الأفعى التي سرقت منّا الخلود

الاثنين 18 يناير 202102:26 م

 لقد شغلت فكرة الخلود الكائن البشري، وذلك لأنّه الوحيد الذي أدرك فناءه. ومن هذا المنطلق، وضع الأساطير التي تفسّر عدم تمتّعه بالخلود، كما هو حال الآلهة. قد تكون أسطورة جلجامش هي القصة التي انبثقت منها بقية القصص، أي الحكاية التأسيسية التي نسجت على منوالها القصص الأخرى.

يرى جوزيف كامبل في كتابه "البطل بألف وجه" أنّ المجموعة البشرية مهما تباعدت أمكنتها وأزمنتها تُنتج ذات القصص، وإن كانت بأوجه مختلفة، لكنّها تحمل ذات الجوهر.

أدّت الأفعى أدواراً متنوعة في الأساطير، ومن هذه الأدوار أنّها كانت السبب في فقدان الإنسان للحياة الأبدية، فقد سرقت عشبة الخلود منه ومن ثمّ أكلتها، ما نتج عنه التمتع بتجديد شبابها سنويّاً، من خلال خلع جلدها الهرم واستبداله بجلد جديد.

أدّت الأفعى أدواراً متنوعة في الأساطير، ومن هذه الأدوار أنّها كانت السبب في فقدان الإنسان للحياة الأبدية، فقد سرقت عشبة الخلود منه ومن ثمّ أكلتها، ما نتج عنه التمتع بتجديد شبابها سنويّاً، من خلال خلع جلدها الهرم واستبداله بجلد جديد

الأفعى السارقة

فُجع جلجامش بموت صديقه إنكيدو، وعلم ما قدّرته الآلهة للبشر من موت، لكنّه لم يستكِن، فقرر الذهاب إلى منابع الأنهار ليسأل جده أتونفشتيم، الذي نجا من طوفان شبيه بطوفان نوح، كيف حاز الخلود مثله مثل الآلهة. أخبره أتونفشتيم بأنّ الآلهة قد كافأته بالحياة الدائمة، وأنّه ليس من سبيل للبشر كي ينالوا الخلود. على الرغم من ذلك، أصرّ جلجامش على أن يعرف كيف يخلد، فأخبره أتونفشتيم عن عشبة الخلود الموجودة في قاع الإبسو/ المحيط البدئي للمياه.

هكذا نزل جلجامش إلى قاع الإبسو وأخذ عشبة الخلود ويمّم شطر بلاده. وفي الطريق نال منه التعب، فقرر أن يأخذ قسطاً من الراحة، وأن يستحم في أحد الأنهار. وبينما كان يستحم جاءت الأفعى وسرقت عشبة الخلود، ومن وقتها والأفعى تبدّل جلدها كلّ عام، فيعود إليها شبابها.

يذهب علماء الأنثروبولوجيا إلى أنّ قصة الأفعى مع جلجامش، أسطورة تفسيرية تشرح لماذا تستطيع الأفعى تغيير جلدها كل عام، وفي الوقت نفسه تخفّف العبء الأخلاقي عنه، إذا اعتقد أن الآلهة كانت أنانية وسلبت منه الخلود، فالأفعى من فعلت ذلك وليس الآلهة.

هدايا الآلهة

تذكر لنا الأساطير اليونانية كيف سرق برومثيوس النار وأعطاها للبشر، إلّا أنّ بعضهم قد وقع تحت غواية زيوس وأفشى السرّ، فمنحهم زيوس عشبة الخلود، كما جاء في كتاب لويس عوض "أسطورة برومثيوس في الأدبين الإنكليزي والفرنسي". قبض زيوس على برومثيوس، بعد أن علِم من البشر أنّه من منحهم النار، قيده في جبال القوقاز، وسلّط عليه نسراً ينهش كبده في النهار، لكن في الليل يعود الكبد في خاصرة برومثيوس إلى ما كان عليه. ظل برومثيوس 30 ألف سنة على هذه الحال، ومن جروح خاصرته وما نزف منها من صديد ودم، نمت نبتة تهب الخلود لمن يتناولها.

أعلم زيوس البشر أين بإمكانهم أن يجدوا عشبة الخلود التي تنبت من دماء وصديد جروح برومثيوس المصلوب في جبال القوقاز. عاد البشر من جبال القوقاز ومعهم عشبة الخلود وقد وضعوها على ظهر الحمار. في ذلك الزمن كان الطقس حاراً جداً، ما تسبب بعطش كبير للحمار الذي يحمل عشبة الخلود، فاقترب من الماء ليشرب، وقد كانت أفعى تحرسه، فرفضت الأفعى أن تسمح له بشرب الماء إلا إذا منحها العشبة التي يحملها على ظهره، فقايض الحمار الماء بالعشبة.

لقد خسر البشر الذين وشوا ببرومثيوس خلودهم، ولم ينتبهوا للحكمة التي قالها برومثيوس لاخيه أبيمثيوس، بأن لايقبلوا هدايا الآلهة التي لا تتضمّن غير المكر بهم.

لا يوجد في القرآن الكريم إشارة مباشرة أو غير مباشرة إلى دور الأفعى في خطيئة آدم، لكنّ التراث الإسلامي استلهم من التوراة وتراث المنطقة قصة الأفعى التي تمثّل بها الشيطان، وأغوى حواء وآدم بأن يأكلا من الشجرة التي منعهما الله من الأكل منها

عشبة الخلود في حيازة الأفعى

يذكر تيرنيس ماكّينا في كتابه "طعام الآلهة"، أن ابن الملك مينوس في جزيرة كريت قد مات، بعد أن وقع في جرّة عسل كبيرة وهو يطارد فأراً. حزن الملك على ابنه كثيراً ولم يكن يعرف أين هو، فاستشار العرافين، فأخبروه بأن هناك بقرة في قطعان الملك لونها مميّز، ومن يجيد وصفها لا بدّ أنّه يعرف أين ابن الملك. وكان من بين العرافين شخص يدعى يوليدوس قد أحسن في وصف البقرة، وشبهها بثمرة العليق، فاستحسن الملك التشبيه وطلب منه أن يخبره عن مكان ابنه، فقال له يوليدوس إنّ ابنه قد سقط في جرّة العسل ومات. فما كان من الملك إلا أن حبس يوليدوس مع ابنه في القبر وقال له: لن أخرجك حتى تعيده إلى الحياة.

مضت أيام ويوليدوس حائر في أمره، حتى دخل ثعبان إلى القبر، فخاف يوليدوس أن يؤذي الثعبان جسد الطفل، فيعاقبه الملك. رمى يوليدوس الثعبان بحجر فقتله. بعد لحظات دخلت أفعى وفي فمها عشبة وضعتها على ذكرها، فعاد إلى الحياة. أخذ يوليدوس العشبة ووضعها على جسد الصغير، فرجع إلى الحياة.

لم يسمح الملك ليوليدوس بالمغادرة قبل أن يعلم صغيره فنون العرافة، فامتثل لذلك وشرع في تعليم الصغير، إلى أن جاء يوم طلب من الصغير أن يبصق في فمه. هكذا خسر يوليدوس قدرة العرافة، ولم يبح للصغير بسرّ عشبة الخلود.

تتداول العجائز في الساحل السوري حكمة علاجية تسمح بشفاء المولود الجديد الذي يتذكر حياته السابقة، وذلك بأن يبصق في فمه، فينسى ما كان قد عاشه من حيوات سابقة. وإنّ الأفعى أن بُصق في شدقها تموت أي تنسى. إنّ هذه القصة التراثية تعود في جذورها إلى قصة يوليدوس وملك كريت.

الحيّة أَحْيَلَ جميع حيوانات البرية

لا يوجد في القرآن الكريم إشارة مباشرة أو غير مباشرة إلى دور الأفعى في خطيئة آدم، لكنّ التراث الإسلامي استلهم من التوراة وتراث المنطقة قصة الأفعى التي تمثّل بها الشيطان، وأغوى حواء وآدم بأن يأكلا من الشجرة التي منعهما الله من الأكل منها، فترتب على ذلك فقدانهما الجنة وهبوطهما إلى الأرض، ومن ثم الموت نتيجة لذلك.  

 لقد شغلت فكرة الخلود الكائن البشري، وذلك لأنّه الوحيد الذي أدرك فناءه

جاء في التوراة- سفر التكوين: "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: أَحَقّاً قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا. فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: لنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرّ. فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ".

تغيّرت الأسطورة في الديانات التوحيدية، حيث فقد الإنسان والأفعى الخلود معاً، لكن أبقى التراث الديني على ثيمة الأفعى التي ورثها من العقائد السابقة، بأنها سبب الخطيئة التي أفقدت الإنسان الخلود.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard