"أجانب" لتعزيز دعائم الحكم الإسلامي... من الرق العسكري إلى التجنيد القسري

السبت 9 يناير 202112:07 م

احتفى الكثير من الرسامين الفرنسيين كالبارونين غروس ولوجون بالانتصار الفرنسي على الجيش المملوكي في مصر إبان الحملة التي قادها نابليون بونابرت على شرق المتوسط. ومن إرث هؤلاء، لوحة "معركة أمبابة/الأهرام" حيث تظهر مجموعة من المماليك مدحورين أمام الزحف الإمبريالي الفرنسي آنذاك.

صلاح الدين، والظاهر بيبرس، وخير الدين باشا التونسي وغيرهم كثيرون ممّن تزخر بهم كتب تاريخ الزمن الغابر. موالي، ومماليك، وانكشاريون وعلوج ملأت أخبارهم كتب تاريخ معارك العرب وحروبهم.

شأنه شأن كافة المؤسسات والمفاهيم التقليدية، تغيّر الرق العسكري ليتّخذ شكلاً حديثاً يستجيب لمفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان في نسختها الحالية. فكيف تطوّر هذا الرق وإلى ماذا صار؟ وقبل ذلك، ما هي جذوره وكيف رسخ في البيئة العربية؟

توطيد الدولة عبر الرق العسكري

عندما كان نيكولو مكيافيلّي بصدد كتابة أطروحته الشهيرة في علم السياسة، بعنوان "الأمير"، كانت جيوش العثمانيين قد فرغت من ترويض الشرق لتغيّر دفة الغزو نحو أوروبا.

وقبل مكيافيلّي بسنة واحدة، كانت خيول الانكشاريين، كروات وبوسنيين أساساً، تجوب شوارع العاصمة الهنغارية بودا. لن تكون هذه آخر الأحزان للأوروبيين، فستعود الجيوش البلقانية لاحقاً، تحت راية العثمانيين، لتحاصر فيينا (1529)، وستعبث دهراً قبل أن ينتهي الكابوس العثماني. فكيف انتهى الأمر بهؤلاء الأوروبيين لمهاجمة أولئك الأوروبيين؟

منذ اللحظات الأولى لقيام دولتهم، أيقن العباسيون ألا سبيل لشد عود دولتهم إلا برفعها فوق الولاءات القبلية. لذلك، ولّى أبو العباس أبا مسلم الخراساني ولاية خراسان ليكون عامل العباسيين بها بعد أن كان صاحب دعوتهم فيها.

يُعدّ هذا أول صعود لأجنبي لا نسب عربي عريق له في دولة إسلامية. قبل ذلك، وحسب ما جاء في كتاب هشام جعيط "الفتنة الكبرى – جدلية الدين والسياسة"، حُرم الكثير من الصحابة والتابعين شرف البلاط لضعف نسبهم أو ضعف قوتهم القبلية.

في البداية، توالى صعود سهم المَوالي (عبيد محرّرين) مع العباسيين الذين تدفقت نحوهم الثروات ومعها الثارات نتيجة ما أتوا من بطش في أول دولتهم. وللتغلب على معضلة التجنيد القبلي وارتهان الولاء لشيخ القبيلة، استعمل الخليفة المهدي مجموعة من المَوالي كموظفين في قصره.

عقب ذلك، أتى فتح/ غزو بلاد ما وراء النهر(Transoxiana)، حيث تم أسر العديد من أفراد القبائل التركية المقاتلة. وشكّل ابن الرشيد، المأمون، فرقة حراسه الخاصة من 4 آلاف عبد تركي حديثي الإسلام كانت "تتّقد نار قضيته في قلوبهم"، كما جاء في عبارة فرانسيس فوكوياما في مؤلفه الشهير "أصول الأنظمة السياسية". عُرف هؤلاء تاريخياً باسم المماليك، ويُمكن أن تُسمى هذه أول عملية رق عسكري رسمية.

ازداد عدد هؤلاء المماليك إلى 70 ألفاً في عهد المعتصم. وبهذا تمّ تبني مؤسسة الرق العسكري كمؤسسة حيوية لبقاء الإسلام، لتكون بذلك شوكة الدولة العباسية حتى زوالها.

شكّل المأمون فرقة حراسه الخاصة من 4 آلاف عبد تركي حديثي الإسلام كانت "تتّقد نار قضيته في قلوبهم"، كما جاء في عبارة فوكوياما في مؤلفه "أصول الأنظمة السياسية". عُرف هؤلاء تاريخياً باسم المماليك، ويُمكن أن تُسمى هذه أول عملية رق عسكري رسمية

مع بداية أفول نجم بني العباس، ستستولي هذه النخبة العسكرية على السلطة السياسية لتستملك في الشام ومصر على امتداد الـ300 عام التالية، حتى سقوط مصر بيد العثمانيين.

في هذا الصدد، كتب ابن خلدون الذي عاصر تلك الفترة، في كتاب "تاريخ ابن خلدون": "كان من لطف الله سبحانه أن تدارك الإيمان بإحياء رمقه وتلافي شمل المسلمين في الديار المصرية بحفظ نظامه وحماية سياجه بأن بعث لهم من هذه الطائفة التركية وقبائلها العزيزة المتوافرة، أمراء حامية وأنصاراً متوافية، يجلبون من دار الحرب إلى دار الإسلام في مقادة الرق الذي كمن اللطف في طيّه".

لاحقاً، ومثل صائدي المواهب الكروية في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، كان عدد من الموظفين العثمانيين يجوبون سهول البلقان وقراه، يقبضون ضريبة "الدوشيرمة" من الرعايا المسيحيين في البلقان وبلغاريا وهنغاريا حتى القرم. تتمثّل هذه الضريبة في تخلّي كل أسرة مسيحية عن طفل، أو اثنين، ليكونوا في خدمة السلطان الذي يحرص موظفوه على انتقاء شباب يافعين وأصحاء.

عَكَس الرق التقليدي والذي ينتهي بالعبيد في وضعيات لا إنسانية، تقود عملية الرق العسكري ضحاياها ليكون كبار موظفي السلطان، أيضاً حراسه وقادة جيشه وفرسانه، أو ما سُمي بالإنكشارية.

مع بداية تراجع الدولة العثمانية، وبعد إلغاء نظام "الدوشيرمة" عام 1683، تقرّر أن تجدّد القوات الإنكشارية نفسها من خلال أبنائها. وبهذا تغلغلت الميراثية داخل الإنكشاريين وقويت شوكتهم ليتداخلوا في السلطة السياسية بعد أن أصبحت القوة المسلّحة ريعاً لهم يحتكرونه لغايات نفعية. بل إنهم عزلوا سلطاناً وعيّنوا آخر في أكثر من مرة.

كذلك، حذا حذوهم الإنكشاريون الذين أرسلوا إلى الأقاليم العثمانية، كتونس ومصر والجزائر، حيث استولت هذه النخبة العسكرية على السلطة لتكوّن دولها الخاصة، كالعائلة الحسينية في تونس والأسرة العلوية في مصر والتي تعتبر امتداداً لعائلات ولاة عثمانيين من العبيد المخطوفين من أوروبا.

تقلّصت عادة الرق العسكري القائمة على خطف أجانب غير مسلمين لخدمة بلاط الباشوات والبايات. وبقيت بعض الحالات التي تُذكر كحالة يوسف صاحب الطابع وخير الدين باشا الوزيرين التونسيين. ومع ترسّخ قواعد الدولة، استغنى العثمانيون عن التعبئة الإجبارية وتوجهوا لاعتماد التجنيد التطوعي حسب حاجتهم، مع اللجوء إلى التعبئة القسرية متى اقتضى الأمر، كحرب القرم والحرب العالمية الأولى، حسب ما جاءت به ورقة بحثية نشرتها جامعة "كامبردج".

في رواية "تموت الملائكة من جراحنا"، كتب الجزائري ياسمينة خضرا: "عند عودته من الحرب، كان وجه أبي مهشّماً جرّاء ما ألمّ به من شظايا قنبلة. واختار إثر ذلك الانزواء والعيش في الظلال شارداً طول الوقت". وقبله فعل "صعلوك طنجة" محمد شكري في "وجوه": "عاد هادي من حرب الهند الصينية مبتور الذراعين. لقد عرف لماذا عاد منها لكنه لم يعرف لماذا ذهب إليها… أصدقاؤه ينادونه الحاج هادي وما حجّ سوى إلى حرب سيق إليها عنوة. لم تكن تعنيه في شيء". هكذا استوعبت الذاكرة الثقافية العربية الحروب العالمية الأولى والثانية التي شارك فيها الآلاف من المجندين العرب.

تقلّصت عادة الرق العسكري القائمة على خطف أجانب غير مسلمين لخدمة بلاط الباشوات والبايات... مع جلاء سُحُب الاستعمار، عادت لتظهر بحلّة جديدة مع صعود الدول القومية في المنطقة العربية، خاصة مع انتشار حمّى الحروب الأهلية

تندر الدراسات، خاصة في فترة الإستعمار الأوروبي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حول حقيقة ما إن أخضع العرب كأفراد للمشاركة في الحروب الأوروبية (العالمية)، أو بادروا بالتطوع إما مع دول الحلفاء المستعمرة لهم أساساً أو مع دول المحور الطامعة في نصيبها من كعكة الإستعمار.

استنزاف الدّول الكولونيالية لاقتصاديات مستعمراتها من جهة، جعل أبناء المستعمرات يعانون الفاقة والحرمان، ووعدهم بالتحرير و بمنحهم الحكم الذاتي من جهة أخرى، دفع العديد من القادة القوميين العرب للدعوة للإصطفاف مع طرف أو آخر حسب ما طرح في سوق الاستقطاب الثنائي بين الأطراف المتنازعة.

لكن هل يمكن اعتبار اللاخيار خياراً؟ مع جلاء سُحُب الإستعمار، عادت ظاهرة الرق العسكري لتظهر بحلّة جديدة مع صعود الدول القومية في المنطقة العربية، خاصة في السنوات الأخيرة مع انتشار حمّى الحروب الأهلية.

وما أدراك ما الجيش

مع انتصاب جلسات الاستماع لهيئة الحقيقة والكرامة إبّان الثورة التونسية، تدفقت الشهادات من ضحايا نظام بن علي الذين نقلوا، أيام كانوا طلبة، من حرم الجامعات إلى ميادين الثكنات في التسعينات، كعقاب لهم على نشاطهم السياسي. كان التجنيد القسري للطلبة المشاكسين (المعارضين) دأب النظام التونسي مطلع الاستقلال ومنذ الفترة البورقيبيّة.

في زمننا الراهن، يتقاطع مفهوم الرق العسكري التاريخي مع إلزامية الخدمة الوطنية العسكرية متى حضر التجنيد عنوة وغاب الإقبال الطوعي.

"من أيام المحتشد"، "الطريق إلى محتشد ريجيم معتوق"، وغيرها أعمال كثيرة تندرج ضمن أدب الإعتراف أو استعادة الكلام للحديث عن توظيف ماكينة الجيش لترويض المعارضين، من مختلف الألوان السياسية، تحت غطاء خدمة الوطن التي صارت عقاباً ميّز الأنظمة الدكتاتورية العربية.

تغيب المعطيات عن بقية الدول بطبيعة الحال، وبالخصوص في ظل الفكرة السائدة حول أن تداول أية معلومة حول الجيوش المحلية قد تُصنّف خيانة تجذب عيون الاستخبارات.

في زمننا الراهن، يتقاطع مفهوم الرق العسكري التاريخي مع إلزامية الخدمة الوطنية العسكرية متى حضر التجنيد عنوة وغاب الإقبال الطوعي. تظل هذه الإحتمالية معلّقة في سماء الافتراض لضبابية الموضوع وحساسيته، لكن تتواتر مقالات صحافية وتقارير دولية حول حقيقة تجنيد الجماعات المسلحة، في بؤر النزاع في العالم العربي، للأطفال القاصرين.

ورغم التحذيرات المتواصلة، تتكرر هذه الإنتهاكات في أكثر من دولة كاليمن والصومال. تنص الاتفاقيات والمواثيق الدولية الحالية، كاتفاقية الطفل لليونيسيف، على منع تجنيد الأطفال ما دون 18 سنة في النزاعات المسلحة، إذ أن أي عملية تجنيد لأطفال قاصرين تعتبر تجنيداً قسرياً. ورغم ذلك، ما زال الأطفال يشكّلون وقوداً جذاباً للقوى المتنازعة في المنطقة العربية.

كره البرتغالي ساراماغو العسكر لما عايشه أثناء حكم الجنرال فرانكو، وأثخن في نقد العساكر في مختلف رواياته بدءاً من روايته "العمى". كذلك العديد من الكتّاب والرواة وآخرهم الأرجنتينية أوخينيا ألمييدا. ربما لم يحلم المسترَقّون لخدمة سلاطين العرب والمسلمين أن يصيروا إلى ما صاروا إليه، من وزراء وكبار موظفين، عند اقتيادهم إلى المعسكرات، لكن المؤكد أن ما تقوم به المجموعات المسلحة في مناطق النزاع العربية لن يتيح لمن تُكرِههم على خوض حروب الزعامات الهلامية الفرصة ليهنؤوا بهذا الحلم. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard