ياكوب فون غونتن... العيش من خلال الكتابة

ياكوب فون غونتن

الجمعة 12 فبراير 202112:00 م

لا تُقرأ رواية "ياكوب فون غونتن" بمعزل عن زمن كتابتها. تأتي الأهمية الرئيسية للرواية، الصادرة مؤخراً عن دار "الرافدين"، دار "ممدوح عدوان" ومنشورات "تكوين"، بترجمة نبيل الحفّار، من كون روبرت فالزر (1878-1956) كتبها في العام 1909، في زمن الأدب الصارم في الشكل والقواعد، حيث كان تولستوي ما يزال على قيد الحياة، تجرّأ هذا الموظف المصرفي السويسري على كتابة رواية في مستوى واحد، دون صعود أو هبوط.

رواية فاقدة للوجهة والأحداث، بلغة ساخطة وخائبة، مفعمة بالسخرية المريرة من كل شيء، كأبسط شكل من أشكال الاعتراض المتاح على الواقع، والذي يهرب منه بالكتابة عن المستقبل المؤكّد أنه سيكون بائساً، مع بعض الذكريات التي يبعدها حالما تأتي، والحاضر بأيامه المتشابهة من الملل وضياع العمر. فالتحليق عالياً بأجنحة الخيال هو شكل العيش الممكن، والطريقة الوحيدة لتحقيق الطموحات، وسط التعليمات المتشددة والممنوعات الكثيرة للسجن الذي وجد نفسه فيه.

لا تُقرأ رواية "ياكوب فون غونتن" بمعزل عن زمن كتابتها. تأتي الأهمية الرئيسية للرواية  من كون روبرت فالزر كتبها في عام 1909، في زمن الأدب الصارم في الشكل والقواعد، فتجرّأ على كتابة رواية في مستوى واحد، دون صعود أو هبوط

لا تُقرأ هذه الرواية التأسيسية في الأدب الأوروبي الحديث، أيضاً بمعزل عن ظروف حياة كاتبها، فما نقرأه في هذا النص المضغوط، الكثيف، الغني بالانطباعات والأحاسيس ومحاولات التفسير وإيجاد الأجوبة، من تردد ياكوب وعدم وضوح رؤيته، من انعدام ثقته بنفسه وتبنّيه للرأيين المتعاكسين معاً، بالإضافة إلى الكمّ الهائل من التفاصيل والأفكار والذكريات التي يدوّنها بشكل خفي ليلاً في غرفة الدروس الخالية، ما هو إلا صدى لحياة فالزر الذي عانى من عدة أزمات نفسية، إلى أن أصيب بانهيار عصبي وأُدخل المصحّ.

وكان غزير الكتابة، خاصّة في المصح، وبعض كتاباته كانت سرية ومشفرة، لم تفسر وتنشر إلا بعد موته، الذي يماثل بالمناسبة طريقة موت بطل قصته "مشوار المشي"، كأن الكاتب اجتاز الحدود في مشواره الواقعي في الجبال الثلجية، ودخل في قصته.

ياكوب سليل العائلة التي تتبوأ مقعداً في مجلس المحافظة أباً عن جدّ، ثار عليها وهرب. أراد أن يشق لنفسه طريقاً مستقلة في الحياة، وأن يكتشفها من خلال خوض غمارها بالعمل، لا من خلال السماع عنها، مطالعتها في الروايات أو مشاهدتها من خلف نوافذ قصرهم، فالتحق بمعهد بنيامينتا من أجل تجهيزه للحصول على وظيفة محترمة، لكنه اكتشف أن هذا المعهد يُحتضر، فهو لا يُعلّم شيئاً تقريباً، ويكاد يكون بلا معلمين سوى الناظر السيد بنيامينتا، العملاق ذي القبضة الحديدية الذي يثبّت النظام، وأخته الأنسة بنيامينتا التي تعلمّهم الأساسيات.

الطلاب قليلون، يصورهم لنا ياكوب واحداً واحداً، بدرجات متفاوتة من التفصيل، يجمعهم أنهم كلهم بلا مستقبل. كراوس هو الألمع بلا منازع، إنه نموذجي: "كديش" ، يهرع إلى الخدمة وتنفيذ الأوامر، وهو الأشد طاعة والتزاماً بالتعليمات، وقد صار بمثابة رقيب ومحرّض للمخالفين الذين أولهم ياكوب، يقذفهم بالنصائح الغاضبة، مثل "اشتغلْ أكثر وتَمَنَّ أقلّ". وهناك شاخت وشيلينسكي وهاينريش وبيتر الطويل والبقية، الذين تجمعهم ظروفهم الصعبة قبل التحاقهم بالمعهد. حتى ياكوب الذي احتجّ على أحوال المعهد وظروف المعيشة فيه منذ يومه الأول، تأثّر بأجوائه وانخرط في نظامه، فصار لغزاً بالنسبة إلى نفسه.

لقد أحبِطت ثورته، إذ إنه وقع تحت سلطة نظام قمعي أقسى من النظام العائلي الذي فرّ منه. لكنه يكابر ويرفض الاعتراف بهزيمته، فهو يزعم الحفاظ على خصوصيته رغم كل شيء، ويعتبر نفسه أذكى من زملائه، يستمتع بخرق القوانين ويكتب بنهم، أي يتّخذ من الخيال وسيلة لإرواء تعطّشه للحياة، وتحقيق طموحه في أن يصير غنياً، فيصير إضافة إلى ذلك، سيداً ذا حاشية وأتباع وخدم، جندياً في جيش نابليون الذي يخوض في الثلوج غازياً روسيا، وقائداً عسكرياً بانتصارات ساحقة، يسعى الحكّام إلى رضاه. وبالطريقة ذاتها يصير شاخت عازفاً رائعاً على الكمان، فـ "ألّا يجوز لك أن تفعل أمراً ما، يعني أن تفعله بشكل آخر، على نحو مزدوج، في مكان آخر".

ألّا يجوز لك أن تفعل أمراً ما، يعني أن تفعله بشكل آخر، على نحو مزدوج، في مكان آخر

لكننا نراه يستعذب أن يفعل أشياء تُغضب الناس الذين يحبونه، بما في ذلك أن يموت، فهو رغم اشتياقه إلى أمه لا يراسلها، وانتقامه هذا من خيبته من المجتمع الذي يقتل طموحاته، لا يقتصر على أحبائه، بل يطاول نفسه أيضاً.

نجد في سلوكه نوازع مازوشية، فهو يجبر نفسه على الاستمرار في الإقامة حيث لا يطيق البقاء، بل تقديم فروض الاحترام والطاعة للناظر الذي يكرهه، ويصرف النقود التي هو بأمسّ الحاجة إليها في أمور ثانوية عديمة الأهمية، ليعاني بعدها في تدبر احتياجاته الحياتية الضرورية.

يتميز السرد إضافة إلى تردد الراوي ونَفَسه الساخر، بالأجواء الكابوسية التي يزجّنا فيها، والتي تذكّر بالأجواء الكافكاوية المغرقة في ذلك، مع أن فالزر سابق لكافكا، لكنه لاحق له عندنا بسبب تأخّر ترجمته، كما يتميز بلمسة من الشاعرية ليس إلا، فالكاتب يمسك باللحظة الشعرية دون أن يغوص فيها، كما أن هناك جانباً روحياً في تفسيره لشخصية كراوس التابعة مثلاً، والشكل القرديّ الذي وُلِدَ فيه، والذي "يحفظه من النجاحات الخارجية المهلكة".

يتميز سرد روبرت فالزر بالأجواء الكابوسية التي يزجّنا فيها، والتي تذكّر بالأجواء الكافكاوية المغرقة في ذلك، مع أن فالزر سابق لكافكا

يتأخر وقوع الحدث حتى نهاية الرواية، وبوقوعه تتزعزع وضعيات الشخصيات، فينفرط عقد الزملاء، ويذهب كل منهم للالتحاق بعمل مختلف، ومن بينهم ياكوب الذي يستمر على تناقضه وكونه لغزاً بالنسبة لنفسه ولنا، فهو سيعمل مع مَن كبح اندفاعه ومنعه عن العمل طيلة فترة إقامته في المعهد. ياكوب الذي قال: "الفكرة كانت تثيرني دائماً أكثر من الفعل نفسه"، اكتشف في نهاية تأمله الطويل المكتوب أن "الحياة تتطلب اندفاعات، وليس تأمّلات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard