مَلَك المنام يسافر من حضارة إلى أخرى

الأربعاء 23 ديسمبر 202012:43 م

هل للمنام مَلَكٌ موكل به في الحضارة العربية-الإسلامية؟

لم يكن هذا السؤال ليخطر على بال لو لم تأت بعض مقدمات كتب التعبير الإسلامية على ذكر مَلَكٍ للمنام، واسمه: صِدِّيقون. وقد كان الدينوري أول من جاء على ذكر اسمه في مقدّمة كتابه "القادري في التعبير"، ثم تبعه في ذلك آخرون. ولكن اللافت هو غياب أي ذكر لاسم هذا المَلَك في القرآن أو في أحاديث النبي. وإن جاءت المصادر العربية الأولى على ذكر مَلَك للرؤيا فلا مصدر بينها يذكر اسماً له. لقد تأخّر ظهور صدّيقون إذن حتى أواخر القرن الرابع للهجرة، ويطرح هذا التأخير أسئلة كثيرة حول حقيقة وجود هذا المَلَك في الحضارة الإسلامية، واحتمال انتقاله من حضارة أخرى.

هل للمنام مَلَكٌ موكل به في الحضارة العربية-الإسلامية؟ لم يكن هذا السؤال ليخطر على بال لو لم تأت بعض مقدمات كتب التعبير الإسلامية على ذكر مَلَكٍ للمنام، واسمه: صِدِّيقون

ظهور المَلَك في المصادر الأولى من غير اسم

يذكر ابن قتيبة في مقدّمة كتابه "تعبير الرؤيا" مَلَكاً للمنام دون تعيين اسم له، فيقول إن الرؤيا الصحيحة هي التي يأتي بها المَلَك من نسخة أمّ الكتاب، أي اللوح المحفوظ. ويرد في مسند الإمام أحمد حديثٌ يجمع بين رؤيا رآها النبي ومَلَك من الملائكة أخبره بتأويلها، فيقول في آخر الحديث: "كذلك قال المَلَك". ولكنه لا يذكر بصريح العبارة أن المَلَك الذي أخبره بالتأويل هو المَلَك الموكل بالرؤيا، ولا قرينة في كلامه تشير إلى ذلك.

وتأتي كتب شروح الحديث على ذكر ملك المنام، ومنها "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" لأبي العبّاس أحمد بن إبراهيم القرطبي، حيث يقول في كتاب الرؤيا: "إنّ لله تعالى ملكاً موكلاً يعرض المرئيّات على المحلّ المدرك من النائم، فيمثّل له صوراً محسوسة". ويقول ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري": "وأما المنام فإنه لمّا كان جزءاً من الوحي كان المُخبِر عنه بما لم يقع كالمُخبِر عن الله بما لم يُلقِه إليه، أو لأن الله يرسل مَلَك الرؤيا فيُري النائم ما شاء، فإذا أخبر عن ذلك بالكذب يكون كاذباً على الله وعلى المَلَك".

والملاحظ في هذه المصادر كلها أنها لا تحدّد اسماً لملَك الرؤيا، ولا ندري علام استندت لتأكيد وجوده في الإسلام، إذ لا حديث في كتب الصحاح يأتي على ذكره. أما الدينوري فلا يتوقّف عند تأكيد وجود مَلَك للمنام، بل يجعل اسمه "صدّيقون". ويعود عبد الدايم إلى إحدى مخطوطات كتب التعبير في باريس، ويقول بأنّ اسم مَلَك الرؤيا "مصدّقون" أو "مصّدّقون" مع احتمال تشديد الصاد. ويُضاف إلى ذلك اسم ثالث وهو "صَدوق" يرد في مخطوط كتاب "الممتّع" لابن أبي طالب القيرواني (القرن الخامس للهجرة).

إن مطالعة هذه الأسماء (صدّيقون، ومصدّقون، وصَدوق) تدفع الباحث إلى إعادة النظر في حقيقة وجود اسم لمَلَك الرؤيا في الإسلام، لأنها كلمات متقاربة في المعنى. وبذلك فإن احتمالاً قوياً يفرض نفسه، وهو أن خللاً ما قد حصل عند نسخ مخطوط القادري، حيث أُسقط سطر أو أكثر، فجاءت كلمة "صدّيقون" مباشرة بعد عبارة "مَلَك المنام"، ثم قام المصنِّفون اللاحقون بنقل الخطأ عنه. وللتأكّد من وجود خلل في نسخ كتاب القادري أو عدمه، كان لا بدّ من مراجعة عدد من مخطوطات الكتاب.

يذكر ابن قتيبة في مقدّمة كتابه "تعبير الرؤيا" مَلَكاً للمنام دون تعيين اسم له، فيقول إن الرؤيا الصحيحة هي التي يأتي بها المَلَك من نسخة أمّ الكتاب، أي اللوح المحفوظ

مخطوطات القادري تؤكّد الخبر

لكتاب الدينوري أكثر من أربعين مخطوطاً حول العالم، وله طبعة منشورة صدرت عن عالم الكتب في بيروت، وهي بتحقيق فهمي سعد، لكنّها في الواقع ليست تحقيقاً، وإنما طباعة لإحدى مخطوطات الكتاب، وهي مخطوطة متحف بغداد. وبعد مراجعة خمس مخطوطات لكتاب "القادري في التعبير" انتفى أي احتمال للشك، فالدينوري قد جعل المقالة الرابعة من مقدّمته بعنوان: "في ذكر مَلَك الرؤيا"، وأورد فيها بوضوح اسمه، وزاد على اسمه وصفَه، فقال: قال دانيال النبي عليه الصلاة والسلام: "اسم الملك الموكل بالرؤيا صدّيقون، ومن شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، فهو الذي يضرب الأمثال للآدميّين ويريهم بضياء الله تعالى من علم غيبه في اللوح المحفوظ، ما هو كائن من خير وشرّ لا يشتبه عليه شيء من ذلك".

والجدير بالذكر أنّ دور الملائكة في الديانات السماوية الثلاث متشابه، فهي موجودة في أغلب منامات الأنبياء لتوصيل أوامر الله. لكن أياً من هذه الديانات لم يعيّن ملكاً واحداً موكلاً بالمنامات، ولم يذكر أيضاً اسماً محدّداً له. الأمر الذي يستدعي مسألة أخرى أثارت جدلاً على الساحة الإسلامية عقب ازدهار حركة تفاسير القرآن، وهي مسألة الفارق بين الأنبياء والرسل.

مَلَك الرؤيا والفرق بين الأنبياء والرسل

يرد لفظا "النبي" و"الرسول" في القرآن الكريم، وقد حاول المفسّرون إظهار الفارق بين اللفظين من خلال العودة إلى المنام. ففي تفسير القرطبي ينقل عن الفرّاء قوله: "الرسول الذي أُرسِل إلى الخلق بإرسال جبريل عليه السلام إليه عياناً، والنبي الذي تكون نبوّته إلهاماً أو مناماً، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً". ويوافقه الرازي في ذلك، ويزيد أن المعتزلة لا ترى فرقاً بين الأنبياء والرسل. ولكن إن كان للمنام ملك موكل به، فما الفرق إذن بين الوحيين؟

إن القول بوجود مَلَك خاص بالرؤيا في الحضارة الإسلامية قد أحدث إلى الآن اضطرابات على مستويات عدّة، منها غيابه عن متون الحديث وظهوره في شروحه، وغيابه عن نصّ القرآن وتناقضه مع ما ذهب إليه المفسّرون من الفارق بين الأنبياء والرسل. لكن الأمر يغدو أكثر تعقيداً عندما يظهر للمَلَك أسماء أخرى لم ترد في كتاب الدينوري ولا في أي من المصادر الأولى.

الدينوري، القادري في التعبير، مخطوط لالي لي 1658، 1.

مَلَك الرؤيا وعلاقته بالتصوّف

يذكر بعض المتأخّرين أسماء لمَلَك الرؤيا لا نرصد لها أصلاً في مصادر التعبير الأولى. من ذلك اسم "روحائيل" الذي يذكره ابن شاهين في مقدّمة كتابه "الإشارات في علم العبارات". ومن المعلوم أن الملائكة المعروفة أسماؤهم في الإسلام معدودون وأشهرهم: جبرائيل، إسرافيل، عزرائيل، ميكائيل... ولا مَلَك بينهم يُعرف بروحائيل. لكن ابن قضيب البان، وهو أحد المتصوّفة، يذكر في كتاب "المواقف الإلهيّة" الذي يحكي فيه التقاءه بمَلَكٍ يحمل الاسم نفسه، ولكن لم يذكر أي علاقة تربط هذا المَلَك بالمنامات، لكنّه مع ذلك يثير الشكوك بأن اسم هذا المَلَك قد جاء به المتصوّفة انطلاقاً من مشاهداتهم أو تجاربهم الروحية الخاصة.

ويطرح فريتز ميير (Fritz Meier) نظرية تتفق مع ذلك، ففي مقالته خَلُصَ إلى أن معيار التمييز بين الإلهام الرباني والإلهام الشيطاني كان يعتمد في البداية على مضمون الإلهام، إن كان يتوافق مع التعاليم الدينية الحنيفة أم لا. أما في القرن التاسع للميلاد فلم يعد هذا المعيار كافياً، فقام المتصوّفة بوضع نظريات جديدة. ومن ضمن النظريات المتأخرة كان الحديث عن مَلَك موكل بالمنام، يُعلم المرء بالمكتوب له عن طريق منام.

وإن صحت نظريته، يكون مَلَك المنام قد سافر من مذهب إسلامي إلى آخر، ومن مؤلف إسلامي إلى آخر، لا من حضارة إلى أخرى. ولا تنفي أنّا ماري شيمل (Annemarie Schimmel) تمسّك المتصوّفة بمَلَك الرؤيا، لكنها ترى أن هذا المَلَك هو في الحقيقة نتاج حضارة أخرى غير الحضارة الإسلامية.

مَلَك الرؤيا واحتمال انتقاله من حضارة أخرى

تقول شيمل: إن "هناك روحاً في التراث الفارسي قبل الإسلام تُعرف بإلهامها للأحلام، وكان يُطلق عليها (زوروش)، يرجع أصلها إلى الديانة الزرادشتية وتُعرف فيه بروح السمع والطاعة". ولا يُستبعد أن يكون زوروش قد تحوّل في بعض الترجمات إلى مَلَك الرؤيا صدّيقون.

إن "هناك روحاً في التراث الفارسي قبل الإسلام تُعرف بإلهامها للأحلام، وكان يُطلق عليها (زوروش)، يرجع أصلها إلى الديانة الزرادشتية وتُعرف فيه بروح السمع والطاعة"، ولا يُستبعد أن يكون زوروش قد تحوّل في بعض الترجمات إلى مَلَك الرؤيا صدّيقون في الإسلام

أمّا بيتر ويلسون (Peter Wilson) فيردّ مَلَك الرؤيا إلى التراث الصيني، وتحديداً الديانة والفلسفة الطاوية (Taoism) ويقول إن الإله (dzidiqu)، هكذا دونه الكاتب، قد تحوّل بعد ثلاثة آلاف عام إلى صدّيقون، وجعله الدينوري في كتابه مَلَكَ الرؤيا في الإسلام. ولسوء الحظ، لم أتمكن من تتبّع اسم هذا الإله في مصادر أخرى. يُضاف إلى ذلك أن المادة النصية في القادري لها سلطتها، ومن الضروري أخذها بعين الاعتبار، الأمر الذي يُفضي إلى نظريتنا الأخيرة.

من المعروف أن الدينوري أراد لكتابه أن يكون موسوعياً جامعاً، فإلى جانب الثقافة الإسلامية، أورد من علوم التعبير ما هو منقول عن ثقافات شتى. وقد نسب كلامه عن مَلَك الرؤيا إلى "دانيال النبي عليه الصلاة والسلام"، والتأثر بهذا النبي يعود إلى الإرث الأشورو-بابلي. ويصعب التأكد من صدق ما جاء على لسان النبي دانيال، وذلك أن التقليد السامي قد انتقل غالباً عن طريق الرواية الشفهية إلى العرب، وهو أمر بدهي، لأن فن تعبير المنامات له شعبية قديمة متجذّرة.

لقد عدَّ بعض الباحثين المنام في الإسلام عبوراً عن طريق سُلّم يرسله مَلَك المنام لصاحب الرؤيا، لكن مطالعة الآراء المتباينة حول أصناف الرؤى واشتراك المَلَك فيها، يؤكّد أن في العبور سعة واختلافاً تحتّم وجود "سلالم"، لا سُلَّماً واحداً، تربط عالم اليقظة بعالم المنام في الفكر الإسلامي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard