كوفيد- 19 وحلم المجتمع المنضبط… هل السياسة البيولوجية هي نقيض الحرية؟

السبت 21 نوفمبر 202002:02 م

تتشكل حياتنا اليومية من مجموعة قواعد وتعليمات صار من الواجب اتباعها للحفاظ على السلامة من الوباء الذي خيّم على البشرية. تعاليم حكومية أساسية لا مفر منها غيّرت الروتين اليومي وحوّلتنا إلى أشخاص منضبطين من خلال الحفاظ على التباعد عند اجتماعنا مع الآخرين، أو حتى قواعد فردية مثل عدم السماح بالخروج من البيت إلاّ لساعة واحدة خلال النهار، وغسل اليدين المستمر ووضع الكمامة بشكل دائم وفي بعض الحالات في المنزل.  

الحجر من أجل التقسيم والضبط 

إجراءات تقسيم جماعي كانت نتيجة ممارسات سلطوية على الناس، وضعتهم في فضاءات فردية معزولة، تتمفصل على ذاتها وتزداد تفرعاً وتشعباً مع الوقت. قد أُلغي بموجبها معنى المكان الخاص وحل محله الشعور بالحبس الإجباري، الحجر المنزلي أو العزل الفردي، فأسهم هذا التقسيم بتفريق البشر وسهل السيطرة على يومياتهم ونشاطاتهم.

 صارت حالة الطوارئ نموذجاً للحياة الطبيعية، وحظر التجوال ضرورة قصوى، صار الحذر هو المحرك الأساس للسلوك فيما الخوف من الآخر حالة دائمة، إلى جانب تنامي شبح العنصرية تجاه الغريب، وعلى الأخص في هذه الفترة. أذكر العنصرية التي لاحقت الآسيويين في بداية هذا العام إثر تفشي فيروس كورونا في الصين. أمّا إغلاق الحدود والانكفاء عن الجوار فهذا ما كان حلماً سياسياً محققاً عند أغلب الأنظمة السياسية القمعية. إلاّ أن بعض هذه الأنظمة قد استغلته واستطاعت تدعيمه بخطابات وتحذيرات لا تنفك تضرب على الأذن بالتهديد بالموت فيما لو خُرقت قواعد السلامة تلك وحصل أي نشاط جماعي مكروه. وأنظمة أخرى أكثر استبداداً من الأولى لم تحاول الاستفادة من اقتراب تحقيق هذا الحلم، لأنها ترى أن الانضباط يؤثر سلباً على مصداقيتها. ولكن لحلمٍ كهذا شروطًا يترتب عليها تغييرات في العلاقة بين الفضاءات المرئية وغير المرئية التي يعيش فيها البشر. وهنا حضر العالم الرقمي ليقدم حلولاً من شأنها أن تصب في مصلحة مؤسسة الإنسان الانضباطي المعاصر التي ما زالت قيد البناء.

صارت حالة الطوارئ نموذجاً للحياة الطبيعية، وحظر التجوال ضرورة قصوى، صار الحذر هو المحرك الأساس للسلوك فيما الخوف من الآخر حالة دائمة، إلى جانب تنامي شبح العنصرية تجاه الغريب، وعلى الأخص في هذه الفترة

العالم الرقمي الذي يحكم المجتمع المنضبط 

التقنية تحكم الفردية في الحجر الصحي، الذي يؤدي فيه دور البطولة تطبيق zoom الذي صار نافذتنا المربعة إلى العالم، نطل من خلالها للتواصل والعمل ومتابعة الدراسة أو حتى لمتابعة محاضرات أو نشاطات في أمكنة بعيدة. صار العالم يحدث الآن هنا عبر zoom وفي حال انعدام الرغبة بالتواصل يمكنك أن تخفي صورتك وصوتك وتتحول من مشارك إلى مراقب، باستعارة عين مراقبة تمكنك من رؤية كل شيء دون أن تكون مرئياً. ولكن مع الأسف، المُراقِب مُراقَب، فنحن اليوم نعيش في العالم الرقمي الذي لا يُخفى عنه أمر من خلال خاصية التعرف على الوجه، والقدرة على فك تشفير الاتصالات، وتتبع الهاتف المحمول واستخدام الطائرات بدون طيار وما إلى ذلك. حتى إذا كنا في حالة الحركة، يشغل كل منا مكاناً ثابتاً في العالم الرقمي الذي يحكم المجتمع التأديبي. هذه الميزات التي تفسح المجال للسلطة بأن تنهض ضد مرض غريب وتحضر في كل مكان حضوراً فيزيائياً أو غير محسوس لتبتكر مساراتها الجديدة في حصار المجتمع وفصله وتجميده. تلك الميزات لم تكن موجودة عندما كتب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول مصطلح Biopolitique السياسة البيولوجية. هذا المصطلح الذي يلوح لنا نحن معاصري هذا الوباء ليُنبه مما يُفرض علينا من نظام تشغيل جديد يقوم على ثنائية حياة/موت، مريض/ناجٍ، متبع/خارق للقواعد. 

الحرية والسياسة البيولوجية

ما السياسة البيولوجية من وجهة نظر فوكو؟

من الممكن القول إن أعمال فوكو قامت على تحليل تاريخي للتقنيات المختلفة التي تدير بها السلطة حياة البشر وموتهم. بين عامي 1975 - 1976، عندما نشر كتابه Surveiller et Punir المراقبة والمعاقبة، والمجلد الأول من كتابه Histoire de la sexualité  تاريخ الجنسانية، استخدم فوكو مفهوم "السياسة البيولوجية" للتحدث عن العلاقة التي تقيمها السلطة مع الجسد البشري في العصر الحديث. 

عن علاقة السلطة بهذا الجسد عند فوكو سأقتبس تعريف الفيلسوف الإسباني بول ب. بريسيادو الذي يشرح مقصد فوكو من هذه العلاقة: "أهم شيء تعلمناه من فوكو هو أن الجسد الحي أو الفاني هو الهدف المركزي لجميع السياسات. لا توجد سياسة ليست سياسة الهيئات. ليس الجسد بالنسبة إلى فوكو كائناً بيولوجياً محضاً تمارس عليه القوة. إن مهمة الفعل السياسي هي اختلاق جسد وتشغيله، وتحديد طرق إنتاجه وإعادة إنتاجه، وصياغة أنماط الخطاب التي يتخيل بها هذا الجسم نفسه حتى يصبح  قادراً على قول "أنا"".

هل يمكن إيجاد سياسة بديلة تؤمن المعلومات الكافية عن الوباء دون فرض قيود على حياة البشر؟

 يعتقد فوكو تحديداً في كتاب "المراقبة والمعاقبة" أن منطق  La quarantaine أو الحجر أربعين يوماً هو في عداد سياسات إدارة الأوبئة التي أثرت على العالم في نهاية القرن السابع عشر. "هذا الفضاء المفصول، الراكد، المجمد، كل شخص مخزّن في مكانه، وإذا تحرك فقد كلفه ذلك حياته، بالعدوى أو بالمعاقبة". ويكمل تشريحه للبنية التي تخلقها السلطة داخل كل بيت بعد تحويله إلى مكان مغلق ومراقب تماماً. "يتم إدخال الأفراد بعد التفتيش من مكان ثابت، حيث أقل حركة مرصودة وكل الأحداث مسجلة، حيث تمارس السلطة بدون مشاركة ووفقاً لهيكلية هرمية مستمرة، تمارس رصدها لكل فرد وفحصه وتوزيعه باستمرار بين الأحياء والمرضى والموتى، وكل هذا وفق نموذج مكثف للجهاز التأديبي". 

إذاً فقد خلق الوباء مجتمع سيطرة تامة بمعايير حديثة، ولم يعد ممثلاً في السجن أو الحبس على وجه الخصوص، ولكن بالتحكم والتواصل المستمرين والمراقبة الدائمة. وبذلك يكون المجتمع قد انتقل من طابعه التسلطي في فرض السيادة إلى طبيعة أخرى هي الخاصية التأديبية التي تبلغ أقصاها من خلال الإدارة السياسية للأوبئة بحسب كل مجتمع والطريقة التي يختارها. مثل فرض حظر التجوال بين ساعات معينة حظراً كاملاً مع استثناءات للعمال والمزاولين لأعمال لا يمكن أن تتوقف، أو بالأحرى قد تضر بالاقتصاد إذا توقفت، والقطاعات الخدمية مثل متاجر الأغذية والمواصلات إلخ. 

إذا اعتبرنا أن السياسة البيولوجية هي اللحظة التي لم تعد فيها سيطرة المجتمع على الأفراد عن طريق الوعي أو الأيديولوجيا فقط، ولكن أيضاً عن طريق الجسد، وتُطبَّق على الجسد، أي اللحظة التي يصبح فيها عدد معين من السمات البيولوجية هو العنصر الذي تعمل عليه السياسة والسلطة، فإن ذلك يؤدي إلى توسع غير مسبوق في جميع أشكال تدخل الدولة، وبالتالي تطبيق سياسة الإجبار والإكراه. حتى إن البعض صار يخاف من دفع غرامة خرق حظر التجوال أكثر من خوفه من الإصابة بالفيروس. 

ربما سنشهد لاحقًا أن الأفراد الذين نجوا من الوباء بعدما شهدوا موت عدد معين من البشر سيصبحون مستعدين للامتثال لأي إجراء من شأنه إنقاذ حياتهم. في هذه الحالة، سيقبل المرء أي تشريع للعزلة والإغلاق، وقد يتطور ذلك لاعتبار العداء تجاه الآخر هو الحل الوحيد لإنقاذ حياته

إذاً هل هذه السياسة البيولوجية هي نقيض الحرية؟ هل يمكن إيجاد سياسة بديلة تؤمن المعلومات الكافية عن الوباء دون فرض قيود على حياة البشر؟ ماذا عن بلدٍ أوروبي مثل السويد لم يطبق الحجر المنزلي بل دعا إلى تحمل المسؤولية الفردية الكاملة وتطبيق معايير السلامة بشكل فردي؟ في المقابل في بلدٍ مثل فرنسا دخل اليوم في أسبوعه الرابع من المرحلة الثانية من الحجر المنزلي وما زال من أكثر دول العالم من حيث أعداد المصابين. باختصار ما البدائل لهذا الشكل من الحكم السياسي البيولوجي في سياق هذه الجائحة؟

ربما سنشهد لاحقًا أن الأفراد الذين نجوا من الوباء بعدما شهدوا موت عدد معين من البشر سيصبحون مستعدين للامتثال لأي إجراء من شأنه إنقاذ حياتهم. في هذه الحالة، سيقبل المرء أي تشريع للعزلة والإغلاق، وقد يتطور ذلك لاعتبار العداء تجاه الآخر هو الحل الوحيد لإنقاذ حياته. وهذا ما سيسعد بعض الأنظمة السياسية ويقوي هيمنتها إذا لم ندافع عن حريتنا كقيمة إنسانية تجب حمايتها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard