مجتمع يحتاج لعود ثقاب

الأربعاء 9 ديسمبر 202003:24 م

في كتابه الجديد "نكبة نصارى الشام" يُضيئ الكاتب السوري سامي مبيض فترة تاريخية مهمة من تاريخ مدينة دمشق، فترة كانت فيها المدينة وقواها الاجتماعية تقف على صفيح ساخن، فترة التغييرات الكبرى التي كان يسعى إليها المجتمع الدمشقي، فترة ابتدأت عام 1721 بثورة أهل الشام على الوالي، وكان من نتائجها المهمة دخول آل العظم الى دمشق، وحكمهم لها لمدة تقارب التسعين سنة، وانتهت عام 1860 بمجزرة، سماها الدكتور مبيض "نكبة النصارى"، وسماها العامة "طوشة النصارى"، والحقيقة هي مجزرة كاملة الأوصاف .

وفي نهاية الكتاب يطرح سؤالاً مهماً يختصر فيه القضية السورية ويسأل فيه: هل كانت هذه المجزرة مؤامرة دولية لبست ثوب الفتنة الداخلية بين مسلمين ومسيحيين، أم أنها فتنة داخلية عمرها قرون، طبقت عليها المؤامرة واستغلها المجتمع الدولي بنجاح؟

في كتابه الجديد "نكبة نصارى الشام"، يطرح مبيض سؤالاً مهماً يختصر فيه القضية السورية فيسأل: هل كانت مجزرة 1860 مؤامرة دولية لبست ثوب الفتنة الداخلية بين مسلمين ومسيحيين، أم أنها فتنة داخلية عمرها قرون، طبقت عليها المؤامرة واستغلها المجتمع الدولي بنجاح؟

لاشك أن النخب الدمشقية، وفيما بعد النخب السورية، لم تسأل نفسها هذا السؤال الذي هو صميم المشكلة السورية، والتي بدأت منذ أن أصبحت دمشق المدينة العامرة بتجارتها وثقافتها في موقع حسد الممالك المحيطة، فكان أول حرق لها على يد الآشوريين عندما احتلوها عام 720 قبل الميلاد، وتتالت الاحتلالات لها وحرائقها ولم تنته بعد. كان الخوف دائماً من سكانها الشوام، فقد كانوا دائماً صُنّاع ثقافة وتجارة، وبسبب هاتين الصناعتين كانت أبوابها مفتوحة دائماً لكل الثقافات والأجناس، وهذا ما جعلها خليطاً عجيباً من الناس، استطاعت أن "تدمشقهم"، ولكن دمشق كانت دائماً في واد ونُخبها الحاكمة في واد آخر.

منذ عام 720 قبل الميلاد، عقد الدمشقيون اتفاقاً غير مكتوب مع الآشوريين، الحكام الجدد، ملخصه: الحكم لكم والتجارة لنا، ومنذ تلك اللحظة تكوّن حلف قوامه: الحاكم بعسكره، رجال الدين بفتاواهم ونخبة التجار بأموالهم. وكان هذا الثالوث هو المحرك الأساسي لكل أحداث دمشق، بحلوها ومرّها، ومازال. ولا تهتز دمشق أو سوريا إلا إذا اضطرب هذا التحالف بسبب طغيان طرف على آخر، أو بسبب التنافس ضمن الفريق الواحد على المركز الأول ضمن فريقه. والتاريخ مليء بالحوادث التي رسمت أو أثّرت على المجتمع الدمشقي والمجتمع السوري، وخلقت مبررات التفكك والتشظي، وخاصة عندما جمع اتفاق سايكس/بيكو السوريين في دولة واحدة، فكان هذا الاتفاق وكأنه تجميع للمشاكل وضمها في بوتقة واحدة.

فتوى ابن تيمية

أول هذه المشاكل هي فتوى ابن تيمية في العلويين وتكفيرهم، لتغطية الحكام المماليك في شروعهم لطرد العلويين من جبال كسروان، تحت حجة أنهم تعاونوا مع تيمورلنك، مع العلم أن تيمورلنك هو مسلم سنّي وكذلك هم المماليك، والطرفان غريبان وينتميان الى أتراك جنوب القوقاز. فأي فارق بينهما حتى يقف ابن تيمية هذا الموقف، بل إن ابن تيمية رافق حملتين من أصل الحملات الثلاث على كسروان، والتي موّلها تجار دمشق، والسبب الحقيقي للحملات كان توطيد حكم المماليك والسيطرة على العلويين والموارنة والدروز، فماذا كانت النتيجة؟ لقد تركوا لنا إرثاً لم نستطع التخلص منه.
التاريخ مليء بالحوادث التي رسمت أو أثّرت على المجتمع الدمشقي والمجتمع السوري، وخلقت مبررات التفكك والتشظي... من المشاكل فتوى ابن تيمية في العلويين وتكفيرهم، لتغطية الحكام المماليك في شروعهم لطرد العلويين من جبال كسروان

انشقاق في الكنيسة وبداية التبشير

والحادثة الثانية وهي ذات مغزى ودامت حوادثها مائة سنة تقريباً، ابتدأت فعلياً في عام 1720، هي الانشقاق في الكنيسة وبداية التبشير الكاثوليكي والبروتستانتي في المنطقة، الذي نجم عنه صراع شرس بين الأرثوذوكس من طرف، والكاثوليك والبروتستانت من طرف آخر. صراع وصل إلى حد وقوف بعض الأرثوذوكس مع الدروز في حربهم مع الموارنة عام 1840، وكان الشهيد يوسف حداد هو الذي ذهب الى راشيا وحاصبيا لإعادة من خرج منهم عن الملة إلى السراط المستقيم، وأصبحت كل طائفة منهم تحتمي بدولة تدين بمذهبها. وهذا ينطبق على كل المذاهب والأديان، وعلى رأسهم المسلمون السنّة، الذين فتحوا أبواب دمشق لكل غاز لها، غريب عنها، طالما هو مسلم سنّي.

لائحة المتوكّل

والقضية الثالثة هي ما ورثناه عن الخليفة المتوكل من لائحته التي كتبها وأمر بتنفيذها على أهل الذمة من النصارى واليهود، وأصبحت هذه الوثيقة أداة بيد الحاكم، يتلاعب بها حسب مصالحه ومصالح رجال الدين والتجار. هذا بالإضافة الى ما يشعر به السنّة من تماه وتفاخر بالأمويين، مقابل كل المذاهب التي نشأت من رحم العباسيين، باعتبار أن الأمويين من صنعوا من دمشق حاضرة العالم آنذاك، بما يعنيه ذلك من توسيع لتجارتهم.

المسيحيون كبش فداء

إن كل مفاعيل هذه المورثات الدينية والمذهبية وتضارب المصالح التجارية تجمعت وانفجرت ليكون فيها المسيحيون كبش الفداء. وكان أول من نفخ الجمر هو محمد علي باشا، بمحاولته الجريئة لإعادة هندسة المجتمع، وقد افتتح طريقاً أصبح من الصعب العودة عنه، وزعزعت نتائجه أركان التحالف الثلاثي، فالحاكم بدأت سلطته بالاهتزاز والترنح، وهذا ما انعكس على مصالح التجار الذين تضرروا من إصلاحاته المالية والديون المتراكمة والتعهدات الكبرى التي فاز بها الأجانب، وخاصة الفرنسيين والإنكليز، بما يعنيه ذلك من هيمنة التجار المسيحيين، وخاصة الكاثوليك منهم، على عالم المال.

وتضرر رجال الدين أيضاً من إصلاحاته الاجتماعية التي ساوت بين المواطنين، وكف يدهم عن المحاكم المدنية والتجارية، فلن يكون الناس بعدها بحاجة لفتاويهم، وبالتالي فقدوا دورهم في تخويف الناس من بعضهم، وإنهم حماتهم، بالإضافة الى الإصلاحات العسكرية التي أخرجت الإنكشارية من الساحة، وفقد آغواتها سلطتهم، أما التجار السنّة فقد أحسّوا أنهم سيخرجون من السوق لصالح التجار المسيحيين إذا دامت هذه الحال، فكانت المجزرة .

إن كل مفاعيل هذه المورثات الدينية والمذهبية وتضارب المصالح التجارية تجمعت وانفجرت ليكون فيها المسيحيون كبش الفداء

لقد كان ظلم وجبروت وتواطؤ هذا الثالوث هو الذي يصنع تاريخ سوريا، خاصة وأن هذا الثالوث قد نجح في اقتسام الناس فيما بينهم بربطهم بمصالحهم، وأصبح الناس إما عساكر أو مريدين أو تجاراً صغاراً، وكان همهم الأول منع صعود فئة جديدة تغرد خارج سربهم، ولذلك كان المجتمع الشامي دائماً مجتمعاً قلقاً متناحراً، أحياناً بصمت وأحياناً بضجيج يملأ المنطقة، والخاسر الدائم هو الطرف الأضعف.
هل تعلمنا؟ بكل أسف لا. فلطالما بقي هذا الثالوث يبيعنا ويشترينا فلن نخرج من هذه الدوامة، وستبقى سوريا قضية ومشكلة يتدخل فيها من هب ودب. والدليل ما يحصل الآن، وما سيحصل بعد سنوات.

هل هي مؤامرة؟ نعم هي مؤامرة، هي مؤامرة السوريين على السوريين، ولا أدري إذا كان هذا الجواب هو ما يريد أن يعرفه الدكتور مبيض".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard