إرهابيون ومقاومون ومكتشفون مروا من هنا... جولة في جبال ومغارات جرجرة الجزائرية

الأحد 13 ديسمبر 202005:01 م

بادلتني صديقتي بنظرات خوف وقلق زادت من سمرة بشرتها، كانت تتحاور مع نفسها، تلتفت يميناً وشمالاً، وكأنها تلوم نفسها وتعاتبها بشأن السبب الذي قادها إلى هُنا رُغم أنها كانت أكثرنا حماسة لاكتشاف جبال جرجرة (ثالثة أعلى سلسلة جبلية في الجزائر).

كُلما كُنَا نمضى قُدماً وسط الكُتلة الجبلية الكبيرة والغابات، تفاقم الخوف شيئاً فشيئاً بداخلها، وصارت الدُموع في عينيها كاللؤلؤ تلمع، بينما كان باقي الأصدقاء يستمتعون بالاستماع لأغاني حكيم الغناء الأمازيغي "لونيس آيت منقلات".

أمّا أنا فكنت أحاول أن أظهر طبيعية حتى تشعرُ صديقتي بالراحة والطمأنينة، لكن في داخلي كُنتُ أدعو من أجل العودة بسلام إلى حضن أمي لأروي لها حجم الذعر، الذي كان يتملكني، والدوار الذي كان ينتابني.

وديان، وتلالُ، وجبال مُتلاصقة غالبيتها تكسوها الثُلوج البيضاء، التي غطت خشونتها، وصلابة أحجارها، والأشجار التي نظفتها مياه الأمطار، وصارت تسطع كآشعة الشمس الصفراء.

كنت أحاول أن أظهر طبيعية حتى تشعرُ صديقتي بالراحة، لكن في داخلي كُنتُ أدعو من أجل العودة بسلام إلى حضن أمي لأروي لها حجم الذعر، الذي كان يتملكني

انقضت ساعة كاملة من الزمن، الحافلة تسير، ونقطة الوصول إلى منطقة "أسول" (شمال شرقي تيكجدة) بقلب جبال جرجرة، الشامخة ما زالت بعيدة، بقينا نسير وسط القمم التي تتجدد، فلا شيء أمامنا سوى الجبال بذراها العالية. حقيقة كُنا في عالم آخر غير عالم المدنية الذي ألفناه، فالهواء جد بارد إلى درجة أن البخار كان يخرج من أفواهنا وأنوفنا عند التنفس، والشمس تلفح البشرة بين الحين والآخر، شعور رائع كان يتملكنا خاصة عندما كنا نرتفع إلى قمة الجبل ثم ننخفض لننتقل إلى آخر، المشهد داخل الحافلة كان عبارة عن فرح مجنون يمتزج فيه الضحك بالبكاء.

الماغو يصنع الفرجة

ولعل أبرز شيء خطف أنظارنا ونحن في الطريق، قطعان من القردة النادرة والمدهشة، التي تغادر محيطها الطبيعي في الغابة نحو الطريق العام لتتسول موزاً وخبزاً، وحلويات، فالكثير منها يصنع الفرجة وجواً من المتعة أو الضحك وحتى الخوف لدى الأطفال الصغار.

تشتهر هذه المنطقة بحسب ما أبلغنا به عبد القادر، أحد الموظفين في حظيرة جرجرة، بوجود قرد "المكاك البربري" أو "الماغو" الذي ينتشر بقوة هنا، ويعتبر من أفضل الأنواع المعروفة، يتميز بلونه البني المائل للاصفرار، أما لون وجهه فهو وردي داكن، وقد أقرت السلطات الجزائرية عدة إجراءات لحمايته من خطر الانقراض، إذ وضعت إشارات في الأماكن التي ينتشر فيها، تشير إحداها إلى تجنب إعطائه الأطعمة بمختلف أنواعها التي قد تُؤدي إلى وفاته، كذلك منعت امتلاكه لغرض التربية، كما استحدثت عدة محميات طبيعية في الأماكن التي تنتشر فيها القردة، ومن أشهرها الحظيرة الوطنية "تازة" بمحافظة جيجل وحظيرة جرجرة.

قرد الماغو البربري في ساحل الكورنيش الجيجلي -Macaca Sylvanus . Macaque Berbére sur la corniche jijlienne .

يعيش قرد...

Posted by ‎بلادي الجزائر نحبها ونحب اللي يحبها‎ on Sunday, 26 February 2017

تركنا قردة "الماغو" تصنع الفرجة، وترحب بضيوفها بطريقتها الخاصة، وقبل وصولنا إلى منطقة "أسول" عرجنا على منطقة "تيكجدة"، التي تقع في حضن جبال الأطلسي أشهر مناطق الجزائر السياحية حيث مناظر الطبيعة الخلابة، تستقطب سنويًا شريحة واسعة من السياح من مختلف دول العالم لممارسة القفز بالمظلات والتزحلق على الثلوج في مسلك "اعكوكر" المرتفع نحو 2000 متر عن سطح البحر.

قبل أن ندخل إلى المنطقة التي اختبأ فيها المقاومون للاحتلال الفرنسي في الخمسينيّات، والجماعات الإرهابية في الأحداث العشرية، استقبلتنا قطعان من القرود المدهشة، والنادرة، تتسوّل الموز والحلوى

ولا يمنع التساقط الكثيف للثلوج والذي يسد مختلف الطرق المؤدية إلى هذه المنطقة، هُواة التزحلق من الوصول إلى المكان، ولعل أهم شيء يجذب أنظار السياح أشجار الأرز المغروسة في كنف الطبيعة وخرير مياه ينابيعها المتدفقة من أعالي قمم جبال جرجرة، التي ظلت صامدة، وحافظت على مشاهدها الطبيعية النادرة التي عجز الرسامون الكبار عن استنساخها في لوحاتهم، رغم أنها كانت مهدًا للثورة التحريرية الجزائرية لاسترجاع السيادة الوطنية، حيث تُصادفك قُبور في المكان المُسمى "إنفيق إفاك" تعُود لمُقاومين دافعوا عن المنطقة خلال الثورات الشعبية ضد المستعمر الفرنسي بين 1850 و 1962، والأحداث التي شهدت المنطقة في العشرية السوداء، آخرها حادثة اختطاف الفرنسي هيرفي غوردال عام 2014 من قبل ما يُعرف بالتنظيم المُتطرف "جندُ الخلافة"، وهو ما شكل خلال تلك الفترة نكسة سياحية للمنطقة.

قرى معلقة

وتُعتبر منطقة تيكجدة الجزائرية، التي تقع على ارتفاع 1700 متر على مستوى سطح البحر بمنطقة القبائل، قبلة أيضاً للمُختصين في المجال الجيولوجي للتعرف على خصائصها وغطائها النباتي والحيواني، حيث أنشأت كحظيرة وطنية بقرار رسمي في سنة 1925 وفي سنة 1992، صنفتها منظمة اليونسكو ضمن التراث العالمي، وصنفت كمحمية طبيعية عالمية بالنظر إلى النباتات والطيور والحيوانات النادرة المهددة بالانقراض على الكرة الأرضية.

واصلنا رحلتنا إلى منطقة "أسول" حيث قمة "لالة خديجة" التي سمعت عنها الكثير، فهي أعلى قمة في الأطلس التلي: 2308 م، وتمثل أحد أهم الأماكن التي تستقطب هُواة تسلق الجبال، والمغامرة، والمُصورين، فالمنظر من هناك يسلب العقول والقلوب معاً، إذ ترى قمماً شامخة تختفي بين الحين والآخر في بحر السحب والضباب، وقرى مغروسة على قمم الجبال وتعانق السحاب لا تزال مُحافظة على طابعها المعماري الأمازيغي الأصيل، حيث الأزقة والممرات الضيقة، وأشجار الزيتون التي تحيط بها.

رأينا أماكن جذابة لم تمتد يد الإنسان لها منذ آلاف السنين، وقطيعاً من البقر التي تعيش في البر حتى أن الأصدقاء الذين كانوا يُرافقوننا راحوا يقولون تلقائياً: "هنا جبال الألب الدينارية، هنا أورتلر وجبل مونك وقمة ميدي"، وهو الموقف الذي يتقاسمه أغلب السياح المحليين في المنطقة.

يحكي وليد، شاب في العقد الثالث من عمره، لرصيف22 أنه قضى أسبوعاً ممتعاً رفقة عائلته الصغيرة، خاصة أن زيارته للمنطقة تزامنت مع التساقط الكثيف للثلوج، والانخفاض الكبير في درجة الحرارة حتى خُيَل له وكأنه في جبال الألب الحاجز الجبلي الذي يقسم القارة الأوروبية أو في سيبيريا.

ويُؤكد وليد أن هذه المنطقة في فصل الشتاء تتحول إلى قبلة للسياح من مختلف أنحاء العالم، خاصة هواة التزحلق على الثلوج الذين يأتونها من أوروبا، وأيضاً هواة تسلق الجبال.

مغارة اسول بجرجرة

Posted by Adherrar Loudha on Sunday, 21 January 2018

جمال آخر كان في انتظارنا في مغارة "أسول" التي يقول بخصوصها أهل المنطقة إن من لم تطأ قدماه هذا المكان لم يحقق شيئًا من زيارته لهذه الوجهة، ويقول في هذا السياق محمد، شاب جزائري في العقد الرابع من عمره، صادفناه رفقة مجموعة من الرجال كانوا يستعدون للصعود إلى الجبال والمرتفعات لنثر الحبوب والقمح حتى تجد الطيور ما تأكله، وهي عادة أمازيغية متوراثة: "انثروا القمح فوق رؤوس الجبال حتى لا يُقال جاع طير في بلاد المسلمين". ويضيف: "إن هذه المنطقة تُصنف في خانة أجمل المناطق الطبيعية التي لم تطلها أيدي البشر وتعتبر قبلة للسياح الأجانب والمحللين وهواة التزحلق واللعب على الثلج، ففي نهاية كل أسبوع تستقبل المنطقة قوافل من الزوار الذين يقطعون عهدًا بالمواظبة على الزيارة كلما أتيحت لهم الفرصة، خاصة أن المنطقة تصنف في خانة المناطق العلاجية التي ينصح بها الأطباء كثيرًا لمعالجة بعض الأمراض النفسية وحتى الضغط الدموي وغيرها".

ومغارة أسول العميقة يصل عمقها إلى 1007 أمتار، وهي أعمق هوة في أفريقيا، وتسمح هذه المغارة للمختصين بالقيام برحلة إلى أعماق الأرض لاكتشاف أسرار وعجائب عن باطنها، وبالقرب منها مغارة أخرى يزيد انخفاضها عن 230 متراً، وبحسب ما يرويه أهل المنطقة فهي عبارة عن مغارات عمودية تخزن كميات من الثلوج التي هطلت في كانون الثاني\يناير وشباط\فبراير، ودرجة حرارتها ثابتة على مدار العام، وسط صواعد صخرية كلسية عجيبة تزيد المكان مهابة.

وتُضاف مغارة "أسول" إلى قائمة المغارات العجيبة التي تزخر بها الجزائر، على غرار مغارة "بني عاد" وهي مغارة طبيعية بمنطقة "عين فزة" في محافظة تلمسان غرب الجزائر، ومغارة "أوقاس" أو "مغارة القرش الأبيض" التي تقع بين محافظتي بجاية وجيجل، ومغارة "الكهوف العجيبة" بمنطقة "الزيامة المنصورية" في محافظة جيجل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard