أنا الحقّ ومِعراجي فوق المشنقة… قصص وأساطير عن مقتل الحلّاج

الثلاثاء 11 مايو 202102:46 م

أُعدم الحلاجُ لـ"كشفِه الأسرارَ" كما قال عنه حافظ الشيرازي، واختلفت الأقوال والأحكام عنه عند حياتِه وبعدها. هو أبو المُغيث حسين بن منصور الحلّاج، من أهل البيضاء، وهناك خلاف حول هذه المدينة إن كانت البلدة التي ببلاد فارس، أم البلدة التي في جنوب العراق. يُعتبر الحلاجُ من الشخصيات البارزة في التصوّف الإسلامي الذي وهبَ كيانَه لما كان مؤمناً به، وقد ألّف المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون كتاباً فذّاً عنه.  نشأ في مدينة واسط العراقية. وأقام في بغداد والأهواز ومكة، وكان له أتباع في الهند وخُراسان وبغداد والبصرة. وكما يذكر العطّار النيشابوري، فإن لقب "حلّاج الأسرار" قد أُطلق عليه من قبل أهل الأهواز. اتُّهم بالزّندقة وقُتل عام 303 هـ. بعد أن طالت محاكمته سبع سنوات، واستتابه الخليفةُ فلم يرجع. بعد موته المأساويّ نُقلت كثير من الحكايات الغريبة عنه، التبس قسمٌ منها بالخرافة والغرائبية. حُرقت جثّته، وقد دفن رمادُه في بغداد.

اختيرت وتُرجمت هذه المقاطع من فصل "الحلاج" في كتاب "تذكرة الأولياء" للشاعر والصوفي الإيراني، العطار النيشابوري(540-618 هـ). يشتمل "تذكرة الأولياء" على مقدّمة و72 فصلاً يختصّ كلّ واحد منها بحياة أحد مشايخ التصوّف وأحواله وأفكاره وأقواله، كما يذكر العطّارُ كراماتٍ لبعضِهم ومواعظ وحِكَماً. يبدأ الفصل الأول بذكر كرامات وأقوال للإمام جعفر الصادق وينتهي بذكر الحلاج. 


يُروى أنه كان يصلّي ألف ركعة في ليلة ويوم لمّا كان في السّجن. سألوه: "لئن تقول: أنا الحقّ، فلمن تقيم هذه الصلاة؟" قال: "إنما نحن نعرف قيمتنا!"

يروى أن ثلاثمائة أحد كانوا في السّجن. لمّا حلّ الليلُ، قال: "أيها السُّجناء! سأخلّصكم."

قالوا: "لمَ لا تخلّص نفسَك؟"

قال: "نحنُ في قيدِ الله، ونحرس ذلك الأمان. إن كنّا نريد لفككنا كلّ القيود." أشار عند ذلك باصبعِه، فانفسخت القيودُ جميعاً.

قالوا: "إلى أين نذهب الآن؟ فبابُ السّجن مغلق." فأشار، فبرزت فُرَجٌ.

قال: "اسلِموا برؤوسكم الآن."

قالوا: "ألا تاتي؟"

قال: "لنا سرُّ معه، لا نستطيع البوحَ به إلا فوق المشنقة."

في يوم آخر قالوا: "أين ذهب السجناء؟"

قال: "أطلقتُ سراحهم."

قالوا: "ولمَ لم تذهب أنت؟"

قال: "للحقّ معنا عتابٌ، لذا لم نذهب."

سمع الخليفةُ هذا الخبرَ، فقال: "سيشعل فتنةً؛ اقتُلوه أو اضرِبوه بالعصا ليعدلَ عن هذا الحديث." ضربوه ثلاثمائة ضربة، وفي كلّ ضربة كان يصل صوتُ هاتفٍ بليغ يقول: "لا تَخفْ يا منصور!"... ثمّ أخذوه للقتل ثانية. مئة ألف شخص كانوا قد اجتمعوا وهو يشيح بعينيه نحوهم قاطبةً ويقول: "حق، حق، حق، أنا الحقّ."


-يُروى أن درويشاً من بين الحشود سأله: "ما الحبّ؟" قال: سترى اليوم وغداً وبعد غد." في ذلك اليوم قتلوه، وفي اليوم التالي أحرقوه، وفي الثّالث ذَروه في الرّيح."

 "يوم القيامة سيُؤتى بحسين مكبّلاً بالسّلاسل المتينة، فإن أوتي به طليقاً، سيقلبُ القيامةَ جمعاء."

- في طريقه {إلى المقتل}، كان يميس في سيرِه، ويترنّح ويتبختر بثلاثة عشر من الأغلال الضخمة. قالوا: "ما هذا الميَسان؟" قال: "لأنني ذاهبٌ إلى المقتل." وكان يصرخ عالياً:

نديمي غيرُ منسوبٍ إلى شيءٍ من الحَيفِ / سقاني مثلما يشرب، كفعلِ الضّيفِ بالضّيفِ

فلمّا دارتِ الكأسُ، دعا بالنّطعِ والسّيفِ /  كذا مَن يشربُ الرّاحَ من التنّينِ في الصّيفِ

- وحين أخذوه تحت القوس ببابِ الطّاق، وضع قدمَه على السّلّمِ. قالوا: "ما حالك؟" قال: "معراجُ الرّجال فوق المشنقة." وكان واضعاً ميزراً حول خصره وطيلسانَ على كتفيه. ثمّ رفع يدَيه واتجه نحو القِبلة يناجي وطلب ما طلب. ثمّ كان رأسه في المشنقة.

وقف الشِّبليُّ في مجابَهتِه ونادى: "أوَلَم نَنهَكَ عن العالَمين؟" وقال: "ما التصوّفُ يا حلّاجُ؟" قال: "أقلُّه ما تَراه الآن." قال: "وما هو أرقاه؟" قال: "لا طريقَ لك إليه."

وكلٌّ كان يرمي بحجرٍ، فألقى الشِّبليُّ -مواکبةً- بزهرةٍ. فتأوّه حسينُ بن منصور.

قالوا: "لمَ لم تتأوّه من كلّ هذا الحجر؟ ما السرّ في أن تأوّهتَ من زهرةٍ؟"

قال: "ذلك أنهم لا يعلمون فمعذورون. أما هو فعزيزٌ عليّ أنه يعلم ألا ينبغي أن يرمي."

ثمّ بتروا كفّيه، فضحك. قالوا: "علامَ الضحكُ؟"

يُروى أن درويشاً من بين الحشود سأله: "ما الحبّ؟" قال: سترى اليوم وغداً وبعد غد." في ذلك اليوم قتلوه، وفي اليوم التالي أحرقوه، وفي الثّالث ذَروه في الرّيح."

قال: "سهلٌ أن تُبتر يدُ المرء المكبّل بالأغلال؛ الرّجلُ من يبتِرُ يدَ الصّفات -التي ترفع قبعةَ الهمَّةِ من قمّة العرش-."

ثمّ بتروا قدميه، فابتسم وقال: "بهاتين القدمين كنتُ أسافر على الأرض. لي الآن قدمٌ أخرى تسافر في العالميْن؛ ابتروها إن استطعتُم!"

ثمّ مرّغ خدّيه وساعديه بالكفّين المبتورتين النازفتين دماً. قالوا: "لمَ فعلت ذلك؟"

قال: "دمٌ كثيرٌ سال مني؛ أعرف أن وجهي قد شحُب الآن، وأنتم تظنّون أن شحوبي من الخوف؛ مرّغتُ وجهي بالدّم كي يبدو متورّداً في أعينكم، فحُمرة الرّجالِ دماؤهم."

قالوا: "إن خضّبتَ وجهَك بالدّم فما السبب في تخضيب ساعديك؟"

قال: "أتوضأ."

قالوا: "أيّ وضوء؟"

قال: "ركعتانِ في العشقِ، لا يصِحّ وضوءُهما إلا بالدّم."

ثمّ فقأوا عينيه، فقامت قيامةٌ بين الخلائق؛ ثمة من بكى وآخر من كان يرمي بالحجر. أرادوا بعدئذٍ أن يقطعوا لسانَه، قال: "تمهّلْ برهة لأقول بعض الكلام!"

إثرَ كلّ قطرة دمٍ تسيل منه على الأرض، كان يظهر نقش "الله"

وآخِر كلام الحسين كان: "حسبُ الواجِد إفرادُ الواحِدِ {لَه}." ثمّ تلا هذه الآية: "يستَعجِلُ بها الّذينَ لا يؤمنونَ بِها والذين آمَنوا مُشفِقونَ منها ويعلَمونَ أنّها الحقّ" وكان ذلك آخِر ما قال. ثمّ قطعوا لسانَه. وكان قد آن وقتُ صلاة العشاء حين قطعوا رأسَه. إذ ذاك بدَتْ ابتسامةٌ على وجهه فقضى نحبَه. جلجلَ النَاسُ وسلّمَ حسينُ كتابَ الرضا بيدِ القضاء وكلّ عضوٍ من جسده كان يصيح: "أنا الحقّ."

في اليوم التّالي قالوا: "سوف تكون هذه الفتنةُ أكبرَ من حينِ حياتِه." فأحرقوه، وكان يُسمع من رمادِه هُتافاً يقول "أنا الحق". وعند قتلِه، إثرَ كلّ قطرة دمٍ تسيل منه على الأرض، كان يظهر نقش "الله".

- وكان قد قال حسينُ بنُ منصور مع الخادم: "حين يلقون رمادي في دجلة، سيطغى الماءُ فيكادُ أن يُغرقَ بغداد. اذهبْ بخِرقَتي حينذاك إلى ضفاف دجلة كي يهدأ." في اليوم الثالث، وهبوا رمادَ حسين إلى الماء، وكانت نغمةُ "أنا الحقّ" مازالت تدور في الأسماع، فطغى الماء. ذهب الخادمُ بخِرقة حسين إلى ضفة دجلة، فعاد الماءُ إلى سكينتِه، وخمد الرّماد. فجمعوه ودفنوه، ولم يكن لأيٍّ من أهل الطّريقة ما كان له من فُتوح."

- قالت عباسةُ الطّوسيةُ: "يوم القيامة سيُؤتى بحسين مكبّلاً بالسّلاسل المتينة، فإن أوتي به طليقاً، سيقلبُ القيامةَ جمعاء."

- رآه رجلٌ جليلٌ في المنام وكان واقفاً، ماسكاً بيدِه كأساً ولا رأس على بدنِه. سأله: "ما هذا؟" قال: "إنه يعطي الكؤوسَ لمقطوعي الرؤوس."

- قال رجلٌ جليلٌ: "تلك الليلة، صلّيتُ حتى مطلع النّهار تحت تلك المشنقة. عند النّهار، سمعتُ هاتفاً ينادي: "أطْلعناه على أسرارِنا، فأفشى سرّنا. فهذا جزاءُ من يُفشي سرَّ المُلوك."

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard