"ملك الكورونا" في إسرائيل... حاخام لا يخرج من البيت ولا يستعمل الهاتف

السبت 30 يناير 202101:10 م

يُعدّ الحاخام حاييم كانيفسكي المرجع الروحي لمئات الآلاف من اليهود الأرثوذكس المتشددين، الحريديم، يُطلق عليه أحياناً "أمير التوراة" في إسرائيل لكن تصريحاته المتطرفة بشأن تفشي الفيروس التاجي جعلت الكثيرين يرونه شخصاً سيئاً، بل بات "ملك الكورونا" لدى البعض والمتسبب في إصابة الآلاف بالفيروس.


اللافت أن كانيفسكي (93 عاماً) منفصل إلى حد كبير عن مظاهر الحياة الدنيوية؛ لا يستطيع استخدام الهاتف، ونادراً ما يغادر منزله، ولم ينجح قط في إعداد فنجان شاي، حتّى أنه لا يعرف اسم رئيس وزراء إسرائيل الحالي، لأنه يكرّس حياته لدراسة التوراة 17 ساعة يومياً.


وقفت تصريحات كانيفسكي وراء التوترات بشأن فيروس كورونا بين السلطات الإسرائيلية والتيار السائد هناك من جهة، والأقلية الأرثوذكسية المتزايدة من جهة أخرى. اشتبكت السلطات مع الحريديم بسبب مقاومتهم تدابير مكافحة الوباء، لا سيما رفضهم إغلاق المدارس الدينية أو الحد من التجمعات في المناسبات الدينية. اندلعت مشادات مماثلة بين الحريديم والسلطات الأمنية في أمريكا.


يتحصن بمنزله ويسهم في نشر العدوى

من الشقة الضيقة المليئة بالكتب التي يتحصن بها في إحدى ضواحي تل أبيب، أصدر كانيفسكي تصريحاته التي أدت إلى تلك المقاومة. خلال الموجتين الأولى والثانية لتفشي الوباء في إسرائيل، رفض مرتين بروتوكولات مكافحة الفيروس التي فرضتها السلطات ولم يأمر أتباعه بإغلاق مدارسهم الدينية المستقلة حيث يتجمع العديد من الطلاب في قاعات صغيرة لدراسة الكتاب المقدس اليهودي.

"أمير التوراة" و"ملك الكورونا"... آفة رجال الدين المتطرفين في كل الأديان؛ الحاخام حاييم كانيفسكي (93 عاماً) يدرس التوراة 17 ساعة يومياً ولا يفقه شيئاً عن أمور الحياة الدنيوية، ومع ذلك عرّضت فتاويه مئات آلاف اليهود للخطر في ظل الجائحة 

لبضع ساعات يومياً، يتوقف الحاخام عن الدراسة ليستقبل أسئلة أتباعه. تُقدّم الأسئلة مكتوبة ويطرحها على كانيفسكي أبناؤه وأحفاده الذين يعودون إلى وضع الإجابات في سياقها وشرح الردود المقتضبة والمُغمغمة. قال عنه حفيده يعقوب كانيفسكي (31 عاماً)، الوسيط الرئيسي للحاخام مع العالم الخارجي: "إنه يعتقد أن التوراة تدعم العالم. بدون تعلم التوراة، ليس لدينا أي سبب للعيش. هذا مكتوب في الكتاب المقدس. إذا توقفت عن التعلم، فسينهار العالم".


أظهر كانيفسكي إيمانه بأن الوباء يستدعي التضرع أكثر بالصلاة ودراسة التوراة مراراً، صائحاً "لا سمح الله!"، حين سُئل عن غلق هذه المدارس. رغم أنه رضخ في النهاية، بقي الاعتقاد بأنه شارك في التسبب بضرر كبير تمثل في زيادة انتشار الفيروس في صفوف أتباعه وبشكل عام في إسرائيل.


يرى الكثير من خبراء الصحة العامة أن التيار الحريدي - الذي يمثل نحو 12% من سكان إسرائيل وفي الوقت نفسه 28% من نسبة الإصابات بكورونا، وفق إحصاءات الحكومة الإسرائيلية - قوّض الجهود الرسمية ضد الفيروس.


في مقال رأي عبر صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الأسبوع الماضي، نُشرت دعوة إلى "القبض على الحاخام لنشره المرض"، بينما ورد في مقال بصحيفة "يديعوت أحرونوت": "هذا الحاخام يُحرّض على السلوك الشائن في الوسط الأرثوذكسي المتطرف".


لكن هذا الاتهام قد يكون مبالغاً فيه لأن هذا التيار ليس متجانساً تماماً بل كان القادة البارزون الآخرون في التيار أسرع منه امتثالاً للبروتوكولات الاحترازية. ويزعم هؤلاء القادة أن غالبية أتباعهم امتثلوا للقواعد.


تعقيباً على موقف كانيفسكي، قال بنيامين براون، الخبير في الفكر الحريدي في الجامعة العبرية بالقدس: "لا أتذكر مثل هذه الحالة (المواجهة) في تاريخ إسرائيل"، لافتاً إلى أن قادة اليهود المتشددين تجنبوا المواجهة المباشرة مع الحكومة في الماضي.

"إنهم يرونه رجلاً مقدساً… يرون أن وجودهم يعتمد على الحاخام حاييم وتعلُّم التوراة"... دعوات إلى محاكمة حاخام متهم بالوقوف خلف 28% من إصابات كورونا في إسرائيل لرفضه غلق المدارس اليهودية ووقف التجمعات الدينية

سلطة كبيرة دينياً وسياسياً

هاجر كانيفسكي، المولود عام 1928 في ما يسمى الآن بيلاروسيا، إلى فلسطين قبل الحرب العالمية الثانية. وقد قضى معظم حياته في دراسة النصوص اليهودية، وجمع تدريجياً أتباعاً لما يسمى بـ"اليهود الليتوانيين"، وهم طائفة غير حسيديّة من اليهود الأرثوذكس المتطرفين من أصول أوروبية شرقية ويشكلون ما يقرب من ثلث الحريديم في إسرائيل.


حين توفي زعيم الطائفة السابق عام 2017، كان كانيفسكي واحداً من اثنين من كبار الحاخامات الذين ملأوا الفراغ، وهذا ما منحه سلطة كبيرة على الطائفة، بالإضافة إلى حزب سياسي متشدد يشكل الآن جزءاً من الحكومة.


دعم المكانة التي بات يحظى بها حال والده وعمه اللذين اعتُبرا قائدين روحيين أسطوريين. لكن دراسته المعمّقة للتوراة ومعرفته الموسوعية بالتعاليم اليهودية تجعلان أتباعه يعتقدون أن لديه قدرة شبه صوفية على تقديم التوجيه الديني.


بحسب إيلي بالي، رئيس معهد الحريديم للشؤون العامة، وهو مجموعة بحثية مقرها القدس: "إنهم يرونه رجلاً مقدساً. إنهم يرون أن بقاءهم يعتمد على الحاخام حاييم وتعلُّم التوراة".


رفض الاتهامات

حين سأل أحد أتباعه عن السبيل إلى الحماية من الوباء، أجاب كانيفسكي: "تعلموا التلمود". رغم ذلك، دافع الحاخام عن نفسه في إحدى المقابلات، قال: "هناك أشياء يساء فهمها"، مشدداً على أنه "يأخذ كورونا على محمل الجد، وهو يأخذ المرضى على محمل الجد".


عقب نحو ثلاثة أسابيع من تفشي الوباء، أمر أتباعه بالتزام التدابير، مساوياً بين من ينتهكها ومن يرتكب القتل. ثم عاد ليقول إن ارتداء أقنعة الوجه واجب ديني. وأعطى مباركته للقاح كورونا الشهر الماضي. خلال الأيام الأخيرة، دان مجموعة من الشباب الحريديم الذين اشتبكوا مع ضباط شرطة كانوا يحاولون تطبيق التدابير الوقائية.


تراجع في النهاية كذلك عن تمسكه باستمرار فتح المدارس الدينية.


إلى ذلك، تواصل توجيه اللوم إلى الحاخام في كل انتهاك يرتكبه أتباعه. لكن البعض أثار تساؤلات حول المسؤول الحقيقي عن أفعال الحاخام الكهل الذي يتحكم حفيده في ما يخرج من حديثه إلى العالم الخارجي ومن يقابل ومن يرى. حتى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يُمنح امتياز التحدث مع الحاخام كانيفسكي مباشرة رغم مطالبه المتكررة.


وعن ذلك أوضح كيمي كابلان، الخبير في شؤون الحريديم في جامعة بار إيلان الإسرائيلية: "الأمر كله يتعلق بكيفية تقديم الأشياء - فالرجل ليس لديه القدرة على معرفة كيفية عرض الأشياء عليه. نحن نتحدث عن شخص يعيش في ‘فقاعة مغلّفة‘ منذ بضع سنوات. يبلغ عمر الرجل 93 عاماً. لا أشكك في حكمته، لكنه منفصل من نواحٍ كثيرة عن الواقع".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard