"لا ديانة للطبخ في تونس"... قصة الكاتب التونسي اليهودي جيل جاكوب

الاثنين 21 ديسمبر 202012:52 م

ما لا شك فيه أن الطعام هو أحد أبرز العناصر التي ساهمت في تشكيل هوية المجتمعات عبر كل العصور، وكان دائماً من العناوين الكبرى للثقافات والحضارات. شأنه في ذلك شأن الفنون على اختلافها، فلا يمكن الحديث عن أي حضارة دون ولوج مطابخها، التعرف على أصناف الأطعمة فيها ومكوناتها وكيفية إعدادها.

اشتهر مطعم الكاتب التونسي اليهودي جيل جاكوب بإعداد الأكلات التونسية التقليدية بنكهة مميزة، جعلته وجهة للتونسيين بمختلف دياناتهم

فبالإضافة إلى دوره التقليدي يعبّر الطعام عن هوية أصحابه وثقافتهم وطبقتهم الاجتماعية، وربما ديانتهم أيضاً، وفي محطات أخرى، هو عنوان وحدة ومحبة وتلاقح ثقافي وديني، كما يرى ذلك الكاتب والشيف التونسي اليهودي، جيل جاكوب لولوش، في كتابه الصادر بالفرنسية منذ قرابة السنة بعنوان Lettres de Noblesse de la gastronomie tunisienne أو "رسائل نبلاء فن الطهو التونسي"، والحاصل على جائزة أفضل كتاب عن المطبخ الإفريقي، وجائزة أفضل رواية عن الطهي في العالم.

فطيرة من مطعم جاكوب، الصورة لجيل جاكوب 

ويتكون الكتاب من 200 صفحة، يستعرض فيها جيل جاكوب مطبخ طفولته في مدينة حلق الوادي بالعاصمة التونسية، بطريقة تختلف عن الطرح الكلاسيكي المعتاد لفكرة الطعام في تونس، حيث حاول أن يبرز أن المطبخ التونسي ليس مجرد مجموعة كبيرة من الأطباق والأكلات المتنوعة، وإنما هو خلاصة تلاقح ثقافات وعنوان محبة وتلاقٍ بين الأديان. ولتأكيد فكرته هذه، أدرج الكاتب قصة ثلاث نساء تونسيات من ديانات مختلفة: جينين، يهودية تونسية تقيم في باريس، وجليلة، مسلمة تونسية، وريتا، تونسية مسيحية، تجمعهن صداقة كبيرة كانت ثمرتها 50 سنة من المراسلات بينهن، تشاركن فيها تفاصيل حياتية واسعة، بما في ذلك الوصفات الخاصة لبعض الأكلات، رغبة منهن في إبراز التقارب بين الديانات الثلاث، على مستوى العادات والتقاليد والموروث عموماً، رغم ما ألحقته حرب 1967 من مشاكل لأبناء الديانة اليهودية، الذين اضطر الكثير منهم لمغادرة تونس.

وهناك في مطعمه بمدينة المرسى الواقعة بالضاحية الشمالية للعاصمة، توجهنا للقاء جاكوب والحديث أكثر عن رسائل نبلاء الطهو في تونس، وعن نظرته المختلفة للمطبخ التونسي. ويمكنك أن تلمس منذ البداية أي علاقة تربط هذا الرجل بالطعام، بمجرد أن تطأ قدمك المطعم، حيث الطابع التقليدي يطغى على كل تفاصيل المكان: الخشب الأزرق، الجدران البيضاء، الكراسي العتيقة وصور أم كلثوم وفيروز المعلقتان في مواجهة الزبائن، تعلن أننا في حضرة ذوق رفيع.        

على لسان ثلاث سيدات، مسيحية ومسلمة ويهودية، عشن لسنوات طويلة معاً... كتاب رسائل نبلاء في الطهو في تونس الحاصل على جائزة أفضل كتاب عن المطبخ الإفريقي، وجائزة أفضل رواية عن الطهي في العالم

يقول جاكوب: "هناك جملة من الرسائل أردت إيصالها لكل من يطلع على هذا الكتاب على لسان ثلاث سيدات، مسيحية، مسلمة ويهودية، عشن لسنوات طويلة معاً، دون تأثير للانتماءات الدينية، أولها أنه في تونس لا وجود لأطعمة تابعة لهذه الديانة أو تلك، هناك طبخ واحد يتبع الدولة التونسية. لا ديانة للطبخ، هناك فقط بعض المعايير الغذائية التي تتغير عند كل ديانة، بفعل الحلال والحرام وغيرها من الجزئيات البسيطة. وبإمكاننا تأمل وصفات مختلف الأكلات التونسية سنجدها موحدة لدى كل الديانات، عدا بعض الاختلافات على مستوى التسمية، وهذا طبيعي إذا ما أخذنا بالاعتبار أن تونس كانت محطة لثقافات عديدة، كالأندلس والجزيرة العربية والأتراك وغيرهم. فكل قادم جديد يحمل معه ثقافته وتقاليده، أو بالأحرى يقدم هدية لهذه البلاد، التي أعتبرها مقدسة، حتى بدا المشهد وكأننا اجتمعنا على شقالة، (صحن كبير تجتمع عليه العائلات قديماً)، وكل منا وضع ما لديه من نكهات فانبثق عنها خليط رائع".

طبق تقديم مطعم جاكوب، الصورة لجيل جاكوب 

"من الرسائل الأخرى الهامة التي سعيت لتمريرها عبر كتابي هي دفع التونسي للثقة بتراثه وتقاليده وطعامه، فالطعام التونسي غير معروف على مستوى العالم، لا يتمتع بصورة جميلة تدعو للفخر به أمام الآخر، وكأني بالتونسي خجول بما لديه من أطباق وأنواع أطعمة وبتراثه وثقافته، لهذا حاولت أن أحيي فيه هذا الانتماء وأن أجعله يفخر به".

ولدى سؤاله عن سبب اختياره للطعام كموضوع رئيسي لكتابه وكعنصر محوري لتأسيس فكرته، شدد جاكوب على أن ما دفعه لهذا هو اعتقاده القوي بأن تونس هي المكان الوحيد الذي تنتفي فيه الانتماءات الدينية والسياسية وغيرها، بمجرد الاجتماع على الأكل: "حتى أننا نقول جميعنا بمختلف دياناتنا للتعبير عن عمق العلاقة والمحبة: لقد تقاسمنا الماء والملح، بمعنى أن تقاسم الطعام في هذا البلد يعني تقاسم المحبة. وحتى أعيادنا ومناسباتنا السعيدة تكتسب جماليتها ومتعتها من تلك اللقاءات العائلية حول الأكل والشراب وتبادل الأطباق مع الجيران أيضاً، بمعنى أن الطعام يجمع التونسيين ويجرّدهم من كل الخلفيات والاختلافات".

ولعل جاكوب على حق في هذه الجزئية، إذ يتفق التونسيون على فكرة أن السعادة لا تتحقق لديهم إلا بالأكل، وهذا ما يعكسه ارتباط كل مناسبة بأكلة محددة لا غنى عنها، حتى وإن عرضت مكوناتها بأسعار غالية تتجاوز أحياناً القدرة الشرائية للمواطنين، علماً أنه ليس مرد ذلك الاحتفاء بالمناسبة أو الالتزام بطقوس الأعياد، بقدر ما هو البحث عن السعادة التي يبعثها طعام ما في النفس. وهذا ينطبق على التونسيين بمختلف دياناتهم، لا سيما وأن طرق الاحتفال بالأعياد متشابهة، كما ذهب إلى ذلك جاكوب.

يؤكد جاكوب، مؤلف كتاب رسائل النبلاء... فن الطبخ في تونس أنّ العائلات التونسية تشترك في إعداد ذات الأكلات حتى في المناسبات الدينية، رغم اختلاف الديانات، فمثلاً تطبخ العائلات المسلمة واليهودية أكلة "المدفونة" أو الملوخية أو كلاهما معاً، للاحتفال برأس السنة

 إذ يؤكد جاكوب أن العائلات التونسية تشترك في إعداد ذات الأكلات حتى في المناسبات الدينية، رغم اختلاف الديانات، فمثلاً تطبخ العائلات المسلمة واليهودية أكلة "المدفونة" أو الملوخية أو كلاهما معاً، للاحتفال برأس السنة. أيضاً يتم إعداد ذات الحلويات التقليدية مثل "وذنين القاضي والمقروض والغريبة" في أعياد كل الديانات، مع اختلافات بسيطة للمسيحيين القادمين منذ عقود من أوروبا، ولعل الطريف هنا أنه في رأس السنة الميلادية يحتفل التونسيون غير المسيحيين بهذا العيد بتحضير ذات الأكلات التي يعدها المسيحيون لهذه المناسبة، بمعنى أن الطعام في تونس عامل وحدة بين مواطنيها.  

مطعم جاكوب في تونس، من تصوير كاتبة المقالة

يسود اعتقاد داخل وخارج تونس مفاده أن المطبخ التونسي وضع أسسه اليهود، دون أن يتم النقاش أو الحديث بعمق حول أسباب هذا التفكير، ما دفعني للحديث مع جاكوب باعتباره كاتباً وطباخاً يهودياً تونسياً، عن مدى صحة هذه المقولة، فلم يؤكد هذا الاعتقاد ولم ينفه أيضاً.

يسود اعتقاد داخل وخارج تونس مفاده أن المطبخ التونسي وضع أسسه اليهود، دون أن يتم النقاش أو الحديث بعمق حول أسباب هذا التفكير، فما السرّ في هذه المقولة؟ 

ويشرح جاكوب قائلاً: "إن الترويج لفكرة أن المطبخ التونسي متأثر أو له صلة وثيقة باليهود ليس صحيحاً تماماً، نظراً للتنوع الثقافي الكبير في البلاد، والذي ترك بصمة على مختلف نواحي الحياة، بما فيها الطبخ. لكن هناك معطى يمكن القول إنه قد منح اليهود فرصة للتأثير أكثر من غيرهم، وهو أنهم الفرقة الأكثر تنقلاً في تونس، والأكثر اختلافاً على مستوى الأماكن التي قدموا منها.

فهناك جماعة أتت مع الفينيقيين، وهؤلاء انسجموا في مرحلة لاحقة مع البربر، وآخرون جاؤوا من الأندلس وتركيا وغيرها من البقاع الكثيرة، ولا سيما الواقعة على ضفاف المتوسط. والأكيد أن كل فريق حمل معه موروثه الثقافي، الذي من بين تفاصيله وصفات لأطعمة جديدة انتشرت وتفاعلت فيما بينها، بفعل تلاقح هذه الثقافات عبر المصاهرة والصداقة، فأنتجت خلطات استقبلها التونسيون من كل الديانات، لكن دون أن تسند رسمياً لهذه الديانة أو تلك. فمثلاً الكسكسي صحيح أنه موجود في الجزائر والمغرب وتونس من قبل، ولكن طريقة طهيه في بلادنا والمواد المعتمدة في التحضير استحدثها اليهود، واعتمدها التونسيون دون استثناء، ولم تبق حكراً على اليهود، ولم يتم النقاش أو التساؤل أي ديانة وضعت هذه الوصفة".

مطعم جاكوب في تونس، من تصوير كاتبة المقالة

ويقدر عدد اليهود التونسيين حالياً بنحو 5 آلاف، بعدما كان العدد في حدود مائة ألف في عهد الاستعمار الفرنسي، وقبل موجات الهجرة الكبيرة نحو أوروبا وإسرائيل في أعقاب حربي 1967 و1973. وتعد جزيرة جربة أكبر منطقة تجمع اليهود التونسيين، فضلاً عن مناطق أخرى، على غرار حلق الوادي ولافيات بالعاصمة. يمكن الاطلاع على تاريخهم في تونس في مقالة سابقة نشرها الموقع بعنوان: "جذور اليهودية في تونس ممتدة في التاريخ."

وعلاقة جاكوب بالأكل التونسي قوية، فقد كان حلم فتح مطعم في تونس يراوده منذ إقامته في باريس التي استمرت 18 سنة، وهو ما كان له في تسعينيات القرن الماضي، عندما تمكن من افتتاح مطعم بمنطقة حلق الواد الواقعة بالضاحية الشمالية للعاصمة. اشتهر هذا المطعم اليهودي بإعداد الأكلات التونسية التقليدية بنكهة مميزة، جعلته وجهة للتونسيين بمختلف دياناتهم، ولكنه اضطر بعد سنوات قليلة من اندلاع الثورة لإغلاقه، بسبب تعرضه لتهديدات بالتصفية من قبل متطرفين في الفترة التي تتالت فيها التهديدات الإرهابية في تونس. لكن هذا الطارئ الخطير لم يثنه عن مواصلة الإيمان بأن تونس بلاد التعايش بين الأديان، بل واتجه لإعادة فتح مطعم جديد في جهة المرسى هذه المرة، أيضاً في الضاحية الشمالية للعاصمة.  

هناك جماعة أتت مع الفينيقيين، وهؤلاء انسجموا في مرحلة لاحقة مع البربر والعرب وآخرون جاؤوا من الأندلس وتركيا وغيرها من البقاع الكثيرة، ولا سيما الواقعة على ضفاف المتوسط... نكهات المطبخ التونسي

وفي تعليقه على ذلك يقول جاكوب: "صحيح أن مطعمي السابق في حلق الواد كان (كاشيير) أو يهودي، حيث نراعي في عملية التحضير أن يكون حلالاً بالنسبة لليهود، على غرار عدم دمج الحليب باللحم، ولكن رغم ذلك كان رواده من كل الديانات، لأنني من جهة كنت أركز على إعداد الأكلات التونسية التقليدية الأصيلة، أحترم رغبة الزبون وأترك له هامش الاختيار، وربما لأن نكهة الأكل تذكرهم بجداتهم وأمهاتهم. ورغم حادثة التهديد بالتصفية التي طالتني إلا أن ذلك لن يدفعني للرحيل أو تغيير ما أكنه من محبة لهذا الوطن، وما أحمله من تصورات جميلة عن بلدي، مازال لدي الكثير لأقوله وأفعله، ولن يخرجني من تونس أحد، ولن أترك مكاني لغيري إلا بالموت، فأنا أعتبر أن ما تعرضت له كان بالإمكان حدوثه في أي مكان آخر من هذا العالم".    

كـ"تنوع الثقافات التي مرت على هذا البلد"

 وفي ظل ما يروج من أحاديث مفادها أن المطبخ التونسي فقير، سألت جاكوب العارف بخبايا هذا المطعم، وخاصة الأكلات التقليدية التي لم تعد تجد مكاناً في ظل هيمنة فكرة الأكل السريع، فكان رده بالنفي القاطع: "لا أتفق البتة مع من يقول إن المطبخ التونسي فقير، لأن التنوع في طبخنا كبير جداً ومرتبط أساساً بتنوع الثقافات التي مرت على هذا البلد، فكل بيئة تركت طعامها ونكهتها، وأقول جازما إننا لو قمنا بعرض مأكولات المطبخ التونسي سنحتاج لمساحة بعشرات الكيلومترات كي تسعه. أنا فخور بالمطبخ التونسي ولكننا نحتاج أن نتعلم كيف نتحدث عنه وكيف نسوق له في العالم، هذا ما ينقصه حتى يكتشف الآخر غناه وتنوعه.

وأعود هنا لكتابي، فحيازته لجائزتين عالميتين فيه اعتراف بأن المطبخ التونسي ذو قيمة عالية، وأنه ليس مجرد طعام، لهذا نحن في حاجة لتحسيس الشباب التونسي بقيمة مطبخه ونؤسس لعلاقة وطيدة بينهما، وهو ما أسعى للقيام به من خلال مطعمي اليوم، أن أصالح الشباب التونسي مع أكلاتنا التقليدية الأصيلة وأجعله فخوراً بها، حتى يكون بمقدوره التسويق له بشكل أفضل أمام الآخر. لا بد أن نعيد إليه الذاكرة، ورغم صعوبة المهمة إلا أنها ممكنة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard