مباراة كرة القدم عززت التوتر... أردوغان يُهاجم فرنسا وسط تهديد أوروبي بالعقوبات

الخميس 10 ديسمبر 202001:26 م

توقفت مباراة نادي "باريس سان جيرمان" و"إسطنبول باشاك شهير" في بطولة دوري أبطال أوروبا، مساء 8 كانون الأول/ ديسمبر الحالي، بعدما تلفظ أحد الحكام بكلمة "نيغرو" (تُستخدم بالإنكليزية ككلمة "زنجي" بالعربية) في وجه مساعد مدرب الفريق التركي، والتي تسببت في إيقاف اللقاء.

فتح الحادث تساؤلات عدة حول أسباب انزعاج المدرب من كلمة زنجي، كما فتح الباب أمام تساؤلات مماثلة عن أسباب ارتفاع منسوب العنصرية في أوروبا، وفرنسا تحديداً. بموازاة ما عزّزه من تحليلات عن العلاقات التركية الفرنسية في المرحلة الحالية، والتوتر بين الطرفين الذي يظهر في مناسبات عدة.

وكان لافتاً ما أثارته الحادثة من انتباه عدد من المغردين انتقدوا كذلك وصف وكالة "فرانس برس" وزير الدفاع الأمريكي المرشح في إدارة جو بايدن، لويد أوستن، بـ"الأسود".

سوء فهم

سرعان ما خرج الحكم الرابع سيباستيان كولتيسكو للحديث مع وسائل الإعلام، إذ أكد أن الكلمة التي تلفظ بها كانت "Negru" والتي تعني بالرومانية "أسمر" ولا يقصد المعنى الآخر "زنجي"، مؤكداً أنه ليس عنصرياً.

وكان صوت الحكم الرابع مسموعاً والتقطه التلفزيون الفرنسي، وتبين أن كولتيسكو كان يتحدث مع الحكم الأول، ويشير إلى مساعد المدرب التركي بيير ويبو، قائلاً: "الأسود هناك. هذا غير ممكن. اذهب وتعرف عليه. ذلك الرجل الأسود"، وذلك بحسب ترجمة وكالة "فرانس برس".

ويمكن سماع صوت مهاجم "باشاك شهير" ديمبا با بوضوح وهو يحتج، قائلاً باللغة الإنكليزية: "عندما تذكر شاباً أبيض، فأنت لا تقول أبداً هذا ‘الرجل الأبيض‘، أنت فقط تقول ‘هذا الرجل‘ ، فلماذا عندما تذكر رجلاً أسود تقول ‘هذا الرجل الأسود‘؟.

هل كلمة نغرو عنصرية؟

في تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية للكاتبة أنطونيا نوري، تذكر أن الأمريكيين من أصل أفريقي كانوا لا يرون في كلمة "Negro" أي "عنصرية"، مشيرة إلى أن قادة الحقوق المدنية مثل مارتن لوثر كينغ استخدموها بفخر.

ومع ذلك لفتت الصحيفة إلى أن علماء الاجتماع وجدوا أن هذه التسمية بدأت تفقد شعبيتها في أواخر الستينيات، إذ رفض الناشط من أصل إفريقي ستوكلي كارمايكل وزعماء آخرون من حركة "Black Power" استخدامه.

أثار الحادث بين الفريقين التركي والفرنسي تساؤلات عدة حول أسباب انزعاج المدرب من كلمة "زنجي"، وأسباب ارتفاع منسوب العنصرية في فرنسا، بموازاة ما أضافه من توتر على العلاقات التركية الفرنسية في المرحلة الحالية 

بحلول عام 1974، قال غالبية الأمريكيين السود إنهم يفضلون مصطلح "black" (أسود) على "Negro" (زنجي)، وفقاً لاستطلاع لمركز "روبر لأبحاث الرأي العام" استشهد به أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميسوري بن إل مارتن.

وفي عام 2010، استخدم تعداد سكاني كلمة "Negro" ما أثار جدلاً كبيراً، إذ اعتبره بعض الأمريكيين الأفارقة "مسيء" و "صفعة على الوجه"، ثم أعلن مكتب الإحصاء عام 2013 أنه سيتوقف عن استخدام كلمة "Negro".

بحسب جامعة "فيرس ستيت" الأمريكية، فإن نقطة التحول في استخدام هذه الكلمة جاءت بعدما صاغ ستوكلي كارمايكل عبارة "القوة السوداء" في مسيرة عام 1966 في ولاية ميسيسيبي. حتى ذلك الحين، كان لفظ "Negro" هو الطريقة التي وصف بها معظم الأمريكيين السود أنفسهم.

وفي خطاب كارمايكل في المسيرة وفي كتابه التاريخي عام 1967، "القوة السوداء: سياسة التحرير في أمريكا"، جادل بشكل مقنع بأن هذه الكلمة تشير إلى "دونية السود". بعدها قرر المشاهير والناشطون السود التخلي عن استخدام هذه الكلمة.

أردوغان يتدخّل وسط توتر في العلاقات

كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يُعرف بأنه على علاقة وثيقة بمالكي نادي "إسطنبول باشاك شهير"، أول المعلقين على الأزمة التي وقعت على الأراضي الفرنسية.

وقال أردوغان في تغريدة على تويتر: "أدين بشدة التصريحات العنصرية التي أدلى بها الحكم الرابع لعضو الجهاز الفني في باشاك شهير، وأنا مقتنع بأن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم سيتخذ الإجراءات اللازمة".

في اليوم التالي، صرح أردوغان أن فرنسا باتت مكاناً تنتشر فيه العنصرية بكثافة، في الآونة الأخيرة. وفي مؤتمر صحافي في أنقرة قبل توجهه إلى أذربيجان للقيام بزياة رسمية، اعتبر الرئيس التركي أن تعرض "فريق كرة القدم التركي، باشاك شهير، في باريس للعنصرية هو صورة جديدة للعنصرية الفرنسية"، مؤكداً أن بلاده ستستمر في "محاربة الإرهاب داخل تركيا وخارجها".

وتأتي تصريحات أردوغان، بالتزامن مع نشر مسودة بيان أعدها زعماء الاتحاد الأوروبي للموافقة عليها في قمتهم المعقودة اليوم الخميس، في 10 كانون الأول/ ديسمبر، والتي تشير إلى فرض عقوبات على المزيد من الأتراك والشركات التركية المسؤولة عن  أنشطة التنقيب التي تنفذها تركيا شرقي البحر المتوسط.

وقلّل الرئيس التركي من أهمية العقوبات الأوروبية المقترحة ضد أنقرة، وقال إن تركيا "لا تخشى العقوبات الأوروبية"، مشيراً إلى أن "الاتحاد الأوروبي يطبق دائماً عقوبات على تركيا على أي حال"، متهماً إياه (الاتحاد) بأنه "لم يكن نزيهاً معنا ولم يفِ بوعوده".

وكان أردوغان نفسه قد تعرض للسخرية من مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية التي استهزأت به من خلال رسم كاريكاتوري ذات دلالة جنسية.

وفي حزيران/ يونيو الماضي، شهدت عدة مدن فرنسية موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات المناهضة للعنصرية. في ذلك الوقت، نشر موقع "فرانس 24" تقريراً أكد فيه أن هذه التظاهرات كشفت عن تصدعات في النموذج الكوني للدولة، قائلاً: "رُفعت المحظورات التي طال أمدها وأذكت الدعوات للتخلص من ‘أسطورة‘ جمهورية محصنة ضد العنصرية".

وعلى صعيد كرة القدم، لا تزال حاضرة في الأذهان التعليقات التي أثارها فوز فرنسا بكأس العالم عام 2018، وما قاله الكوميدي الأمريكي الشهير تريفور نواه على سبيل المزاج بأن "إفريقيا فازت بكأس العالم" - في إشارة إلى أن معظم لاعبي المنتخب الفرنسي من أصول أفريقية.

جاء هذا التعليق من حقيقة أن كثير من الفرنسيين حينما سألوا عن تشجيعهم لمنتخبهم الوطني، كانوا أقل حماسة لأن معظم اللاعبين من أصول أفريقية.

ومع ذلك، أثار تعليق نواه ضجة كبيرة بين الفرنسيين، حتى أن السفير الفرنسي آنذاك في الولايات المتحدة جيرار أرو أرسل خطاباً ساخطاً أشار فيه إلي أن "فرنسا عكس الولايات المتحدة الأمريكية، لا تشير إلى مواطنيها على أساس عرقهم، الدين أو الأصل ".

في السياق، يقول عالم الاجتماع جوليان تالبين، وهو مؤلف كتاب "إسكات الضواحي" الذي يتتبع كيف أن قامت الدولة بقمع التعبئة من هذه المناطق على مر السنين: "لقد ميزت الدولة الفرنسية دائماً بين مختلف السكان، خاصة البيض وغير البيض".

كان أردوغان الذي يُعرف بأنه على علاقة وثيقة بمالكي نادي "إسطنبول باشاك شهير" أول المعلقين على الأزمة التي حصلت مع "باريس سان جيرمان"... وتأتي تصريحاته الحادة إزاء فرنسا بينما يناقش زعماء الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على شركات تركية

وبسبب السياسة الرسمية لـ"عمى الألوان" التي تعني إنكار الدولة للعنصرية، لا توجد بيانات رسمية حول التوزع العرقي للمجرمين، أو عدد الأشخاص الملونين الذين تم إيقافهم وفحصهم من قبل الشرطة. ولا يوجد حتى رقم رسمي لعدد المسلمين الذين يعيشون في فرنسا، وهي فجوة يقول البعض إنها تسمح للجماعات اليمينية المتطرفة بنشر مخاوف من "تزايد" النسبة المئوية للسكان المسلمين.

"رسائل بالغة التأثير"

حظي الحادث بين الناديين الفرنسي والتركي بمتابعة واسعة بين المغردين العرب، وكتب الصحافي الرياضي المصري حسن مستكاوي في تغريدة على تويتر: "تحيا الإنسانية وتحيا كرة القدم وهذه التحية كما شاهد الجميع سببها أن لاعبي باريس سان جيرمان وباشاك شهير غادروا الملعب معاً ورفضوا استكمال المباراة".

وقال الأردني خالد سلايمة في تغريدة على تويتر: "مقاطعة لاعبي نادي باشاك شهير مباراة فريقهم ضد باريس سان جيرمان بسبب إساءة عنصرية من الحكم الرابع أحدثت دوي كبير في العالم. المقاطعة سلاح مهم جداً وقادر على إيصال رسائل بالغة التأثير".

ومن لندن غرد أسامة رشدي، قائلاً: "ماحدث في مباراة فريق باشاك شهير و باريس سان جيرمان هو درس مهم بأنه لا مكان للعنصرية في الرياضة ونتمنى أن يكون ذلك مقدمة لإنهاء كل أشكال التمييز العنصري".

بموازاة ذلك، لاحظ مدونون خلال أزمة الفريقين التركي والفرنسي تغريدة نشرها حساب وكالة "فرانس برس بالعربية" وصفوها بالعنصرية، إذ كتبت الوكالة في خبر عاجل على حسابها الرسمي: "بايدن يؤكد تسمية الجنرال الأسود لويد أوستن لتولي وزارة الدفاع".

وعلق المغربي هشام على التغريدة قائلاً: "هذا يسمى عنصرية. قبل قليل توقفت مباراة باريس سان جيرمان و باشاك شهير بسبب هذه الكلمة".

وكتبت الصحافية السورية غالية قباني: "معيب هذا التوصيف: أسود. يقال من أصول أفريقية"، بينما غرد مؤيد هاشم، قائلاً: "كاتب التويتة عنصري ممكن كان تكتفي بعبارة أول وزير دفاع من أصول أفريقية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard