"لا أعرف هل كان عليّ أن أندم أم لا".. سوريات بين الهروب من العائلة والخوف من التغيير

الأحد 10 يناير 202101:55 م

يرى كارل غوستاف يونغ، عالم النفس السويسري ومؤسس علم النفس التحليلي، أن "الثائر" هو أحد الأنماط الأولية التي تزخر بها الإنسانية، ويمثل إحدى شخصيات البشر الساخطة على الأعراف الاجتماعية البالية والظلم والفساد، وهو لا يعبأ بالأخطار التي يواجهها أو قد يجلبها على المحيطين به، فلا يتخلى أبداً عن سعيه وراء التغيير، ولديه القدرة على التخلي عما يؤلمه أو يسبب له الغضب.

ومع اختلاف الأشياء التي يتخلى عنها الإنسان، مادية ومعنوية، قد يكون أكثر أنواع التخلي وجعاً هو عن الأشخاص المقرّبين منا، تحت ضغط ظروف معينة. نجد نساءً تخلين عن عائلاتهن لأسباب مختلفة، قد تكون خيانة الحبيب أو الزوج، أو معاملته السيئة، أو برود المشاعر تجاهه. وقد تكون قسوة الأهل وتعنيف بناتهم أو تضييق مساحة حريتهن، أو حتى ظروف المعيشة السيئة، سبباً إضافياً للتخلي عن العائلة والمنزل والهروب منهما.


حب جديد ومفاجئ

تروي فاطمة ذات الأعوام الأربعين قصتها لرصيف22: "كنت أعيش مع زوجي وابنيَّ لسنوات حتى أحببت الطبيب الذي كنت أتعالج لديه، وكان متزوّجاً بدوره، لكنَّ مشاعرنا غلبتنا وبدأت القصص تُحاك حولنا، وصارت مشاكلي مع زوجي تصعد إلى السطح أكثر، وما كنتُ أصبر عليه من خلافات بيننا بات غير محتملٍ".

نجد نساءً تخلين عن عائلاتهن لأسباب مختلفة، قد تكون خيانة الحبيب أو الزوج، أو معاملته السيئة، أو برود المشاعر تجاهه.

إثر ذلك، قرر كل من فاطمة والطبيب ترك عائلته والانفصال عن شريكه ليتزوجا. تضيف السيدة وهي تعمل موظفة في دمشق: "على الرغم من أن ألسنة الناس لم ترحمنا لا في قريتنا ولا في القرى المجاورة، تجاهلنا كل ذلك ومضينا نحو حبنا. نحن نعيش معاً الآن، أتذكر أبنائي دائماً، ويُسمَحُ لهم بزيارتي في أحيانٍ قليلة جداً لا تكفي لأُشبعَ شوقي منهم، لكني سعيدة مع زوجي الحالي".

أما صفية -وهي معلّمة من مدينة اللاذقية الساحلية السورية- فتتحدث لرصيف22 قائلة: "كنت أعيش حياة سعيدة مع زوجي وولديّ، ولم يخطر في بالي يوماً أن أستطيع التخلي عن هذا الحب وتغيير نمط حياتي برمته".

ما حدث مع صفية هو أنها دخلت فجأة في علاقة حب مع رجل تعرفت به عبر الأنترنت، وكان يعمل في دولة أخرى. تعلقت به كثيراً، وهو بادلها الحب ذاته، وصار "نفَسها الذي تتنفسه" حسب تعبيرها، بينما انقلبت الحياة التي تعرفها دون أن تتمكن من السيطرة عليها.

"خفُتَ شغفي بزوجي كثيراً بعدما أحببت من جديد، وتغير إحساسي بالحياة من حولي، فكانت مشاعري أقوى بكثير من أن أدمّرها أو أدفنها، وصار لديّ توق لتجربة جديدة غزا فكري بأكمله، لذا سعيت بمساعدة حبيبي للحصول على عقد عمل خارجي وتركتُ كل شيء خلفي ومضيت لحياتي الجديدة".

تكمل صفية ذات الأعوام الستة والثلاثين: "بعد عشرين يوماً على رحيلي، اكتشفتُ أن الأمر أصعب مما توقعت؛ فالعمل لم يعجبني، والرجل الذي أحببته ما عدتُ أثق بوجوده قربي، وشعرت أن مشروع زواجنا سيكون مؤقتاً وينتهي في أي لحظة. عدتُ أدراجي خائبة إلى سوريا مع تخوفي من المغامرة، منكسرة الروح والقلب والعين، متوجسةً من ردود الأفعال التي سأقابل بها من عائلتي، واثقة من الكمّ الكبير من المعاتبات واللوم والتأنيب المعنوي الذي سألاقيه، ومع ذلك كان هذا خياري الوحيد، فرجعتُ آملةً أن أعيدَ ما كدتُ أفقده للأبد".


هروب بدافع الضغط النفسي

في حديثنا مع السيدة منى، وهي موظفة تعيش في مدينة اللاذقية، قالت: "عرفتُ معنى الفقر والتقشف في كنف أهلي، وذقتُ طعم الحرمان أياماً كثيرة، وما زادها قسوةً مرض أمي المزمن منذ بدأنا نعي الحياة، إذ أمضت النصف الأخير من حياتها على الكرسي المتحرك، وكنت أنا المسؤولة عن البيت وأخوتي باعتباري البكر بينهم".

في السابعة عشرة أحبت منى شاباً لثلاث سنوات، ولكن ظروفه المادية لم تسمح له بالتقدم لخطبتها، "ولأنني لم أعد أحتمل حياتنا الصعبة، وبعده عني، قررنا الهروب ووضع عائلتينا تحت الأمر الواقع لتساعدانا وتؤمنا مسكناً لنا"، تقول.

خفُتَ شغفي بزوجي كثيراً بعدما أحببت من جديد، وتغير إحساسي بالحياة من حولي، فكانت مشاعري أقوى بكثير من أن أدمّرها أو أدفنها، وصار لديّ توق لتجربة جديدة غزا فكري بأكمله

سافرت منى وحبيبها إلى مدينة أخرى وبقيا هناك حتى رتبت عائلتاهما أمر الزواج في المحكمة، ثم عادا. تقول منى: "سكنتُ مع أهله في غرفة منفصلة، وانقطعت علاقتي بعائلتي. بعد أكثر من سنتين سمح لي والدي بزيارة أمي وهي كانت أكثر ما تعنيني وتؤلمني في هذا البعد. وتدريجياً بعد ذلك بسنوات، وربما بسبب صعوبة الحياة التي عشتها، عادت علاقتي ببقية أفراد عائلتي، وصرنا نتواصل ثانية. لا أدري لمَ تصرفنا بهذا الشكل، ربما لأننا لم نجد حلاً آخر أمامنا، أو لم نكن على قدر كافٍ من المسؤولية لنصبر ونسعى لتأمين حياتنا".

تتابع السيدة التي تبلغ اليوم من العمر خمسة وثلاثين عاماً: "اليوم بعد أربعة عشر عاماً على زواجي، لا أعرف هل كان عليَّ أن أندم أم لا، فأنا الآن أم لطفلين وأرملة بعدما فقدت زوجي في الحرب. وما زلت أعاني قسوة العيش وكأنه قدر لي. أشعر أحياناً أنني أدفع ثمن ما ارتكبته بحق أهلي ونفسي، فأعطاني الله صعوبة الحياة المستمرة، وحرمني من زوجي أيضاً".


خوف من التغيير

وإذا كان عدد اللواتي تمردنَ على حياتهن وتقاليدهن كبيراً، فإن عدد اللواتي لم يستطعن فعل ذلك أكبر بكثير، فتحمّلن الألم أو العنف أو المشكلات الاجتماعية والنفسية، ورضخن لقوانين العائلة والبيئة المحيطة.

تقول حلا التي لم تستمع إلى وشوشات قلبها: "أحببت شاباً خمس سنوات، وكنت دائماً على يقين من أنني سأكون سعيدة معه، لكني لم أجرؤ على تحدي أهلي من أجل الزواج منه، وهم الذين رفضوه بإصرار لانتمائه لدين مختلف. استطعت بصعوبة التغلب على مشاعري وكسر قلبي وقلبه مقابل ألا أكسر قلبَيْ والديّ. فانفصلنا على ود ومضى كل منا في طريقه".

نساء كثيرات لم يستطعن التمرد على الحياة والتقاليد، فتحمّلن الألم أو العنف أو المشكلات الاجتماعية والنفسية، ورضخن لقوانين العائلة والبيئة المحيطة.

تكمل الفتاة التي تعمل ممرضة في دمشق، وعمرها اليوم ثلاثون عاماً: "حين أسمع عن فتيات تحدين كل شيء لأجل أحبتهن أو هربن معهم، أشعر أني كنت جبانة في ذلك، ولم أمتلك الشجاعة الكافية لأرمي كل شيء خلف ظهري وأهرب معه. اقتنعت دائماً أنني اخترت الطريق الأكثر هدوءاً لحياتي، ولو على حساب مشاعري، ربما لأنني أكثر ضعفاً من أن أمشي في الدروب الشائكة، وفضلت أن أتبع مقولة “وجعُ القلب ولا وجع الفِكر!”"


الهروب بين الحاجة والإمكانية

في السياق نفسه تحكي ثراء، وهي صاحبة محل ألبسة في مدينة اللاذقية: "قضيت حياتي أتحمل ضرب زوجي لي ومزاجيته، وأداري آثار عنفه على جسدي وأخفيها، فتارةً يكون حنوناً ومحبّاً فيدللني، وتارةً يكون قاسياً عنيفاً فيضربني أمام الأولاد وإن هربت إلى الشارع يتبعني ويستمرّ بضربي، حتى إن الجيران كثيراً ما رأونا وسمعوا صراخنا ونحن نتشاجر".

تضيف السيدة الأربعينية لرصيف22 بأنها، رغم معاملة زوجها السيئة لها، دائماً تعود وتغلق جراحها من أجل أولادها في المقام الأول، وثانياً لأن أهلها لن يرحّبوا بعودتها مطلّقة وقد لا يستقبلها أخوتها لهذا السبب. "لا حلّ أمامي إلا الاستسلام لفورات غضبه، ومواساة نفسي ببقاء أولادي حولي وتقسيم أيامي بين غضبه وانتظار أيام هدوئه، فأعيش يوماً رائقاً وآخر معكّراً"، تقول.

حين أسمع عن فتيات تحدين كل شيء لأجل أحبتهن أو هربن معهم، أشعر أني كنت جبانة في ذلك، ولم أمتلك الشجاعة الكافية لأرمي كل شيء خلف ظهري وأهرب معه. اخترت الطريق الأكثر هدوءاً لحياتي، ولو على حساب مشاعري، وفضلت أن أتبع مقولة “وجعُ القلب ولا وجع الفِكر!”

وتتحدث الكاتبة والفنانة السورية كفاح علي ديب عن تعرض نساء كثيرات للعنف بشكل مستمر دون الإعلان عن ذلك، وتضيف في حديثها لرصيف22: "من خلال ورشات الرسم والكتابة التي شاركت بها لدعم النساء نفسياً في برلين حيث أقيم حالياً، اعترفت ست نساء من كل عشر بأنهن تعرضن للعنف من قبل الزوج أو الأخ أو الأب، بينما أبت البقية منهن الحديث عن هذا الأمر، لكن غالبيتهن تحدثن عن تعرضهن للعنف ولو مرة واحدة على الأقل في العام المنصرم".

وترى أن استسلام المرأة لهذا العنف نابع من الخوف من الزوج الذي قد يتعرض لها بالأذية، أو من العائلة التي لن تتركها وشأنها، أو من البيئة نفسها التي لن ترحمها. يضاف لذلك عدم استقلالية المرأة مادياً، ففي أحيانٍ كثيرة لا تملك مأوى أو عملاً تستطيع من خلاله ضمان حياة جيدة وآمنة في حال تمردها على واقعها المؤلم، وهروبها من تسلط الذكر، فترضخ للأمر الواقع وتكتم ألمها ما دامت لا تقوى على المغامرة بالتغيير.

وتشدد كفاح علي ديب على ضرورة وجود قانون متكامل يجرّم العنف بكل أشكاله بوضوح، والتأكيد أن العقوبات تُطبَّق على المعنِّف بلا تهاون. تقول: "من الضروري نشر هذه الثقافة ابتداء من المدرسة، لتعليم الأطفال أن لا فرق بين الذكر والأنثى أمام القانون، والتأكيد أنهما متساويان في الحقوق والواجبات وفرص التعليم والعمل، وأن الحياة متاحة لكليهما بالقدر نفسه، فيكبران من دون فكرة إباحة التسلط الذكوري على المرأة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard