النظام المصري يتهم حقوقيين بالإرهاب... هجمة أمنية على المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

الجمعة 20 نوفمبر 202010:40 ص

في تصعيد غير مسبوق على العاملين في النشاط الحقوقي بالبلاد، اعتقلت السلطات المصرية ثلاثة من مديري المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR)، إحدى أقدم المنظمات الحقوقية في البلاد والمنطقة، ووجهت لهم تهماً تتعلق بـ"الإرهاب"، وذلك عقب أيام من لقاء مع دبلوماسيين أجانب في مقر المنظمة.

مساء 19 تشرين الثاني/ نوفمبر، قالت المبادرة عبر حساباتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، إن جاسر عبد الرازق، المدير التنفيذي للمبادرة، تم القبض عليه من منزله بالمعادي، في العاصمة المصرية القاهرة، قبل اقتياده إلى وجهة غير معلومة. وشددت على "فخرها" بدفاعها عن حقوق المصريين، داعيةً كافة المهتمين بحقوق الإنسان إلى التضامن معها.

في ساعة لاحقة من فجر 20 تشرين الثاني/ نوفمبر، أوضحت المبادرة أن تحقيقاً مع عبد الرازق امتد نحو ست ساعات انتهى بقرار حبسها 15 يوماً على ذمة التحقيقات في القضية رقم 855 بتهم "الانضمام إلى جماعة إرهابية، وإذاعة بيانات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام والإضرار بالمصلحة العامة، واستخدام حساب عبر الإنترنت لنشر أخبار كاذبة".

في غضون ذلك، أعلن الصحافي المصري والناشط الحقوقي حسام بهجت، عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، توليه إدارة فريق المبادرة "الموهوب والشجاع" لحين الإفراج عن قياداتها التي وصفها بـ"الرهائن" لدى السلطات المصرية، مبرزاً اعتزازه بكونه أحد مؤسسي المبادرة عام 2002 واضطلاعه بإدارتها سابقاً لنحو 10 سنوات.

الاتهامات الفضفاضة نفسها

لم يكن القبض على عبد الرازق سوى الحلقة الثالثة من هجمة أمنية "غير مسبوقة" على المبادرة التي أعلنت المبادرة، في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر، اعتقال قوات أمنية كريم عنارة، مدير وحدة العدالة الجنائية بالمبادرة، أثناء تمضيته إجازة في مدينة دهب السياحية (جنوب سيناء)، مبرزةً اصطحاب ضباط الأمن الوطني له إلى مكان غير معلوم. ظهر عنارة عقب 24 ساعة أمام نيابة أمن الدولة العليا في القاهرة ووجهت إليه نفس الاتهامات التي وجهت إلى عبد الرازق وصدر قرار بحبسه نفس المدة وعلى ذمة القضية ذاتها المحبوس على ذمتها عدد من النشطاء الحقوقيين والسياسيين، أبرزهم المحاميان محمد الباقر وماهينور المصري.

قبل ذلك نددت EIPR، في بيان، بـ"التصعيد الذي لم يسبق أن واجهته طوال عملها"، موضحةً أن قوة أمنية توجهت إلى منزل محمد بشير المدير الإداري في المبادرة، فجر الأحد 15 تشرين الثاني/ نوفمبر، واحتجزته نحو 12 ساعة في مقر تابع لقطاع الأمن الوطني، قبل أن يظهر في نيابة أمن الدولة العليا ووجّهت إليه تهم على صلة بنشاطه الحقوقي.

ولفت البيان إلى أن تحقيقات النيابة مع بشير تركزت على طبيعة نشاط المبادرة وإصداراتها الأخيرة وعملها في مجال الدعم القانوني، فيما تمحورت أسئلة المحققين في مقر الأمن الوطني على زيارة عدد من السفراء المعتمدين لدى مصر لمقر المبادرة المصرية يوم 3 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، حيث ناقشوا سبل دعم أوضاع حقوق الإنسان في مصر والعالم.

"صفعة من الحكومة المصرية على وجه الدول الأوروبية التي حضرت"... اعتقال ثلاثة من مديري إحدى أبرز المنظمات الحقوقية في مصر عقب استضافتها اجتماعاً حول حالة حقوق الإنسان في مصر والعالم بحضور 14 سفيراً/ دبلوماسياً أوروبياً

حضر الاجتماع، علاوةً على ممثلي المنظمة وناشطين حقوقيين، 14 سفيراً ودبلوماسياً من ألمانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا وبلجيكا وبريطانيا وسويسرا وغيرها.

أمرت النيابة بحبس بشير 15 يوماً على ذمة القضية المشار إليها سلفاً وبنفس التهم.

وبينما اعتبرت المبادرة القبض على مديريها "حلقة جديدة في سلسلة استهداف وترهيب العاملين في مجال حقوق الإنسان" بما "لا ينفصل عن مجمل المناخ السلطوي والقمعي الذي يعصف بمجمل الحقوق والحريات المكفولة دستورياً أو دولياً" في البلاد، طالبت بالإفراج فوراً عن النشطاء الحقوقيين المحبوسين على ذمة القضية نفسها وإسقاط الاتهامات الموجهة إليهم والتوقف الفوري عن ترهيب النشطاء والعاملين في الحقل الحقوقي المحبوسين على ذمة قضايا مماثلة.

والثلاثي: عبد الرازق وبشير وعنارة ليسوا أول من يقبض عليهما من الفاعلين في المبادرة، إذ اعتقل، في شباط/ فبراير الماضي، الباحث باتريك جورج، الباحث في المبادرة، لدى عودته من إيطاليا حيث يدرس لنيل درجة الماجستير. ولا يزال معتقلاً حتى الآن.

ومنذ وصوله إلى السلطة، عام 2014، تقول منظمات حقوقية إن الرئيس المصر عبد الفتاح السيسي حوّل البلاد سجناً كبيراً لمعارضيه، وألقى بكل المنتقدين والحقوقيين في السجون بتهم وهمية عبر مواد قوانين فضفاضة.

"ضوء أخضر من السيسي مباشرةً"... هجمة "غير مسبوقة" على المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بتوقيف ثلاثة من مديريها. الخارجية الفرنسية عبرت عن "قلقها العميق"، لكن الخارجية المصرية رفضت التدخل في شأن محلي و"محاولة التأثير" على سلطات إنفاذ القانون

إدانات مستمرة 

منذ انتشار نبأ القبض على عنارة، لم تتوقف الإدانات محلياً ودولياً. وتصاعد التنديد أكثر عقب القبض على عبد الرازق مع أنباء عن وجود تحركات أوروبية للضغط على مصر للإفراج عن قيادات المبادرة الموقوفين.

من جهتها، استنكرت منظمة العفو الدولية اعتقاله واصطحابه إلى مكان مجهول، مذكرةً بأن هذا يأتي عقب أيام من القبض على بشير بـ"تهم الإرهاب الوهمية".

وشددت: "هذه الاعتقالات تشكل ضربة قوية للعمل المشروع للمدافعين عن حقوق الإنسان. حان الوقت لكي يطالب المجتمع الدولي مصر بوقف الأعمال الانتقامية ضد منظمات حقوق الإنسان وإطلاق سراح موظفي المبادرة المصرية الآن".

وسبق أن عقّبت المنظمة على اعتقال بشير بالقول إنه "انتقام" بعد اللقاء مع الدبلوماسيين الأجانب. في حين اعتبر فيليب لوثر، مدير البحوث وأنشطة كسب التأييد في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة، أن القبض على موظف "إحدى أبرز منظمات حقوق الإنسان المستقلة في مصر، يظهر عدم تسامح السلطات المصرية مرة أخرى مع أي تدقيق في سجلها الحقوقي السيىء، وهذا ما يبعث برسالة صادمة إلى مجتمع حقوق الإنسان في مصر الذي يواجه الكثير من المشاكل والصعوبات، مفادها أن مجتمع حقوق الإنسان لا يزال عرضة للخطر".

بدورها، دانت مؤسسة حرية الفكر والتعبير القبض على عنارة وبشير، معربةً عن تضامنها الكامل مع EIPR، ومناشدةً الجهات المعنية بأوضاع حقوق الإنسان في مصر حث السلطات المصرية على وقف هذه الهجمة. 

ونبه الناشط الحقوقي المصري البارز عمرو مجدي إلى أن المبادرة المصرية وهي "واحدة من أعرق وأهم منظمات حقوق الإنسان في مصر، تتعرض لهجمة شرسة غير مسبوقة" وذلك "بعد لقاء مع دبلوماسيين أوروبيين في مقر المنظمة"، مستنتجاً: "يبدو أن الضوء الأخضر للهجمة يأتي من #السيسي مباشرةً".

وأضاف الباحث في منظمة هيومن رايتس ووتش: "هذه الاعتقالات صفعة على الوجه من الحكومة المصرية لكل الدبلوماسيين والدول الأوروبية التي كانت ممثلة في الاجتماع".

وألقى البعض اللوم على الشركاء الأوروبيين للنظام المصري، فيما تساءل آخرون "أي دور قد تلعبه الدول الأوروبية التي كانت ممثلة في الاجتماع للإفراج عن عنارة وبشير؟"، وذلك قبل اعتقال عبد الرازق.

في غضون ذلك، كتب الصحافي والمدون المصري وائل إسكندر: "الدرس الذي تعلمناه من التعامل مع الحكومات الأوروبية هو أنه عندما يتحدث المصريون معهم عن حقوق الإنسان، فإنهم يهزون رؤوسهم، ثم يواصلون دعم القمع في مصر ثم يتم القبض على مصريين فيما يظل الأوروبيون سعداء بأرباحهم وأعمالهم".

وتمنى أن يكون هناك "بعض الضغط من أجل نوع من المساءلة لهذه الحكومات الأوروبية" التي قال إنها "تجعل القمع في مصر ممكناً، وأقل ما يمكنهم فعله هو المطالبة بألا يؤدي مجرد التحدث معهم إلى سجن الناس".

وسألت الناشطة منى سيف عبر تويتر مستنكرةً: "فيه أي لحظة هيكتفوا فيها باللي عندهم في السجون؟ ولا هنفضل طول الوقت كدة كل شوية يخطفوا حد جديد مننا؟!".

"حلقة جديدة في سلسلة استهداف وترهيب العاملين بمجال حقوق الإنسان" بما "لا ينفصل عن مجمل المناخ السلطوي والقمعي الذي يعصف بمجمل الحقوق والحريات"... ثلاثة من مديري "المبادرة المصرية" اعتقلوا وأُمر بحبسهم 15 يوماً بتهم "الإرهاب الوهمية"

مصر: نرفض التدخلات

قبل إعلان نبأ اعتقال عنارة، كانت الخارجية الفرنسية قد عبرت، في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر، عن "قلقها العميق" إزاء القبض على بشير. 

وأضافت: "تحافظ فرنسا على حوار صريح ودقيق مع مصر حول قضايا حقوق الإنسان، بما في ذلك القضايا الفردية. وتعتزم مواصلة هذا الحوار في إطار التزامها حماية المدافعين عن حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم".

رداً على البيان الفرنسي، قال أحمد حافظ، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، إن بلده "يرفض" ما تضمنه البيان الفرنسي، واصفاً إياه بأنه "تدخل في شأن داخلي مصري" و"محاولة التأثير على التحقيقات التي تجريها النيابة العامة مع مواطن مصري اتُّهم بالاتصال بإحدى القضايا المنظورة أمام القضاء المصري".

وأعرب المتحدث المصري عن الأسف لما قال إنه "عدم احترام" البيان الصادر الفرنسي للقوانين المصرية، و"دفاعه عن كيان يعمل بشكل غير شرعي في مجال العمل الأهلي"، وأشار إلى أن المبادرة المصرية مسجلة كشركة لكنها تمارس أنشطة أخرى خلافاً للقانون الرقم 149 لسنة 2019.

وختم حافظ مشدداً "على عدم تمتع أي فئة من الأشخاص بحصانة لعملها في مجال محدد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard