بيع الفرح وشراء الموت... الشلاحي في حديث لرصيف22 عن فيلمه "حد الطار"

السبت 16 يناير 202112:11 م

تُوِّجت السينما السعودية في عام 2020 بجائزتين من المهرجان الأعرق بالعالم العربي، وهو مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في نسخته 42، حيث فاز فيلم "حد الطار" للمخرج عبد العزيز الشلاحي، بجائزة صلاح أبو سيف (لجنة التحكيم الخاصّة)، وجائزة أفضل أداء تمثيلي للفنان فيصل الدوخي. ويطرح الفيلم قصة حبّ بين ابن سياف (فيصل الدوخي) وابنة مغنية أفراح شعبية (أضوى فهد)، في مفارقة مبنية على بيع الفرح وشراء الموت. وعن رحلة الفيلم وجوائز المهرجان والمشهد السينمائي السعودي، يتحدث رصيف22 في مقابلة مطولة مع مخرج الفيلم، عبد العزيز الشلاحي.

في فيلم "حد الطار" نحن أمام نساء قويات يُنقذن الرجال، عكس الصورة المألوفة عن نساء المملكة المليئة بالترف والرفاهية

 بداية... مبروك عبد العزيز فوزك بجائزتين من مهرجان القاهرة واحتفاء جماهيري حار بـ "حد الطار" أثناء عرضه العالمي الأول بالمهرجان. كيف استقبلت ذلك؟

بصراحة، اختيار الفيلم وترشّحه لافتتاح مسابقة رسمية كآفاق السينما العربية بمهرجان "القاهرة" الأعرق في الشرق الأوسط، هي مكسب بحد ذاته ونقطة مهمة تُضاف لمسيرة "حد الطار"، خاصة في ظل المنافسة الصعبة والاختيارات المحدودة لأفلام هذه النسخة الاستثنائية للمهرجان مع أزمة كورونا، مثل ما أعلن في المؤتمر عن تخفيض عدد الأفلام المشاركة لـ 85 بالمقارنة بـ 150 فيلماً للعام الماضي، وهو ما زاد فخري وامتناني أكثر للعرض العالمي الأول لـ "حد الطار" بالقاهرة.

أما الجوائز: أولاً، شغفي لحضور المهرجانات يعود "لشَغلة واحدة" هي بيئة المهرجانات التي تجمعك مع صُنّاع مختلفين من كل أنحاء العالم، والتقاط ردود الأفعال بشكل مباشر، خاصة في مجتمع جديد خارج السعودية، وفوجئت بانطباعات جميلة ورائعة على مستوى الحضور، وتفاعل كبير مع أحداثه وقصته. وثانياً، فخور وسعيد جداً بحصاد الفيلم لجائزتين من مهرجان القاهرة، ونهدي هذا الإنجاز للمملكة العربية السعودية وصنّاع الأفلام والسينما.

"حد الطار" فيلمك الروائي الثاني الطويل، وهوعمل شديد الواقعية عكس فيلمك الأول "المسافة صفر" الملىء بالخيال والإثارة، وكلاهما لسيناريست واحد وهو مفرج المجفل. حدثني أكثرعن اختياركم لفكرة "حد الطار"؟

على مستوى الكتابة، "حد الطار" كان أول فيلم روائي يجمعنا معاً، وأول نسخة كتابة للفيلم بدأت في 2017، ولكن بسبب قصة الفيلم وتفاصيله، رأينا أنها تستحق اهتماماً وتطويراً أكثر، ومن ثم قرّرنا تأجيلها والعمل على مشروعات أخرى، من فيلم قصير وحلقات تلفزيونية، وأول فيلم روائي طويل وهو" المسافة صفر"، وهو فيلم غموض وجريمة. وبعد مرور عامين، عُدنا مُجدداً لتحضير "حد الطار"، وحرصنا فيه على عدم تكرار تجربتنا الأولى، من خلال عمل درامي يتناول قصة رومانسية بين شخصين.

فيلم أقرب للواقع وللبيئة السعودية بتفاصيلها المختلفة، واستغرق تصوير "حد الطار" 6 شهور. وبصراحة كان لدي تخوف مع المؤلف بالبداية من نجاح هذه التجربة الدرامية، ولكن قررنا خوضها وتقديم عمل مختلف.

وماذا عن اختيارك لاسم الفيلم؟

"حد الطار" الاسم ينقسم إلى كلمتين: حدّ مأخوذ من الحدود، وهي اسم يُطلق على العقوبة المقدرة وتستخدم في تنفيذ الأحكام، والطار يعني الطبل. الاسم يعكس التناقض بين الحزن المتمثل في الإعدام والفرح المتمثل في الطبل.

نلاحظ في "حد الطار" كسرك للصورة النمطية التقليدية عن طبيعة المجتمع الخليجي السعودي الثري، ونُشاهد حارات شعبية وفقراء ونساء تعمل في الغناء، هل تتفق معي؟

صحيح، السينما مرآة للواقع. من يريد معرفة تفاصيل أي مجتمع يمكنه البحث عبر الإنترنت، ولكن قد يجد صعوبة في معرفة القصص التي تعيش معهم، وهو ما تناولناه في "حد الطار"، فاخترنا أن تدور أحداث القصة في نهاية التسعينيات وأوائل الألفية. تلك الفترة، كان جزء كبير منها غائباً عن التناول والتوثيق، "غير موجود ولا نعرفه إلا من خلال الذاكرة وحكايات المجالس". وحكاية شامة ابنة "الطقاقة"، المطربة الشعبية بالأفراح، أو دايل ابن" السياف"، هي شخصيات من المجتمع السعودي.

حفلات الزواج في التسعينيات والألفينات لم تكن مفتوحة ولا يمكنك العثور على صور من عرس سعودي في السابق، كان التصوير ممنوعاً، خاصة الحفلات المخصصة للنساء، وكانت تحضرها فقط الطقاقة، وظلّ هذا العالم النسائي في الأفراح محجوباً عن الجميع ولا يعلم عنه أحد

المفارقة التي يبني الفيلم عليها قصة حب تنشأ بين ابن "السياف" وابنة "الطقاقة".. هل الصراع هنا طبقي أم مرتبط بالعادات والتقاليد المجتمع السعودي المحافظ؟

المفارقة والصراع مبنيان على أن كلاً من عالم السياف والطقاقة مُغلق تماماً، رغم أن كلاهما يتعاملان مع جمهور عريض، وكانت رغبتي في "حد الطار" إثارة التساؤلات والإبحار أكثر في عالم هذه الشخصيات، خاصة أن حفلات الزواج في التسعينيات والألفينات لم تكن مفتوحة، ولا يمكنك العثور على صور من عرس سعودي في السابق. كان التصوير ممنوعاً، خاصة الحفلات المخصصة للنساء، وكانت تحضرها فقط الطقاقة، وظلّ هذا العالم النسائي في الأفراح محجوباً عن الجميع ولا يعلم عنه أحد، وعندما كبرنا كنا نستمع فقط للحكايات عن هذه الشخصية من الأمهات أوالشقيقات الحاضرات للفرح.

وفى المقابل، عالم السياف كان مغلقاً أيضاً وغير واضح للناس، الذي لا تعرفه سوى يوم تنفيذ حكم الإعدام فقط، ولكن لا أحد يدري كيف يعيش هذا السياف، كيف يتعامل مع جيرانه وأصدقائه، كيف يتعامل معه الناس لكونه سيافاً؟ هل هو شخص لطيف أم عنيف، هل لديه مشاعر أم جاف وحاد الطباع؟ وكذلك الطقاقة أو مطربة الأفراح الشعبية، كانت تشغلني تساؤلات: هل هي مرحب بها اجتماعياً أم لا، هل تعاني من نظرة دونية لمهنتها أم هي شخصية عادية تؤدي مهنة مثل أي مهنة أخرى؟ كل هذه التساؤلات دفعتني مع الكاتب مفرج المجفل، لتناول قصة عن هذا العالم.

لاحظت أن شخوصك على الشاشة لم تكن أحُادية بل نتعاطف معها ونقدر مواقفها، هل كان ذلك مقصوداً؟

نعم، كان ذلك أحد أسباب تقديمنا للقصة، بأن تحدث بين الأبناء وليس الآباء، لأن المستقبل لهم، رغم هذا التأثير من الآباء وضغطهم على الأبناء، كما يحدث في كل مجتمعاتنا العربية وليس السعودية فقط، نلاحظ أن هناك آباء يتدخلون، ليس فقط في مستقبل الابن وقصه حبه، ولكن حتى فى اختياره لملابسه وللوظيفة وطريقة العيش، لذا حرصنا على إظهار هذه الأبوية من الطرفين، حيث عم السياف وإصراره على وراثة "دايل" لمهنة أجداده كسياف، رغم رغبته في أن يصبح موظفاً بمهنة أخرى، وكذلك بدرية الطقاقة، وإجبارها لابنتها شامة على تعلم العزف والغناء في الأفراح الشعبية، رغم حلم شامة أن تصبح مصممة أزياء ودعم دايل لها.

كان لدينا شغف وحرص على إظهار هذه السيطرة العائلية على حياة أبنائهم، لأنها جزء من المجتمع العربي وليس دخيلة عليه، حيث غياب فكرة الاختيار الحر للأبناء مقابل سطوة الآباء وتوريثهم حياتهم، سواء كان ذلك بدافع الحب، الخوف أو السلب. أردنا أن يظهر كل ذلك بواقعية شديدة في "حد الطار".


ولكن الأبوية مختلفة في عالم نساء الفيلم: بدرية تُغني من أجل جمع الِدية لإنقاذ ابن أخيها، وكذلك تسعى شامة لنفس الهدف. نحن أمام نساء قويات يُنقذن الرجال، عكس الصورة المألوفة عن نساء المملكة المليئة بالترف والرفاهية... ما رأيك؟

شخصية الطقاقة بدرية لم يكن لديها الطموح لأن تصبح مغنية مشهورة، وكانت تتعامل مع غنائها في الأفراح كمهنة ومصدر دخل فقط، وكأنها مضطرة لذلك، بالإضافة إلى أن المجتمع وسقف حرياته المحدود لم يدفعاها للتفكير بأن تُصبح نجمة في عالم الغناء.

ولكن كان يجمع بدرية وجيرانها، من سكان الحي الشعبي وتلك الحارات البسيطة، هذا المشترك الإنساني الرائع، فلم تكن بدرية تسعى بمفردها لجمع أموال الديّة، ولكن تلقت دعماً من كل أبناء الحارة. لم تمنعهم الخلافات من الاستمرار بالهدف الأصلي لتوفير أموال الديّة، وهذا ليس تلميعاً أو مثالية للحديث عن البسطاء في مقابل حياة الأثرياء، ولكن قصدنا التعبير عن التنوع، فسكان الحي ليسوا أشراراً أو ملائكة طول الوقت. قوة المجتمعات تكمن في تنوعها واختلافها.

مع تجربة حديثة للسينما السعودية، يمكن أن تُهاجم لكونك تُشوه سمعة بلادك وتظهرها بطريقة سيئة لمغازلة المهرجانات والجوائز الدولية. ما تعقيبك؟

هناك فرق بين التشويه وبين نقل الواقع. التشوية هو تسليط الفيلم وقصته على زاوية معينة من المجتمع، وأقحم وجهة نظري كمخرج من خلال هذة القصة، أما الفيلم الواقعي هو عندما يكون لديك قصة وشخصيات واقعية وتعيش في المجتمع، وأنت كفنان جزء من هذا المجتمع، فلا يوجد أفضل منك لتقديمها في قصة فيلم.

كما لا يوجد ما يدفعني للتشويه والإساءة لأحصل على فرصه ما، "ولكن لدي قصة وأريد أن أرويها". الفيلم حاز على موافقة الجهات الرسمية بالمملكة ولم يتم التصوير إلا بعد الحصول على كافة التصاريح وخرج للنور بطريقة طبيعية، بل وجدنا الدعم والمساندة من سفارة السعودية في مصر، أثناء مشاركة الفيلم بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي وتفاعلها مع صناعه. أتفهم للغاية هذه التحليلات المؤامراتية للأفلام، ولكن أحياناً الكتابات النقدية تذهب بالفيلم لمناطق أكثر مما يحتملها. "حد الطار" فيلم لا يُسيء لسمعة السعودية، بل يقدم شخصيات إنسانية تعيش في نفس المجتمع.

يطرح الفيلم "حد الطار" قصة حب بين ابن سياف "فيصل الدوخي" وابنة مغنية أفراح شعبية "أضوى فهد"، في مفارقة مبنية على بيع الفرح وشراء الموت

جائزة أحسن ممثل لفيصل الدوخي. عادة جوائز الممثلين ناجمة عن إدارة جيدة للمخرج. أخبرني أكثر عن اختيارك لأبطالك وجلسات التحضير؟

الممثلون كانوا جزءاً أصيلاً من نجاح هذا الفيلم. كنت أعوّل كثيراً على اختياري لأبطال هذا العمل: أضوى الفهد وفيصل الدوخي، لأن شخصياتهم مركبة جداً، مليئة بالخطوط الدرامية ونواياها غير واضحة، وهي صعبة على الممثل بأن يتعايش معها ويُقدمها بسلاسة وصدق على الشاشة.

لكن أضوى وفيصل نجحا بامتياز في دوريهما، بل فاجآني أثناء تحضير بروفات الطاولة، بمنادتهما بعضهما البعض بأسماء شخصيات الفيلم، ليتفاعلا ويندمجا أكثر مع الدور، وكانا يُنظمان بروفات بمفردهما لدراسة ونقاش ورسم الشخصيات، ثم طرحهما لأي تساؤلات جديدة علي. بصراحة، الممثلون اشتغلوا على أنفسهم وقتاً طويلاً جداً، حتى جاءت البروفات الأخيرة لبعض المشاهد قبل التصوير، وفوجئت بأداء قوي في أحد مشاهد الـ master scene جعلني أعدل ديكوباج تصوير المشهد.

بناء ديكور للحارة الشعبية مكلف إنتاجياً. كيف تغلبت على ذلك؟

لم نبنِ ديكور حارة، ولكنها حارة حقيقية بأحد ضواحي الرياض، وحاولنا فقط إعادة إحيائها بالديكور من جديد لتُناسب الحقبة الزمنية للفيلم، كإعادة تلوين البيوت، لمبات الإضاءة، اللوحات المعدنية على الأبواب وموديلات السيارات الخ...

ويعود النجاح للديكور لدعم ومساندة المنتج أحمد موسى، الذي اهتمّ باختيار فريق العمل بعناية، ومن ضمنهم فريق الأرت بقيادة عبد الرحمن أبو الفرج، وتفهّم المنتج أحمد موسى وجهة نظري برغبتي في التصوير بحي شعبي، ورفضي بناء ديكور، لكيلا أخنق الفيلم وأكون مسيطراً بشكل كامل على التصوير، بحيث لا انضغط في زوايا ضيقة محدودة، ولكن أريد مشاهد تتنفس، مشاهد مفتوحة واسعة لتفاصيل الحي وسكانه.

سافر فيلمك "عطوى" لمهرجان كان عام 2015 وغيرها من أفلامك، كما شارك مخرجان سعوديان بأعمالهم في مهرجانات دولية كثيرة. متى تخرج السينما السعودية من حالة الاحتفاء بقاعات المهرجانات إلى الجماهير؟

هناك استهلاك عالي وتعطش جماهيري للأفلام السعودية، بدليل أن أعلى نسبة مبيعات لتذاكر السينما والذهاب لدور العرض بالمنطقة كانت في السعودية، رغم أزمة فيروس كورونا 2020. ولكن مازالت السينما تجربة جديدة على المجتمع السعودي، باستثناء المواطنين الذين سافروا للخارج وشاهدوا السينما. نحن أيضاً نتحدث عن ثلاث سنوات فقط من التغيير والقرارات الجديدة للمملكة. فالإقبال على الذهاب للسينما عالٍ، ولكن المشكلة أن الجمهور لم يعتد مشاهدة الأفلام السعودية.

الفترة الماضية، كانت المشاهدات تنحصر في الأفلام المصرية والأجنبية، وكانوا يتساءلون: "وين هي الأفلام السعودية". وعلى الجانب الآخر، لم يكن لدى صناع الأفلام فرصة في السابق سوى عرض أفلامهم خلال المهرجانات، وكان ذلك مهماً أيضاً، لأن المهرجانات تساعدهم على تسويق أسمائهم وأفلامهم للخارج.

نحن نتحدث عن ثلاث سنوات فقط من التغيير والقرارات الجديدة للمملكة. فالإقبال على الذهاب للسينما عالٍ، ولكن المشكلة أن الجمهور لم يعتد مشاهدة الأفلام السعودية

يعرض حالياً فيلمك "المسافة صفر" على منصة Netflix. هناك مخاوف لدى البعض من قضاء هذه المنصات الرقمية على السينما، ما رأيك؟

بالعكس، وجود المنصات إيجابي ويحقق تنوعاً مطلوباً ويُلائم طبيعة عصر الإنترنت، والذي أثّر على طريقة حياتنا ووسائل الترفيه. بينما تظل السينما تجربة مشاهدة مختلفة، والذهاب لدور العرض لا غنى عنه لمشاهدة بعض الأفلام، ومتابعة الأخرى على المنصات، ومن ثم يخلق هذا التنوع سوقاً أكبر لصناع الأفلام، وشكل إنتاج يفتح المجال لمسلسلات الحلقات الأسبوعية القصيرة مثلاً، عكس نمط مسلسلات الـ 30 حلقة، وكل ذلك يصب في مصلحة الصناعة.

أخيراً، ما هو مشروعك القادم؟

"هوبال"، وهو فيلم روائي طويل من تأليف وكتابة مفرج المجفل، وسعيد جداً بهذا التعاون الرابع الذي يجمعنا، فهو يفهمني جيداً كمخرج، وأنا أستمتع جداً بكتابته المدهشة، دون حشو أو تفاصيل مُرهقة. و"هوبال" يتناول قصة حياة عائلة بدوية سعودية، ويرصد الصراع بين أجيالها المختلفة. وفاز الفيلم هذا العام بمنحة تمويل من صندوق "ضوء" التابع لوزارة الثقافة لدعم الأفلام الطويلة السعودية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard