لا فرق بين الموتى... فلا عقاب يتنظر الطالح ولا ثواب ينتظر الصالح

الأربعاء 9 ديسمبر 202003:33 م

رفض الإنسان حقيقة كون الموت نهايةً للحياة، وعبّر منذ العصور الحجرية عن هذا الرفض، من خلال طريقة الدفن ضمن الكهف أو تحت أساس البيت الذي تحيا به الجماعة ذاتها، بالإضافة إلى وضعيات الدفن والمواد المرافقة للميت، من زينة وقدور طعام وأدوات حجرية كأنه ذاهب إلى عالم آخر.

الحياة وحدها هي مكان الثواب والعقاب

يحدثنا جوردون تشايلد في كتابه "ماذا حدث في التاريخ" أن النظرة لاستمرار الحياة بعد الموت، وصلت في نهاية العصر الحجري الحديث في أوروبا إلى وضع الأسلحة من فؤوس حجرية وخناجر صوانية مع الميت، فهو ذاهب إلى مخاطر جديدة. رافقت الأدوات الموتى في مشرقنا العربي، وكان الكلب الحيوان الأول المدجن والمرافق للميت، وظهرت المقابر الجماعية بجانب القرى الأولى، كما أن قطع الرأس وتحنيطه ليبقى ماثلاً بين الأحياء المشتاقين للغائب كان نوعاً من إجلال الأجداد.

إنّ النظرة لاستمرار الحياة بعد الموت، وصلت في نهاية العصر الحجري الحديث في أوروبا إلى وضع الأسلحة من فؤوس حجرية وخناجر صوانية مع الميت، لأنه ذاهب إلى مخاطر جديدة

كانت بداية الكتابة نقلة مهمة في رسم صورة الموت في نفس الإنسان الذي دوّن عقيدته فكراً ومشاعراً، وأترك للقارئ اللبيب مقارنتها بثقافتنا المعاصرة لما بعد الموت.

الموت في اللغة المسمارية

 يسرد لنا العلاّمة نائل حنون في كتابه "الحياة والموت" المصطلحات المتعلقة بالموت في السومرية والأكادية. فنجد في الأكادية: الفعل مات يقابله "ماتُ" والذي اشتق منه الاسم "موتُ" أي الموت والصفة "ميتُ" بمعنى ميت. يرادف هذه الكلمات في السومرية "أوش" وقد تلفظ أيضاً "أوك"، ولهذه العلامة أيضاً لفظة مود التي يرادفها في الأكادية "دامُ" المضاهية للدم في العربية.

توجد في السومرية كلمة "نام" وتعني المصير أو المنية، ويرادفها في الأكادية شيمةُ، والشكل الصوري الأول لهذه الكلمة هو رسم الغراب، فلا يستغرب التشاؤم المرافق لحضور الغراب في الثقافة العربية. ويلحق الفعل السومري "تار" الذي يعني قطع بالكلمة "نام" فتكون "نمتار"، أي قطع المصي،ر وهو رسول آلهة العالم السفلي "ايرش – كيجال" فهو ملاك الموت وخاطف الروح. ومع اسم "نام" تلحق كلمات سومرية مثل اوش "نام – اوش" أي الوباء ويرادفه في الأكادية "موتانُ" بصيغة التثنية.

نظر أجدادنا إلى الموت كوقت مقرر على المصير "شيمة" ولكنه قد يأتي أحياناً قبل أوان المصير أيضاً، لذلك استعمل في الأكادية التعبير أنَ "شيمةِ ألكُ" أي مات ميتة طبيعية، بعد شيخوخة، وحرفياً ذهب إلى المنية، وتعبير "اوم لا شيمةِ" بمعنى اليوم غير المحتوم، كأن يموت صغير في السن.

تنبّه أجدادنا أن التنفس هو سمة استمرار الحياة، وانقطاعه يعني مغادرة الروح للجسد، لذا كانت الكلمة الأكادية "نبشةُ" التي تعني الحياة وحرفياً نَفَس، ويقابلها نَفَس في العربي وكانت تعني الحنجرة أيضاً، بينما يرادف كلمة "نبشةُ" الحياة، في السومرية كلمة "زِ" التي تدل على هبوب الرياح، وكانت تمثل في المرحلة التصويرية، برسم قصبة مع خطوط عمودية إلى جانبها رمزاً للحركة مع الرياح.

آلهة وأرض اللاعودة

نملك في لغاتنا اليوم الكثير من التسميات لعالم ما بعد الموت وبعضها موروث منذ ذلك الوقت، فقد أطلق أجدادنا الأوائل تسميات على العالم السفلي منها: الأرض العظيمة، الحفرة، الأرض السفلية، الأرض الفسيحة، أرض اللاعودة، الأرض الحصينة، أرض النحيب، الجبل، بيت الحلكة، بيت تموز (هي تسمية تؤكد حقيقة عدم عودته الطقسية المفترضة عند المؤرخين) بيت المأسر.

يحكم العالم السفلي إلهان رئيسيان وهما: نرجال ويعني اسمه بالسومرية قوة العالم السفلي أو قوة المدينة العظيمة حرفياً، وزوجته ايرش كيجال الذي يعني اسمها بالسومرية ملكة الأرض العظيمة. شاركته زوجته معبده المسمى اي. ميس. لام (حرفيا بيت شجرة الميسو اليانعة) في مدينة كوثى.

خصص لنرجال في ديانة الرافدين القديمة الشهر التاسع من السنة البابلية، وهو شهر "كِسِلمُ" وهو يعادل في تقويمنا الحالي ما بين شهري تشرين الثاني وكانون الأول، حيث ترفع المشاعل في الليل في البيوت وأزقتها، وفي اليوم الأول يتم سكب الماء ونثر التمر في الهواء، وفي اليومين السادس والخامس عشر يسكب الماء للإلهان.

آلهة ثانوية وشخصيات إنسانية وأدوارها في العالم السفلي

 يساعد الإلهان مجموعة من الآلهة والشخصيات التاريخية في العالم السفلي منهم: بيلية صيري (بالأكادية سيدة الصحراء) كاتبة العالم السفلي، وهي أخت تموز جشتن – أنا. خمط – تبال وهو ملاح العالم السفلي، واسمه أكدي يعني احمل بسرعة، وهو ينقل الموتى عبر نهر خُبُر. ننجشزيدا باللغة السومرية يعني سيد الشجرة الطيبة، واعتبر زوجاً لأخت تموز جشتن – أنا. تموز باعتباره من آلهة العالم السفلي، وبحسب نص بابلي، كان مكلفاً بحراسة شجرة كسكانو اللازوردية التي تغور جذورها في العالم السفلي.

من الشخصيات التاريخية في ذلك العالم: جلجامش الذي أصبح بعد موته مرشداً وشفيعاً للموتى في العالم السفلي، يرشدهم إلى مكان إقامتهم ويشرح لهم قواعد ذلك العالم. أنيطت بالملك "اور نمو" الذي قتل في إحدى المعارك مسؤولية الجند الذين قتلوا في المعارك.

بشر خالدون والشك بعدالة الموت

كان الموت على أجدادنا مقرراً بدون الكشف عن موعده. يخاطب بطل الطوفان اوتا نبشة، الحاصل على الخلود بشكل استثنائي من الآلهة، إذ يقول:

آلهة انوناكي، الآلهة العظام، اجتمعوا

ماميتو (أحد ألقاب اريش كيجال) محددة المصير، تثبت المصائر معهم:

أقاموا الموت والحياة

لكنهم لم يكشفوا عن يوم الموت.

مُنح الخلود في أدب المشرق العربي القديم لثلاثة أشخاص وبشكل استثنائي، وهم أبطال أسطورة الطوفان الشهيرة، البطل السومري زيوسدرا، الذي يعني اسمه الحياة لأيام طويلة، والبطل الأكادي اوتا – نبشة، الذي يعني اسمه واجد الحياة، والبطل الآشوري اترا – حاسيس، أي المترع بالأحاسيس أو المتناهي في الحكمة. ويقول النص السومري على لسان زيوسدرا في كيفية منحه الخلود:

آنو وانليل اثنيا على زيوسدرا

وحياة مثل إله أحلّا به

نفساً خالداً مثل إله أحلّا به.

يصل الحوار بين المتشكك والمؤمن إلى درجة تمادي المتشكك ويقول: "لن أنصاع لأوامر الآلهة، وسوف أدوس بقدمي على شعائرها...سأهرب إلى أماكن بعيدة جداً وأشحذ من بيت إلى بيت"

يوجد في الأدب البابلي حوار بين صديقين حول مسألة العدل الإلهي، ولا تخلو في جوانبها من نبرة التشكيك والتجديف بعدالة قدر الموت، يمثّل أحدهما شخصاً معذباً وشكاكاً وصديقه المؤمن. يسرده الدكتور طه باقر في كتابه "مقدمة في أدب العراق القديم":

المعذّب: أين الناصح الذي أشكو إليه ما أقاسيه من عذاب. أراني قد انتهى أمري وتسلط عليّ الشقاء. فحين كنت طفلاً اختطف القدر أبي وذهبت أمي إلى أرض اللاعودة.

الصديق: أراك يا صديقي الحبيب قد وجهت فكرك إلى الشر والبؤس. إن الموت قدر على آبائنا وعلينا، كما قيل منذ القديم "يعبر الجميع نهر خبر"، وإن من استجار بإلهه وجد الحماية والطمأنينة.

المعذب: فكرك يا صديقي منبع لا يدرك عمقه... فقدت النعيم والخير وأظلم وجهي من كثرة بكائي، فكيف سأنال السعادة؟

الصديق: يجازي الآلهة الأتقياء الصالحين في نهاية المطاف...

يصل الحوار بين المتشكك والمؤمن إلى درجة تمادي المتشكك ويقول: "لن أنصاع لأوامر الآلهة، وسوف أدوس بقدمي على شعائرها... سأهرب إلى أماكن بعيدة جداً وأشحذ من بيت إلى بيت".

الحياة في العالم السفلي ومحتوياته

أطلقت اللغة السومرية كلمة "كِدِم" للدلالة على شبح الميت، وفي غياب الأصول الصورية القديمة لهذه الكلمة، ذهب بعض الباحثين إلى أن الكلمة مركبة من كلمتين سومريتين هما "كك" بمعنى الظلام و "دِم" بمعنى كائن أي كائن الظلام. وينبه نائل حنون إلى أن الكلمة السومرية "كِدِم" حين اقتبست في الأكادية حذف الحرف الصحيح الأول منها فأصبحت "اِدِم" ثم "اَدِم" وضخمت الدال إلى طاء مع إدخال حركة الإعراب الأكادية على الكلمة التي ظهرت في النصوص الأكادية بصيغة "اَطيمُّ" لتعني روح أو شبح الميت.

تحيا أرواح الموتى في ذلك العالم حياة غير سعيدة. في كتاب "أدب الرثاء في بلاد الرافدين" لحكمت الأسود، يصف الملك أورنمو ذلك العالم بقوله: "مر هو طعام العالم الأسفل، مج هو ماء العالم الأسفل"، ولذلك نقرأ ضرورة تقديم الطعام لتسكين أرواح الموتى. ويتحدث نص في كتاب الدكتور نائل حنون "الحياة والموت" عن الكتابة المسجلة على أحد أحجار تثبيت الملكية "في العلى عسى أن يطيب ذكره، وفي العالم السفلي عسى أن تشرب روحه الماء النقي"، لذا كان تقديم القرابين في أوقات محددة لراحة أرواح الموتى ضمن شعائر جنائزية واجب على الأحياء.

إنّ شياطين العالم السفليّ
 ليسوا ذكوراً ولا إناثاً  
إنهم الرياح الهابة المهلكة
ليس لهم زوجات ولا ذريات
لا يعرفون الشفقة ولا الرحمة

يحوي العالم السفلي الكثير من الآلهة الصغيرة، من شياطين العالم السفلي مسببي الأمراض المميتة، منهم "أخازُ" أي الآخذ، "رابيص" أي المتربص، "ليلُ" أي روح الليل وأنثاه "ليلةُ" او ليليث. يصف بشاعتهم أحد النصوص المسمارية

إنهم ليسوا ذكوراً ولا إناثاً  

إنهم الرياح الهابة المهلكة

ليس لهم زوجات ولا ذريات

لا يعرفون الشفقة ولا الرحمة


مفهوم الثواب والعقاب والعبرة من الحياة

الفكرة الأساسية التي تدور حولها معتقدات الموت في المشرق العربي أن لا فرق بين الموتى في العالم السفلي، فلا عقاب يتنظر الطالح أو ثواب ينتظر الصالح بعد الموت، فالحياة هي دار الثواب والعقاب. ويكاد يقترب هذا الطرح من مفهوم العدمية، حيث يورد جان بوتيرو في كتابه "بلاد الرافدين" نصاً بابلياً معروفاً باسم حوار المتشائم، بين سيد يتنقل بين الطلب ونقيضه وعبده يجاريه في تأكيد أحقية الطلب وثم أحقية نقضه:

الفكرة الأساسية التي تدور حولها معتقدات الموت في المشرق العربي أن لا فرق بين الموتى في العالم السفلي، فلا عقاب يتنظر الطالح أو ثواب ينتظر الصالح بعد الموت

السيد: إذن كلا أيها العبد، لا أريد ان أحسن إلى بلادي.

العبد: لا تحسن سيدي لا تحسن! بل اذهب وتنزه فوق تلال الماضي وانظر جماجم الفقراء والنبلاء المختلطة: من كان مسيئاً؟ من كان محسناً؟

كان الثواب والعقاب مؤملاً في حياة الإنسان، وطول العمر هو خير ما يرجى للصالحين ونقصانه للطالحين.

إن خير النصوص لفهم اجتهادات أجدادنا لربط سلوك الموتى بأفعالهم أثناء الحياة، لردم الفجوة التي تجعل من تشاؤم الأحياء مصدراً للشر، ترد في نص لقاء انكيدو وجلجامش، قام بترجمته الدكتور نائل حنون في كتابه "ملحمة جلجامش ترجمة النص المسماري":

"أوقع جلجامش طبله في ثقب على سطح الأرض فوصل إلى العالم السفلي، أثار حزن جلجامش على لعبته صديقه انكيدو الذي ذهب ليرجعه ولكنه لم يعد. يتوجه جلجامش إلى الإله انليل ليطلب المساعدة من أجل عودة انكيدو فيرفض، ويرفض إله القمر سين، بينما يقبل انكي إله الأرض التدخل عند نرجال ويحدث ثقب في الأرض ليسمح لروح انكيدو بالعودة ويلتقي الصديقان، ويدور بينهما حوار عن مشاهدات انكيدو في العالم السفلي. حيث تظهر قيمة الحوار في كل سؤال وجواب كتبهم أجدادنا لدفع الأحياء لعدم التشاؤم واليأس لواقع العالم السفلي المحزن.

يسأل جلجامش عن واقع الذي له ابن واحد؟ يرد انكيدو: كالوتد المعلق على الجدار يبكي بحرقة. ومن له ابنان؟ يرد انكيدو: يجلس على آجرتين ويأكل الخبز. ومن له ثلاثة أبناء؟ يرد: يشرب الماء من قربة معلقة على مسند. ومن له أربعة أبناء؟ مثل رجل عنده حماران وهو مبتهج القلب. ومن له خمسة أبناء؟ مثل كاتب خفيف اليد. ومن له ستة أبناء؟ مثل حارث مبتهج القلب. ومن له سبعة أبناء؟ يجلس وسط الآلهة الصغرى ويستمع إلى الوقائع. ومن لا وريث له؟ يأكل خبزاً كآجر المحروق. المرأة التي لم تلد؟ مثل قدر معاب ملقى جانباً، ولا أحد مستمتع بها. الشاب الذي لم يعرف حضن زوجته؟ أكمل عمل حبل في يده وهو يبكي بحرقة. والمرأة التي لم تعرف حضن زوجها؟ تجدها قد أكملت عمل حصيرة بيدها وهي تبكي عليها".

يتضح من النص رغبة المؤلف في دفع المجتمع باتجاه التكاثر باعتباره مصدر الفرح في حياة الإنسان، ما يرتبط بالتكاثر من نفع اقتصادي واجتماعي.

"هل رأيت المصاب بالجرب؟ يرتعش مثل الثور والديدان تأكله. هل رأيت من أكله الأسد؟ يصرخ بحرقة يا ذراعي ورجلي. ومن سقط على السطح؟ لا يستطيعون إصلاح عظام هو يرتعش مثل ثور والديدان تأكله. من أغرقه الإله أدد في الفيضان؟ يرتعش مثل الثور والديان تأكله". يتضح من هذا القسم الدفع من أجل الحرص على سلامة النفس وصحة ونظافة الجسد.

"هل رأيت من لم يحترم كلمة أمه وأبيه؟ يشرب من الماء الموزون بمعيار ولا يحصل على ما يكفيه. من لعنه أبوه وأمه؟ محروم من الوريث وشبحه مهتاج. من مات موتاً مبكراً؟ مضجعاً في سرير المساء يشرب ماء نقياً". تظهر النظرة أخلاقية، وخاصة التعاطف مع الموتى الصغار في السن بجميل الصورة ومخيفها لواقع الابن العاق.

"ماذا عن القتيل في المعركة؟"، يتجسد هنا خطر الإجابة الحاسمة، ويكون إبداع الكاتب في الشرق الأدنى. الكاتب لا يريد للجواب أن يكون سبباً للتهور في الحرب فتكون الهزيمة، ولا يريد إجابة تدفع المقاتل إلى الهروب من أداء واجبه فتكون الهزيمة. يرد انكيدو: "أبوه وأمه يسندان رأسه وزوجته تبكي عليه". إذن هو وصف الواقع لوصول جسد المقاتل إلى أحبابه وتجنباً لحقيقة أن الحياة هي مكان الثواب والعقاب فقط.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard