّساً، طاولة، أي آلة حادّة، لكنّه استخدم يده التي استعرض حجمها. وبالتالي زينة لم تمت بالصدفة لأن يد زوجها خنقتها عن غير قصد. إبراهيم غزال اختار أن تكون يده سلاح الجريمة الذي سيقتل به زينة. ثالثًا، هذا الرجل النرجسي أصرّ على إظهار فائض قوّته حين أعلن أنه سيسلم نفسه طوعاً، وأنه قادر على التفلّت من العقاب، وهنا تقع المشكلة في القوانين والجهات التي بإمكانه اللجوء إليها في المزرعة الذكورية التي نعيش فيها. رابعاً، حاول أن يعظ النساء وينبههنّ من "صديقات السوء" كي لا يتعرّضن للقتل او للتعنيف من الرجال في حياتهنّ كنتيجة مترتّبة على أفعالهنّ، وبالتالي هذا الرجل يبرّرالتعنيف وجريمته على أساس الأعراف الاجتماعية عبر إلقاء اللوم على النساء. وأخيراً، ختم المقابلة بتعبيره عن حبّه لزينة عبر تضحيته بما تبقى بسنوات عمره من أجلها.

باختصار، كل هذا يبرهن أن إبراهيم لا يشعر بالندم، بل بالفخر لتأديته واجبه الشرعي، وأن طريقة تعامل الإعلام اللبناني مع قضايا النساء في بعض الأحيان، هي أسوأ ما يمكن أن يحصل لهنّ أمام الرأي العام، بالإضافة إلى أن عائلة زينة حين ردّت على إبراهيم، واجهته من خلال أخيها الصغير عبر محاولة ردعه من تحويل الجريمة إلى "جريمة شرف"، أي أن قضيّة زينة، حتى بعد مقتلها، قُدّمت أمام الناس، ولو نفياً على أسس العار، والعيب والأعراف الاجتماعية. في الواقع ما يهم حقاً هو أن زينة خُنقت وقتلت على يد زوجها الذي يعتبرها ملكه، وكل التفاصيل المتبقية ليست سوى جزء صغير من هذه الصورة الكبرى.

فضّلت الشاشات اللبنانية السكوب الإعلامي على تحقيق العدالة للضحية، ولم تأخذ بعين الاعتبار مدى حساسية وخصوصيّة التعامل مع قضايا النساء من النواحي الاجتماعية

في الواقع، المحاكم الشرعية والقوانين التي تعتمد على مبادئ الشرف، لم ولن تنصر النساء، بل ستبقى مكرّسة كل مفاهيم العنف والظلم تجاههنّ في العالم العربي. هؤلاء الرجال الذين يجولون بيننا ويعيشون في منازلنا لا يخيفهم ضربنا، قتلنا أو سلخنا عن أطفالنا، فهم يعرفون أن المجتمع ورجال الدين والقوانين سيسندونهم بينما تُطمر أجساد النساء التي تتحوّل بين أيديهم إلى جثث وأرقام غير قادرة على سرد قصّتها والدفاع عن نفسها، أو ستبقى أجسادهن خائفة من الصفعة القادمة وغير قادرة على المواجهة بسبب العائلة والأطفال والمجتمع. ما نحتاجه هو العدالة، وفي لبنان حيث يخرج القاتل بكفالة أو بدعم من جهات لا تعد ولا تحصى، لن تتحقّق عدالة النساء سوى حين يبدأ كل رجل يستخدم قوّته الجسدية لقتل امرأة، بالخوف من أن يُقتل هو ويعاقب من النواحي القانونية، وربما حينذاك سيكفّ الرجال عن ضرب النساء وخنقهن وطعنهن.    

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard