كنتُ أجلس مع زوجي في المقعد الخلفي لسيارة صغيرة تُقلنا عائدين إلى مدينة البصرة، بعد زيارة لأهل زوجي في مدينة أخرى، ولم يمض على زواجنا وقتٌ طويل.
عند مدخل المدينة، أُجبرت السيارة على التوقف في السيطرة الرئيسية "سيطرة السدرة". اقترب رجل أمن، وطلب من السائق أوراقه الثبوتية بنبرة رتيبة. وبينما كان يقلبها، رفع نظره إلى داخل السيارة وركز بصره نحو المقاعد الخلفية. في تلك اللحظة، ما لبث أن تبدلت ملامح وجهه فوراً حين وقعت عيناه علينا.
"سلطة بلا حدود"
طلب رجل الأمن من زوجي بطاقة هويته الشخصية، تفحصها سريعاً ثم سأله عن صلة قرابته بالمرأة الجالسة إلى جواره. أجابه بأنني زوجته، غير أنّه لم يقتنع، طلب بطاقة هويتي، في إجراء نادر الحدوث، إذ لا تطالب النساء عادة بإبراز بطاقات هوياتهن. نظر إليها بنفس الملامح المتجهمة، قلبها للوجه الآخر، وهنا، وجد ضالته. جمع الهويتين في يد، وبالأخرى أشار للسائق بركن السيارة جانباً ريثما يستدعي الأمن الوطني. ومن دون أي تفسير لنا، أدار ظهره ومضى، تاركاً خلفه جندياً لمراقبتنا.
مرت دقائق من الصدمة قبل أن ينزل زوجي، وبعد الاستفسار ومحاولاتنا لفهم ما يجري، تبين لنا أن رجل الأمن رجح أننا على علاقة غير شرعية وكان دليله القاطع على ذلك هو أن زوجي لم يجلس في (صدر) السيارة بجانب السائق كما يفعل الأزواج عادة، فاستنتج أنني عشيقته، وأنه فضل الجلوس بجانبي في المقاعد الخلفية مستغلاً الطريق والوقت ليكون قريباً مني. وما عزز اعتقاده هو أن الرقم العائلي في بطاقات هوياتنا كان مختلفاً، كدليل في نظره على أننا لسنا متزوجين.
كان من الممكن أن تقودنا افتراضات رجل الأمن وتخيلاته وسلطته التي بلا حدود إلى الاقتياد القسري والفضائح ومراكز الشرطة والتحقيق، ولولا النسخة الإلكترونية من عقد الزواج التي أبرزها زوجي لرجل الأمن لما أخلي سبيلنا، ولما سمح للسيارة بالعبور.
وصاية أخلاقية
جرى كل ذلك في حدود نصف ساعة، لكن غضبي الممزوج بالاشمئزاز استمر لأيام ومعه أسئلة لم تفارقني حتى اليوم، بعد أكثر من سنتين على الحادثة. أسئلة لم تتعلق بما حدث لنا وحدنا فحسب، بقدر ما كانت تتعلق بما يمكن أن يفعله رجل أمن، في لحظة واحدة، وهو الذي يملك هذه السلطة التعسفية التي لا تخضع لأي ضوابط.
لماذا يتحوّل رجل الأمن إلى قاضٍ أخلاقي يحاكم الناس على شكل علاقاتهم، متزوجين كانوا أم غير متزوجين؟
كان رجل الأمن، في تلك اللحظة، يمارس وصاية أخلاقية على حياتنا الخاصة. فبالرغم من أننا لم نرتكب أي مخالفة حقيقية، إلا أنه تعامل معنا انطلاقاً من شكوك وافتراضات وتخيّلات تخصّه وحده. كانت لغة جسده، وطريقته في الحديث، وتعامله الفجّ، كلها توحي بأنه يرى لنفسه حقّاً في تحديد طبيعة علاقتنا، وفي محاسبتنا على أساسها، متجاوزاً بذلك خصوصيتنا وحقّنا في التنقّل من دون إذلال أو تحقيق مبني على "الأخلاق".
لماذا يتحوّل رجل الأمن إلى قاضٍ أخلاقي يحاكم الناس على شكل علاقاتهم، متزوجين كانوا أم غير متزوجين، وعلى تفاصيل عابرة مثل مكان الجلوس؟ ومن أعطاه السلطة؟
تتبدّل وظيفة رجل الأمن تبعاً لمزاجه أو حالته أو المكان، وينتج من هذا التبدّل ممارسات تُشرعن في لحظتها. فقد يستخدم الأمن أجساد النساء لاستخراج الأدلة أو للعقاب والتأديب والمساومة والابتزاز، أو لفرض وحماية ما يُسمّى بالقيم والأخلاق العامة، من دون حاجة إلى قانون واضح، إذ يكفي أحياناً أن يقرّر هو أو يقرّر مزاج مسؤوليه مهما كانت رتبتهم، ما هو مسموح وما هو مُدان وجريمة.
رجل الأمن الحارس للأخلاق
في سنواتي الجامعية، كانت وظيفة رجال أمن الجامعة تقتصر على حراسة أخلاق الطالبات، ويُطبق ذلك من خلال مراقبة ملابسهنّ ومعاقبة المخالفات، ورصد كل رجل وامرأة يجلسان معاً. لكن الوظيفة الأهم، على ما يبدو، كانت منع الطالبات من مغادرة الجامعة قبل انتهاء الدوام الرسمي أو السماح لهنّ بالمغادرة بشرط مرافقة ولي أمرهنّ.
أتذكر ذلك الموقف جيداً، الساعة الحادية عشرة صباحاً في سنتي الأخيرة بكلية الهندسة في جامعة البصرة. كنت جالسة على دكة خشبية وأمسك بطني وأتلوى من الألم، أفكر بالعودة إلى البيت. بعدها استقللت سيارة أجرة من باب الكلية إلى باب الجامعة، لكن رجال الأمن عند سيطرة باب الجامعة منعوا السيارة من الخروج بحجة أن الدوام لم ينتهِ بعد. شرحت وضعي الصحي، وأكدت أنني أنهيت محاضراتي لهذا اليوم، لكن بلا جدوى. لم يقتنعوا. انتهت محاولاتي بأن طلب مني رجل الأمن الحصول على موافقة خطية من رئاسة القسم تسمح لي بالخروج أو حضور ولي أمري ليصطحبني.
قد يستخدم الأمن أجساد النساء لاستخراج الأدلة أو للعقاب والتأديب والمساومة والابتزاز، أو لفرض وحماية ما يُسمّى بالقيم والأخلاق العامة، من دون حاجة إلى قانون واضح، إذ يكفي أحياناً أن يقرّر هو أو يقرّر مزاج مسؤوليه مهما كانت رتبتهم، ما هو مسموح وما هو مُدان وجريمة
بالطبع، لم يمنحني رئيس القسم الموافقة أيضاً، كي لا يتحمل المسؤولية إذا صادف أن يراني والداي أو إخوتي أو أي من أعمامي وأبناء العشيرة جالسة مع أحدهم. تلك الصورة المتخيلة كانت واضحة في أذهان الطلاب، ورجال الأمن، ورؤساء الأقسام، وحتى العمداء. الجميع، حقاً الجميع، كان يشعر بأنه مسؤول عن الطالبة: متى خرجت؟ ومع من؟ ومن سيحظى بشرف الإمساك بها متلبسة؟ ورجل الأمن كان صمام الحماية الوحيد في تلك اللحظة. وكان هذا الهوس جلياً في قصص الرعب التأديبية والتحذيرية التي كنا نسمعها عن "إمساك الطالبة بوضع مخل".
السلطة الأخلاقية ذاتها كانت حاضرة، لكنها هنا أنتجت وصاية تمنع وتقيّد، وتمتد لتكمل ما بدأه الأهل في البيت.
هكذا يقف رجل الأمن عند بوابة الجامعة بوصفه حارساً لـ"شرف العائلة"، يقرّر مَن يحق لها الخروج، ومع مَن، وما يفترض أن ترتديه الطالبة. لذلك لم يرَني في تلك اللحظة مجرد طالبة مريضة تستأذن الخروج، بل احتمالاً للانحراف يجب منعه.
رجل أمن لحفظ الأمن والاغتصاب
لكن ماذا قد يحدث في حال أمسك رجل أمن بفتاة "متلبسة" بمثل ما يتخيل ويرجو؟ الجواب: قد يغتصبها.
أستلهم الإجابة من واقع حدث فعلاً قبل أربعة أشهر فقط حين اغتصبت قوة أمنية كاملة فتاة في النجف، كيف يمكن فهم جريمة بهذه الوحشية؟ صِيغ الخبر بهذا الشكل: "قوة أمنية ضبطت رجلاً وامرأة في وضع "مخل للشرف" في إحدى المناطق النائية بمحافظة النجف"، اعتقلت القوة الشخص وأودعته السجن، فيما تعرضت الفتاة المعتقلة لجريمة اغتصاب جماعية من ضابط وعدد من عناصر الأمن في الموقع نفسه، عند منطقة صناعية خارج مركز المحافظة تكاد تكون مهجورة ليلاً.
ترى شارون ماركوس أن "المغتصِب لا يختار ضحية جاهزة، بل إن فعل الاغتصاب نفسه هو ما يصنع الضحية"، لكني أجد صعوبة في تبنّي هذا الطرح أمام خبر كهذا، لأن الضحية هنا وُضِعت في خانة "المباحة" التي يُفترض أنها تستحق العقاب. ضحية مكتملة العناصر: امرأة تُنزَع عنها صفة الشرف لأنها ضُبطت في "وضع مخل"، ليلاً في مكان مهجور، وقوة أمنية تملك السلطة الذاتية والقانونية، تعرف جيداً أن المجتمع سيضع اللوم عليها.
وأنا أقرأ تفاصيل الخبر، سرت قشعريرة في جسدي، وعاد ذهني على الفور إلى التجربة التي مررت بها. بدا لي أن رجل الأمن هناك مارس السلطة الممنوحة له بالطريقة ذاتها: انتهاك الحدود، تصنيف المواطنين/ات وتأديب مَن يراها تستحق التأديب. وقد ظهر ذلك بوضوح في نوع "العقوبة" التي تلقّاها الجناة؛ فبينما يعاقب القانون العراقي المغتصِب بعقوبة قد تصل إلى السجن المؤبد، خصوصاً مع توافر هنا كل الشروط المشدّدة، لم يُحاسَب الضابط إلا بنقله إلى مفرزة أخرى، وفُصل الجنود المتعاقدون بخفة تشبه منطق: "بوس عمّك"، "بوس خالك".
هذه الإباحة والتطبيع مع جرائم اغتصاب ترتكبها قوى الأمن لم تكن الأولى من نوعها، حتى في العام نفسه؛ فقد سبقت وزارة الداخلية قبل ذلك بثمانية أشهر إلى تبرئة ضابط في مركز شرطة المجتبى اتُّهم باغتصاب فتاة.
جريمة التحرش الجماعي
في كورنيش البصرة، حتى في الأيام الاعتيادية، تنتشر مراكز لرجال الأمن هنا وهناك. ومع احتفالات رأس السنة، خصصت الحكومة المحلية المكان للفاعليات، وهو ما يستدعي بطبيعة الحال مضاعفة عدد أفراد الشرطة في مدينة يتجاوز سكانها خمسة ملايين نسمة. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين اختفى رجال الأمن؟
المشهد كان واضحاً حتى من مسافة بعيدة، أبعد بكثير مما يُفترض أن يكون عليه مدى رؤية رجل الأمن، عشرات إن لم يكن أكثر من الشبان يطوّقون فتاة صغيرة، في دائرة فاضحة من التحرش الجماعي. مشهد كفيل بأن يجمّد الدم في العروق.
لم يُسائل أحد رجال الشرطة عن تقصيرهم بأداء واجبهم، ولم يُحاسَب أي فرد من القوة المكلّفة بحماية المكان. واكتفت أجهزة الأمن، وبعد الضجة الهائلة التي أثارتها القضية في وسائل التواصل، باعتقال عدد من المتورطين، ليُفرج عنهم جميعاً في اليوم التالي. وكأن ما جرى كان مجرّد سوء تفاهم.
بينما يعاقب القانون العراقي المغتصِب بعقوبة قد تصل إلى السجن المؤبد، خصوصاً مع توافر هنا كل الشروط المشدّدة، لم يُحاسَب الضابط إلا بنقله إلى مفرزة أخرى، وفُصل الجنود المتعاقدون بخفة تشبه منطق: "بوس عمّك"، "بوس خالك"
والحقيقة أن جزءاً كبيراً من التحرش في الشوارع يحدث أمام أعين رجال الشرطة، ما لم يكونوا جزءاً منه. التحرش والابتزاز والمساومة الجنسية والاغتصاب ليست حوادث "شاذّة" داخل أجهزة الأمن؛ بل ظواهر متجذّرة في بنيتها ذاتها. ويعود ذلك إلى الاختلال الحاد في ميزان القوة بين النساء والرجال، وهو اختلال يتضاعف حين يكون الرجل رجلَ أمن يمتلك سلطة قانونية وميدانية في سياق معقّد كالذي نعيشه في العراق. اختلال يتيح ارتكاب العنف، ويضمن في الوقت ذاته الحماية لمن يرتكبونه من أي مساءلة.
لكن ما هو أعمق من ذلك أن العنف الجنسي الذي قد تمارسه الشرطة لا يُعامل كخروج على القانون، بل في كثير من الأحيان كأداة مُضمَنة داخل ممارسات "الحفاظ على النظام".
لذلك لم يكن بوسعي الاعتراض على شكوك الضابط لمجرّد مكان جلوس زوجي؛ فمثل هذا التدخّل يمكن تبريره فوراً تحت غطاء "حماية الأخلاق العامة"، تلك المظلة الفضفاضة التي تستخدمها السلطة العراقية منذ سنوات لتبرير التدخل في خصوصيات الناس وضبط أجسادهم وعلاقاتهم.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
