السيّدة المنّوبيّة... كسرت القيود الذكورية وأسست للنشاط النسوي في تونس قبل 800 عام

الأحد 29 نوفمبر 202010:33 ص


لم تكن السيّدة عائشة المنّوبيّة امرأة عادية في تاريخ تونس، فقد ملأت الدنيا وشغلت الناس في حياتها، كما بقي اسمها راسخاً في التاريخ التونسي، باعتبارها إحدى السيّدات اللواتي اخترقن الفضاء العام الذي سيطر عليه الرجال واحتكروه.

عاشت السيّدة المنوبية هائمة عابدة عاشقة لخالقها، تبحث عن سمو ذاتها وصفاء إنسانيتها. تنقّلت بين خلوات الأولياء الصالحين ومغاراتهم، وبين أكواخ الفقراء والمساكين، تعينهم وتؤازرهم، وكانت ملجأ للمظلومين والمستضعفين، ترفع راية المرأة في تونس وتحمل قضاياها.

وُلدت السيدة المنوبية سنة 1204 ميلادية في إحدى القرى القريبة من تونس العاصمة، في جهة منوبة، في أوّل العهد الحفصي الذي اتّسم بتتالي الجوائح الطبيعية وتواتر المجاعات، وشهد بروز مدارس صوفية ستصبح في ما بعد الأهم في تاريخ تونس.

في تلك الظروف، نشأت السيدة المنوبية على فعل الخير وإعانة المحتاجين ونصرة الضعفاء، والتقت بأقطاب الصوفية قبل أن تصير بدورها "قطباً" بينهم.

مؤسِّسة النشاط النسوي

لم تكن قرية منوبة في ذلك الوقت تتسع لتلك المرأة الحالمة بالحرية والمعرفة. رفضت الزواج وتوجّهت إلى مدينة تونس لتكون قريبة من مناهل العلم، وهنالك التقت بشيخها أبي الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي لتبدأ رحلتها مع حياة جديدة توزّعت بين العلم والعمل الخيري والنسوي.

يقول المؤرّخ عبد الجليل بوقرّة، وهو أستاذ في جامعة منوبة وباحث في المعهد العالي للتاريخ المعاصر في نفس الجامعة، لرصيف22 إن السيدة المنوبية استطاعت اختراق التقاليد الذكورية المميزة للمجتمعات العربية الإسلامية وخاصة مجتمعات الأولياء الصالحين التي كانت تقتصر على الرجال.

ويضيف أنها مُنحت لقب "السيدة" على غرار الرجال الذين يُمنحون لقب "السيّد" في الصوفية، وأنها "كانت تخطب في الرجال وتتحدث وتناقش بكل جرأة وحرية، ما جعلها تصبح من المقربين من الأمراء في ذلك الوقت، فقد كانوا يتقرّبون منها نظراً لتأثيرها في المجتمع وباعتبارها من أهم صنّاع الرأي العام في ذلك العصر".

ويبيّن بوقرّة أن السيّدة المنوبية وصلت إلى رتبة القطبية بفضل ما تتمتع به من جرأة وشجاعة وذكاء، وكذلك بفضل ما كان يميّز المجتمع التونسي من انفتاح نسبي رغم ذكوريته، مشيراً إلى أن تونس تفاعلت مع عدد من الحضارات التي مرّت عليها فاستوعبتها و"تونستها" فكانت مكانة المرأة فيها أفضل مما كانت عليه في الشرق العربي الإسلامي، وموضحاً أن المرأة كانت لديها دائماً مكانة في الحياة العامة على غرار الكاهنة الأمازيغية أو عليسة الفينيقية أو أم حنبعل القرطاجية.

ويقول بوقرّة إن السيدة المنوبية كانت تتصرف على طبيعتها وبطريقة حرّة ولم تكن تكلّم الرجال من وراء حجاب أو تكلمهم وهي ساترة الوجه ولا كانت ترتدي نقاباً بل لم تكن تتحرّج من ملاقاة الرجال ومناقشتهم.

ويشير إلى أن السيدة المنوبية لم تكن تركّز على تصرفات الحكام بل كانت دائماً تتحدث عن الظلم وعن العدل وعن العقاب الإلهي لكل ظالم متجبّر وتحاول تزهيد الناس بالحياة المادية وبالصراع من أجل مغانم مادية زائلة وتدفعهم إلى الحب الإلهي الصوفي.

ويعتبر أنها لم تكن مُصلحة اجتماعية أو متمردة سياسية بل كانت متصوفة لا تخرج من عالم التصوف وكل ما يتعلّق به من أفعال وأقوال وقيم، وكانت ترى أنّ الحب الإلهي لا يمكن أن يقتصر على الرجال فقط.

ويؤكّد بوقرّة أن "التصوّف التونسي ساهم بشكل كبير في تخفيف حدة التزمت في تونس، وساعد السيدة المنوبية في أن تفرض نفسها وأن تكون مؤسسة للنشاط النسوي في تونس، ربما دون أن تقصد، لكن أفعالها وسيرتها أدت إلى وجود نشاط نسوي في ذلك الوقت، من أجل فرض مكانة خاصة للمرأة مساوية للرجل".

المرأة الاستثناء

حازت السيّدة المنوبية على تقدير الجميع واعترافهم وأصبحت رمزاً دينياً. جمعت بين الفطنة والذكاء من جهة، وبين التدرّج في سلّم العلم والمعرفة حتى أصبحت قطباً صوفياً، وخطبت في الرجال وقيل إنها أمّتهم في الصلاة لتتجاوز شهرتها حدود بلدها وتصبح أحد رموز تونس في ذلك العصر.

يقول الدكتور بدري المداني، وهو أستاذ في المعهد العالي لأصول الدين في جامعة الزيتونة ومختصّ بالتصوّف، لرصيف22 إن السيّدة المنّوبيّة جمعت في تركيبتها بين إيثار السياحات الروحية وزيارة مقامات الأولياء وبين المجاهدة الروحية ومداومة الذكر، فنضجت تجربتها الروحيّة حتى أصبح التغنّي بالحبّ الإلهي شاغلاً أساسياً في حياتها.

لم تكن قرية منوبة التونسية تتسع للسيدة عائشة المنّوبيّة، الحالمة بالحرية والمعرفة. رفضت الزواج وتوجّهت إلى مدينة تونس لتكون قريبة من مناهل العلم، وهنالك نجحت في اختراق التقاليد الذكورية المميزة لمجتمعات الأولياء الصالحين

ويضيف: "ظهر في كلامها الميل إلى عبارات العشق والفناء والسكر ولعلّ ذلك يتّضح من قولها ‘أنا سكرانة طول حياتي’، وتقصد هنا بالسكر الخمرة الصوفية التي تذاق بالقلوب، واعتبرت أنّ الذكر يكون بالقلب أساساً فجاءت عبارتها ‘لا خير في ذكر باللسان والقلب غائب’".

ويشير المداني إلى أن السيدة المنوبية لُقّبت بالعاشقة المتصوّفة، وفاقت الرجال هياماً وغراماً بالحضرة الإلهيّة في عصر كان فيه الشاذلي وكثيرون من الأولياء الصالحين والأقطاب.

ويشدد على أن المنوبية وليّة من الصالحين بكراماتها وتبحّرها العلمي وجمعها بين التصوّف والفقه وهي تقول عن هذا الجمع: "أنا رأيت أبا الحسن الشاذلي وأعطاني خاتمه من إصبعه وقال لي: أنا أوليتك طريقتي"، وقالت: "رأيت الشاذلي مرة أخرى وأعطاني علمه وصبره".

ويبيّن المداني أنها كانت "امرأة استثنائية وأنّ تصوّفها لم يكن تبتلاً ولا انقطاعاً عن الدنيا بل كانت على صلة وثيقة بالشواغل اليوميّة لمجتمعها، تسعى إلى قضاء حوائج الناس وتحقيق سعادتهم".

ويعتبر أن "الاستثناء الأكبر هو أنها حطّمت القيود الذكورية المفروضة وناصرت القضايا الإنسانية، فلم تكن تتجنّب الرجال ولم تكن تتردد في الخوض معهم في المسائل الدينية، وكانت تمتلك أسلوباً خطابياً بليغاً ومهارات لغوية كانت متوقّعة فقط من العلماء الذكور المتميّزين، ورفضت في مضامين حديثها التسلط المفروض على النساء كما حطّمت قيود الاسترقاق".

ويتابع مدني أن هنالك "بعض الأدلة التاريخية التي تشير إلى أنها اشترت العديد من العبيد التونسيين الذين كانوا يُرسَلون إلى إيطاليا فقط لتطلق سراحهم".

برأي المداني، "كانت السيدة عائشة المنوبية امرأة استثنائية بكل المقاييس"، لافتاً إلى أنه "لم نألف في مجال التصوّف نساء كثيرات شهيرات ما عدا السيدة رابعة العدوية وقليلات أخريات منهنّ السيّدة عائشة المنّوبيّة".

امرأة خارج المعتاد

كانت السيّدة المنوبية امرأة استثنائية بكل المقاييس. وجدت نفسها مندفعة نحو الاهتمام بقضايا المرأة ومشاكلها، وكانت ملجأ للنساء المظلومات في ذلك العصر بل كانت أوّل ناشطة نسوية في تونس كما قال المؤرّخ عبد الجليل بوقرّة.

ظهر في كلامها الميل إلى عبارات العشق والفناء والسكر ولعلّ ذلك يتّضح من قولها "أنا سكرانة طول حياتي"، وتقصد هنا بالسكر الخمرة الصوفية التي تذاق بالقلوب، واعتبرت أنّ الذِكر يكون بالقلب أساساً فجاءت عبارتها "لا خير في ذكر باللسان والقلب غائب"

تقول الأستاذة في المعهد العالي للعلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة تونس المنار والناشطة النسوية فتحية السعيدي لرصيف22 إن السيدة المنوبية هي امرأة خارجة عن المعتاد. "كانت امرأة متحررة جداً بعكس التصورات السائدة التي ترى فيها فقط امرأة زاهدة، وهذا ما جعلها محلّ احترام وتقدير من الناشطات النسويات اللواتي يثمنّ ما قامت به من أجل المرأة وبصمتها".

وتتابع السعيدي أن المنوبية تختلف عن باقي الوليّات الصالحات بأنها كانت تحب الحياة وذات نفوذ، وتعتبر أن سيرتها تبرز اختلاف المرأة التونسية على غرار شخصية الكاهنة البربرية وأروى القيروانية زوجة أبي جعفر المنصور، مرجعةً ذلك إلى تعاقب الحضارات على تونس وكذلك إلى الأصول البربرية لسكانها.

لا تزال السيّدة المنوبية تحظى برمزية كبيرة في المخيال الشعبي التونسي، إذ يذهب الناس إلى زاويتها للتبرك بها، خاصة النساء اللواتي يتأخرن في الزواج أو لديهن مشاكل في الحمل.

في مقال كتبته، أشارت الأستاذة الجامعية والناشطة النسوية آمنة بن ميلاد إلى أن السيّدة المنوبية تعلمت منذ صغرها الحياكة في "مدرسة والدتها"، وهي مدرسة متخصِّصة في الغزل والنسيج النسائي، لأن الحرية تنبع من الاستقلالية الاقتصادية.

وتلفت إلى أنها لم تكن ترتدي حجاباً فوق رأسها، وكان قرارها هذا مبرراً بنظرية تندرج في إطار أفكار محي الدين بن عربي الذي يشدّد على الفصل بين عمق الإنسان ودواخله من جهة، وبين مظهره الخارجي والاجتماعي من جهة ثانية، ما دفع أحد القضاة إلى تمني رجمها، لكن حمتها علاقتها بالسلطان أبي زكريا.

وتضيف بن ميلاد أن السيدة المنوبية كانت تؤمن بأنّ "وحده الشخص العميق المأخوذ بإيمانه بالله، هو كائن ذو معنى".

وتبيّن أنها كانت تؤمن بالمساواة وتتعامل بندّية مع الرجل، وبذلك خلخلت التراتبيات الهرمية التقليدية المبنية على تفوّق الرجل على المرأة.

رمزية المنوبية

اعتادت السيدة المنوبية مخاطبة ربّها في وقت الضحى بدعاء: "أنت يا دليل الحيرانين، أنت يا مطمئن الوجْلانين، أكرمني برؤيتك، واجعلني أُدرك يقين وجودك"، فاستجاب الله لدعائها وانتقلت إلى رحمته في نيسان/ أبريل من سنة 1267.

حياتها وسيرتها جعلتها حيّة في وجدان جزء واسع من التونسيين الذين يرون فيها الكاسرة للتقاليد الجامدة والرافعة لقضية الإنسان والمؤسِّسة الحقيقية لمكانة المرأة باعتبارها عنصراً فاعلاً في المجتمع التونسي ومتفاعلاً معه.

يقول الدكتور عبد الجليل بوقرّة: "ليس من باب الصدف أن يُدعى ضريحها بـ’مدفن السر’، ذلك أنه يحتضن رفات امرأة ما يزال فكرها ينطوي على أسرار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard