النوم في سرير الجدّة

الأربعاء 17 فبراير 202101:14 م

ها هي رعشة ما بعد الثانية عشرة، رعشة رافقتني لسنوات عديدة، لدرجة أنني ألفتها، ولم أعد أعتبرها مشكلة أو أفتش في أسبابها المرضية. رعشة بدأت تأتيني في شتاء 2010، وتحديداً بعد ما سافر خطيبي إلى الإمارات، وتركني معلقة بآمال مستقبلنا الضبابي.

حينها لم يشعر أحد بما كان ينتابني كل ليلة، سوى أمي التي كانت تحضر لي الحرامات السميكة وتراكمها فوقي، تدثّرني بإحساسها بي وعطفها قبل أن تدثّرني بتلك الأغطية، محاولة تخفيف نار البعد بكلمات تشجيعية، بأنها لم تكن تظن أنني على هذا القدر من التماسك، وأنها معجبة بصلابتي، فيما أنا تلك المسكينة التي تتحول كل ليلة، عند تمام الثانية عشرة، إلى قصاصة في مهب ريح صقيعية عنيفة تعصف بجسدها، من دون أن تعلم لها جهة كي تتجنّبها وتلوذ فراراً.

اليوم، بعد ما يقارب الأعوام العشرة على زواجي، وبعد أن بتّ أقيم في مرعى مثالي للصقيع (كندا)، وبعد أن تعتّقت وحدتي وأمومتي، وهما الشيئان اليتيمان اللذان أجيد ممارستهما، أفتح خزانة ملابسي لأسعف جسدي بالشال الصوفي الأزرق الذي أهدتني إياه جدتي

في العام نفسه، وبعد شهرين ونصف تحديداً، عاد خطيبي من الإمارات، بعد أن انقضى وقت الفيزا السياحية دون أن يوفّق بتوقيع عقد عمل، لكنه لم يعد إلى سورية، بل إلى لبنان، لأنه كان قد استنفد كل فترات تأجيل الخدمة العسكرية. حينها قرر أهله الذهاب لرؤيته هناك، وطبعاً رافقتهم لقضاء يومين فقط لا غير.
مضى اليوم الأول بتناقضاته الثقيلة علينا هو وأنا، فبعد هذا الغياب نجد نفسينا في بيت غرباء هم أقرباء والده، مكبّلين بالرسميات والمجاملات وعبارات الامتنان على حسن الاستقبال وكرم الضيافة، بينما عيوننا يملؤها حزن العالم، وقلبانا ينبضان بغصّات المجهول الذي ينتظرنا:

ما الذي سيحلّ بنا في حال عاد ولم يوفق ثانية بإيجاد عمل؟ ما مصير زفافنا بعد مرور سنوات أربع على ارتباطنا؟ من أين لنا كل هذه الطاقة على احتمال هذا الفراق الذي لا نعرف له نهاية؟
حان وقت النوم، فدخلنا والدة خطيبي وأخته وأنا إلى الغرفة التي خصصوها لنا. كان هناك سرير واسع لنا نحن الثلاث، فاخترت النوم في الوسط بينهما، وما هي إلا دقائق حتى نامت أخته، وظللت مستيقظة أحاول إبعاد أشباح أفكاري دون جدوى، وإذ بنوبة الارتعاش تداهم جسدي، وسرعان ما انتبهت والدته وسألتني بلهفة: لماذا ترجفين؟ وما كان منها إلا أن طلبت مني أن أضع قدمي بين رجليها في محاولة منها السيطرة على هذا الارتجاف الغريب الذي انتابني، متمتمة كلمات تراوحت بين الصلاة حيناً وتهدئتي حيناً آخر.
بعد زواجنا وسفري إلى الإمارات مع زوجي، تلاشت تلك الرعشة تدريجياً، لكنها ظلت تزورني بوجل كلما رأتني ساهرة بمفردي، وإذا بي أنظر إلى الوقت لأجده يوافق تمام الثانية عشرة، فأسرع لارتداء ملابس أكثر دفئاً بالرغم من حرّ الخليج.

أستحضر رائحة النوم في بيت جدي، شراشف جدتي الوردية، وملمس وسائدها، زيتونها والعلبة المعدنية التي كان جدي يخبّئ لي بداخلها الشوكولا، والتي باتت عقدتي وسبب عدم مقاومتي لشراء كل علبة معدنية أراها، لا سيما إن كانت مليئة بالشوكولا

اليوم، بعد ما يقارب الأعوام العشرة على زواجي، وبعد أن بتّ أقيم في مرعى مثالي للصقيع (كندا)، وبعد أن تعتّقت وحدتي وأمومتي، وهما الشيئان اليتيمان اللذان أجيد ممارستهما اليوم، أفتح خزانة ملابسي لأسعف جسدي بما يبعد رعشة الثانية عشرة عنه، فإذا بالشال الصوفي الأزرق الذي أهدتني إياه جدتي قبل زفافي، يقع في يدي.

وكأني بفتح باب خزانتي قد فتحت أبواب الماضي المدفون، لأعود وأستحضر رائحة النوم في بيت جدي، شراشف جدتي الوردية، وملمس وسائدها، زيتونها والعلبة المعدنية التي كان جدي يخبّئ لي بداخلها الشوكولا، والتي باتت عقدتي وسبب عدم مقاومتي لشراء كل علبة معدنية أراها، لا سيما إن كانت مليئة بالشوكولا.

حين كنت أنام في بيت جدي وأنا في الثالثة عشرة، كانت جدتي تعطيني أحد قمصان النوم القطنية الخاصّة بخالتي قبل أن تتزوج. لا أدري بماذا يمكنني تشبيه تلك اللذة التي كنت أشعر بها كلما ارتديت واحداً منها، ولا أغالي إن قلت إنني كنت أنام في بيت جدي خصيصاً لأرتدي قميص نوم، تقدمه لي جدتي وهي ترمقني بعينها الوحيدة، رمقة الجدات اللواتي يمتلكن حاسة سادسة تجاه قلوب حفيداتهن الفتيّات، متمتمة: رح حط الشاي عالنار.

ربما هي لذة الحلم باللذة، لذّة الآتي، وهي بدايات الإحساس بأنوثة غضّة، كانت تهفهف تحت القميص القطني الواسع.

فقدت جدّتي إحدى عينيها إثر خطأ طبيّ خلال عمل جراحي، لكنها ملكت ما منحها التغلغل في عوالم بناتها الأربع بكل انسيابية، عوالم أزواجهن، حفيداتها السبع وحفيدها الوحيد. كانت وهي جالسة في مقعدها المخملي الأزرق تعلم أين يكون كل فرد من أفراد عائلتها، وماذا يفعل وإلى ماذا يحتاج لكي ترفع صلاتها من أجله.

كيف لطفلة أن تستطيع الرّقاد في سرير جدها المتوفى بالسلام الذي كنت أرقدُ فيه؟

لم أكن أغفو في تلك الليالي التي أقضيها في سرير جدي الملاصق لسريرها، أمضي الليل ألوك ظلمة الغرفة وصمت الحيّ، مترقّبة سعادة مجهولة أو ربما وهمَ سعادة.

 اليوم أعود لأدهش كيف لطفلة أن تستطيع الرّقاد في سرير جدها المتوفى بالسلام الذي كنت أرقدُ فيه؟! كيف يتحوّل المرقد الأخير لإنسان إلى عالم رحب لأحلام يافعة؟!

كنت مأخوذة بالإصغاء لصمت الحي الذي يقع بيت جدي فيه. مجاورته لسكة قطار حمص كان يبقيني متحفّزة طوال الليل، وعند تمام الثالثة فجراً يصل القطار مالئاً فضاء الحي بصفيره. أخرج قصاصاتي وقلمي من تحت الوسادة، وأشعر أن يد جدي هي التي تناولني إياها، وأبدأ بخطّ جمل متفرقة أو مترابطة من وحي ليلة بيت الجد تلك. تتنحنح جدّتي رغم ثقل سمعها، وتقول لي: نامي نادين. تقضي الليل كلّه وهي تنام وتستيقظ لتقول الجملة نفسها، فيما أتقلّب بقميصي تحت غطاء رقيق يشعرني ببرودة محببة متظاهرة بالنوم.

ويأتي آذان الفجر ليتوّج ليلتي. أنهي الإصغاء وألتفت إلى جهة سرير جدّتي مغمضة عيني، كي تطمئنّ أني غفوت أخيراً.

في الصباح، كنت أستيقظ على حركة جدتي وهي تحضّر لي الفطور، فيما تمسك بيدها الهاتف وتكلم أمي تشكو لها سهري حتى ساعات الفجر، فلا يكون مني إلا أن أندسّ في السرير أكثر، مكملةً لذة الغرق في نوم متأخر، مطمئنة لحدس جدتي الذي يوازن العالم من حولي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard