كيف ينتهي الحب... كيف تنفجر مدينة؟

الأربعاء 13 يناير 202105:17 م

تندرج المقالة ضمن مشروع "بيروت بلا نوافذ" وهي مساحة مخصصة لشابات صحافيات يتحدثن عن بيروت بعد الانفجار. يقدم رصيف22 السلسة ضمن منحة "قريب" من CFI، الممولة من قبل AFD.

قد لا نتحدث عن الأسى ولكن هذا لا يعني أنه لم يحصل أو لم نختبره...

كما لا يتحدث من انخرطوا في الحرب الأهلية، بالرغم من أنهم يذكرون أنهم حملوا السلاح أو شاركوا بإحدى المعارك، لكنهم لا يحبون الغوص في التفاصيل.

مثل الحرب، حين يحضر الانفجار تأتي لمحات، كتلك التي تحضر حين نستذكر من أحببناهم، وتجعلنا نستغرب كيف أنه يمكن للواقع الذي شكّلنا أن يصبح غير محسوب وغير ملموس، ونتساءل: كيف ينتهي الحب، كيف تنفجر مدينة؟

"ما تبكي أنا بحبك"

ريمي بندلي التي لم يرتبط صوتها بطفولتي في يوم من الأيام، تكوّنت علاقتي معها ما بعد الانفجار، في فيلم "أماني تحت قوس قزح، 1985"، من إخراج سمير خوري، والذي يتناول حياة أطفال تشردوا بسبب الحرب الأهلية، وعاشوا بين القصف والقناصين.

تغني ريمي أغنية تحمل عنوان "ما تبكي أنا بحبك"، وتتوجه من خلالها لصديقها "المجنون"، الذي يحملها فوق ظهره ويدور بها على أحد شواطئ بيروت، وهي تغنّي: "ما تبكي أنا بحبك، قد البحر بحبك، قد السما الزرقا. بدّي منّك تبقى تعمل بالرمل بيوت، حلوة متل بيروت".

حين يحضر انفجار بيروت تأتي لمحات، كتلك التي تحضر حين نستذكر من أحببناهم، وتجعلنا نستغرب كيف أنه يمكن للواقع الذي شكّلنا أن يصبح غير محسوب وغير ملموس، ونتساءل: كيف ينتهي الحب، كيف تنفجر مدينة؟

بعد الانفجار، قصدنا الشوارع، مثل صديق ريمي "المجنون"، محاولين أن نعيد ما تبقى من البيوت. شاهدت أصدقائي يدخلون من الأبواب المخلوعة، ليعيدوا ترتيب ذكريات وحياة الغرباء الذين رحبوا بهم دون أية مخاوف.

كانت المرأة العجوز تتقاسم قطعة الجبنة المتبقية من كل مونتها، والموضوعة في المرطبان، مع أخيها، أما أنا فاكتفيت بالجلوس على درج المبنى، ومراقبة أصدقائي وهم يعلقون الصور على الحائط ويكنسون الزجاج.

وبعدها صعدت إلى الطوابق العليا، حيث تأملت السقف المزخرف، وشاهدت صاحبة المبنى وهي تصل حاملة حقيبة سفرها الصغيرة، لتحزم ما تبقى من أغراضها وتهاجر من البلد نهائياً. كانت مصابة بعينها، وبقيت تردّد بغضب: "خلص ما بقى فيي".

حبّي لهذه المدينة غير مبرّر، وربما هي علاقة مرضية أن نتعلّق بمكان يتسبّب لنا بكل هذه المعاناة

حاولنا أن نعيد البيوت من الحطام، لكنها لم تعد، كما لم تعد بيروت مثلما كانت عليه في السابق.

أردت أن تتحقّق الأغنية التي فرحت عندما سمعتها، لأنها أعطتني القدرة على حصر وجعي بكلمات محدّدة، فصارت صوت الانفجار وسمحت لي أن أبكي، لذلك حين كنت أشاهد رفاقي يتنقلون من مبنى لآخر، بقيت أرددها في رأسي، لنفسي، للغرباء ولهم، وأدندن: "يا رفيقنا المجنون، يلي بتعمل بالرمل بيوت، حلوة متل بيروت".

على الهامش

لا بد أن أعترف أن، على غرار الكثيرين، حبّي لهذه المدينة غير مبرّر، وربما هي علاقة مرضية أن نتعلّق بمكان يتسبّب لنا بكل هذه المعاناة.

يقول أخي إنه لا يرتاح إلا حين يصل صيدا، تقول شقيقتي إن البقاع يعطيها الأمان، ويسخرون مني، وأظن أنهم لا يفهمون حين أعلن أن بيروت هي شعور البيت بالنسبة لي، بكل تفاصيلها البسيطة: إلقاء التحية على كل الباعة في شارع مقدسي، اللقاءات التي تحصل بالصدفة مع الأصدقاء، الشجارات داخل سيارات الأجرة، أصوات الزمامير طوال الليل والنهار، اللغة العربية، الأحياء الصغيرة التي لا يعرفها الجميع، المقاهي التي يزورها الأشخاص ذاتهم يومياً، الموسيقى المكرّرة ولحظة ما بعد الانفجار، التي جعلتني أجمد لساعة كاملة في الشارع، محاولة أن أقنع جسدي بأن الخوف الذي اختبرناه لا يكفي لكي نتغرّب عنها.

بين البقاء والهجرة

في الحقيقة، لا رأي لي بموضوع البقاء والهجرة، ربّما لأنني "جبانة"، وربّما لأن بيروت أعطتني كل الناس الذين أحبّهم. كل ما أعرفه هو أنني لا أريد أن أفقد بيتي وألفتي، ولذلك تخلّيت عن بيروت التي كنت قد اعتدتها، وودعتها بطريقتي الخاصة، متقبلة كل ما سيأتي منها، طالما أنني لا زلت هنا، مع من تبقّى من الأشخاص الذين يحيطونني بمحبتهم.

كنت في السيارة أحاول الوصول إلى الجميزة، حين فشلت وعدت إلى الحمرا. مررت قرب المستشفى، ورأيت قطعة زجاج تقع من الشرفة لتقطع كتف عامل التوصيل. حينها سيطر شعور العجز عليّ، استعرت مكنسة من إحدى المحال وبدأت بتنظيف زاوية "روبير" الواقعة في شارع جان دارك. طبعاً لم يشعر الأخير بالانفجار، وحين شرحت له ما حصل، نهرني لأني لم أنظّف الزوايا كما يجب، وطلب مني للمرة المئة أن أجد محامياً "شاطراً" وقادراً على انتحال شخصيته، ليستعيد من خلاله أملاكه في طرابلس وبشري ومناطق أخرى لم أحفظها.

دعوني أحدثكم/نّ عن بيروت اليوم، عن قصص حب انتهت وأخرى لم تبدأ، عن طلاب يصنعون التغيير وآخرين يتركون المدينة، وعن لهفتنا لعودة من نحبهم من البلاد البعيدة، كي نسترجع أنفسنا من خلالهم، لنعود ونودّعهم

روبير، مثله مثل أغلب المشردين الذين صادفتهم في بيروت، يتمتّع بذكاء حاد، وجنونه ليس سوى نتيجة الحرب. حين أريته صورته التي التقطتها في تمام الساعة 7:26 في 4 آب، والتي يظهر فيها نائماً على زاوية الرصيف، لم يكترث ولم يتعرّف على نفسه.

يومها نحن أيضاً لم نتعرّف على أنفسنا، ووحده من رأى انعكاس وجهه بوجوه الناس في الشارع، أدرك وشعر بما حلّ بنا.

في بعض اللحظات، أتمنى لو أن "جنون" روبير حلّ علينا جميعاً، كيلا ندرك، كي تبقى بيروت كما هي، رغماً عن الانفجار والانهيار والدمار.

إعادة تعريف المدينة

في مرحلة لاحقة حين حاولنا إعادة تعريف المدينة، توجّب علينا الرجوع إلى ما كنّا نعرفه. حين فقدت مدخلي إلى بيروت، استعنت بقصيدة "من أين أدخل في الوطن" للشاعر حسن عبدالله، بالصور القديمة، بأصدقائي، وببوابة الدار الوحيدة، وفهمت أن ما كان لم يعد هنا، وأن حجم الموت يطالب الحياة بإعادة تشكيل نفسها على أساسه.

ولكن لا بأس، دعوني أحدثكم/نّ عن بيروت اليوم، عن كيف نصنع يومياتنا بكل ما يتوفّر أمامنا، عن رقصات لم تنته، وأصوات شابّة تغنّي تحت الشرفات في ساعات الفجر الأولى ولا تزعج أحداً، عن قصص حب انتهت وأخرى لم تبدأ بعد، عن عمّال يرفضون التخلي عن لقمة عيشهم، وآخرين انتحروا لأنهم رفضوا الذل، عن طلاب يصنعون التغيير وآخرين يتركون المدينة، وعن لهفتنا لعودة من نحبهم من البلاد البعيدة كي نسترجع أنفسنا من خلالهم، لنعود ونودّعهم، عن وجع، كي نستمر، نتخلّى عنه، ونتشاركه على طاولة صغيرة تتّسع لكل الأجساد.

دعوني أحدثكم/نّ عن مدينة أعطتنا كل شيء وأخذت منّا كل شيء، تركت لنا الحب والصدف وجعلتنا من نحن عليه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard