اغتيال الحرب... بالأدب

الأربعاء 25 نوفمبر 202001:15 م

أبحث عن أبرز الكتّاب السوريين الذين تناولوا موضوع الحرب، عازمة على الغوص بأدب الحرب السورية، لفهم لماذا يكتب البشر أدب الحروب؟ هل لتدوين المذكرات الشخصية، لأغراض تاريخية، أيديولوجية، أو أنها حقبات غنية بأحداث مفجعة ومشاعر محتدمة تجعل القصة جاهزة ليتلقفها الكاتب، فيعمل على حبكة أحداث جاهزة بعضها ببعض، أليس ذلك ما يجعل الأدب أدباً مستحسناً خالداً؟ أم أن أدب الحروب يقام على موائد المنتصرين كما يَخطُّون التاريخ؟ لكن قد يكون أيضاً أدب الخاسرين، المعارضين المواليين، المنفيين وأيضاً "الناجين" من طواحين الحروب، بين الكثير من الأقواس.

هل فعلاً ننجو من الحرب؟

هل فعلاً ننجو من الحرب؟

هل أدب الحرب هو ملجأ آمن من ويلات الحرب؟ هل يخط الأدباء حروفهم على أنقاض أوطانهم المنكوبة ليشرّعوا أبواب أرواحهم العليلة، على مصراعيها أمام جمهور القراء، كما البوح الحميم بين الأحبة؟ لمحاولة إيجاد بعض الإجابات عن تلك الأسئلة، عدت إلى أوائل الأعمال الأدبية في تاريخ الأدب، حتى القرن العشرين وأدب الحربين العالميتين.

وما يسترعي الانتباه هو كثافة الحرب في الأدب، وقد لا تخلو رواية من ثيمة الحرب. وهذا ما استدعى تناول الموضوع على جزئين بمقالين منفصلين.

يقام الأدب من أجل الحرب والحب معاً

فيما تقول الأساطير بأن حروبا قد قامت من أجل الحب، يقام الأدب من أجل الحرب والحب معاً. ألم يَكتب هوميروس أول ملحمة شعرية في التاريخ احتفاءً بحرب طروادة التي أُقيمت من أجل عيني هيلين؟ الحب كما الحرب لا نعود منه كما كنا، لكن سأضيف اليوم الأدب كما الحرب، لا يمكن أن نخرج من بين طيات كتاب يروي قصة حرب سالمين، تعبث عواصف الأحداث والشخصيات بمشاعرنا، وقد لا نجد بين دَفّتيه أي سكينة أو حتى صفحة نتمسك بها لإكمال الرحلة نحو بر النهاية. لكن حتماً ستكون من أجمل الرحلات التي سنقوم بها بخيالنا على هامش حياتنا المملة.

ألم تكن أعظم قصص الأدب وأكثرها شهرة تلك التي سطرت الحروب؟ بدءاً من الإلياذة، الملحمة الشعرية التي وصفت حصار أجاممنون لطروادة من أجل تحرير هيلين ملكة إسبرطة، مروراً بعطيل، 1565م، مسرحية شكسبير التراجيدية، التي تستنجد بعطيل، القائد العسكري المغربي الفذ، لإنهاء التوتر مع الأسطول التركي قرب جزيرة قبرص، لكن على هامش هذه المواجهة البحرية، كانت هناك أمواج الغيرة والشك التي تعصف بقلبه لاعتقاده أن زوجته ديدمونة تخونه، وبهذا نرى كيف يستخدم الأدباء الحروب الخارجية للبوح عن حروبهم الداخلية السرية التي يُولجونها في أرواح قُرّائهم.

فتك عذراء أورليان المتكرر

وصولاً إلى شخصية "جان دارك" الجدلية، الملقبة بعذراء أورليان، لقب اكتسبته من الأسطورة التي بثها رجال الكنيسة بأن عذراء مخلّصة من أورليان ستأتي بعد مئة عام وتوحد الفرنسين تحت راية واحدة وتقودهم نحو النصر على الإنكليز، لكن هل كانت جان دارك فعلاً تلك المخلصة أم أنه تم استحضار روح تلك الشخصية الخيالية نحو ساحة الحرب من أجل توحيد المقاطعات الفرنسية المُتنازعة؟ اعتُبرت تلك الفتاة الغاية في الرقة والرهافة بطلة قومية وحدت فرنسا تحت عرش الملك شارل، لكن بعدما انتهت الحرب، رجال الكنيسة أنفسهم اتهموها بالزندقة والسحر. لم يُميتوا الأسطورة بقتل تلك الشخصية التخيلية في وجدان الشعب الفرنسي فحسب، بل وتم محاكمتها وإحراقها حية.

عُرضت مسرحية "القديسة جان" لجورج برنارد شو للمرة الأولى عام 1923، بعد ثلاث سنوات من إعلان الكنيسة الكاثوليكية الرومانية تطويب جان دارك ضمن قائمة القديسين. تعكس المسرحية نظرة شو بأن الأشخاص المشاركين في محاكمة جان تصرفوا وفقاً لما اعتقدوه صواباً. فكتب في مقدمة المسرحية: "لا يوجد أشرار في هذه القطعة. الجريمة مثل المرض، ليست مثيرة للاهتمام: إنه شيء يجب التخلص منه بعيداً وبموافقة عامة.

وهذا كل ما هنالك حوله". لكني أرى أن شخصية جان كانت متمردة على السلطة المؤسساتية العامة، مثل سلطة الكنيسة الكاثوليكية والنظام الإقطاعي، ولذلك تم قتلها مرتين على يد الكنيسة الكاثوليكية: مرة حين تم إحراقها حية، ومرة حين تم تسميتها قديسة. لكن هذه المسرحية اعتُبرت إحدى أفضل أعمال برنارد شو كما يُجمِع النقاد، حيث براعة الوصف ودقة الحبكة وعمق الفكرة، التي حولها شو من حدث تاريخي حربي إلى عمل فني متكامل الأركان.

غزوات أدب الحرب

كما لم يكن قيام الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت بغزو روسيا عام 1812 نقطة تحول في تاريخ أوروبا، بل كذلك في مجال الأدب العالمي، حيث كان الموضوع الذي دارت حوله أحداث ما اعتبره كبار الأدباء أعظم رواية في تاريخ الأدب العالمي، ألا وهي رواية "الحرب والسلم" للكاتب الروسي ليو تولستوي. يرى الخبراء العسكريون أن تولستوي تفوق كذلك في وصف المعارك العسكرية بكل ما فيها من مآس، مستفيداً من تجربته الشخصية في الحرب، حيث أنه خدم في الجيش الروسي أثناء حرب القرم (1853) التي اندلعت بين روسيا من جهة، وبريطانيا وفرنسا والدولة العثمانية من جهة أخرى، والتي انتهت بخسارة روسيا. وقد صور تولستوي المعارك التي اشترك فيها الجيش الروسي خارج روسيا وخسرها مثل معركة "أوسترليتز" الشهيرة، وقال إنها كانت بدون هدف حقيقي، لأنها كانت للمجد المزعوم، وهذا سبب خسارة الجيش الروسي لها. أما المعارك التي وقعت داخل روسيا، فقد ربحها الروس لأنها، في رأيه، كانت دفاعاً عن الوطن.

محاربون قدماء وأدباء منكوبون دافعوا ببسالة عن أدب الحربين العالميتين

أما الكتّاب الأوروبيون، الرجال الذين خدموا، والنساء اللواتي انتظرنَ والأشخاص الذين عارضوا الحرب، فصنعوا أدباً من الحرب العالمية الأولى. أبدعوا أعمق الروايات والمذكرات والشعر على أنقاض أجسادهم المبتورة وأرواحهم المفجوعة، لذلك لا يزال أدب الحرب العالمية الأولى من الآداب التي يصعب قراءتها حتى اليوم، لاستحضارها المؤلم لساحات المعارك، ناهيك عن التكاليف العاطفية لتلك الحرب التي حصدت عشرة ملايين من الأرواح. قد يكون القراء على دراية برواية" كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" للمقاتل الألماني المخضرم إريك ماريا ريمارك، وإرنست همنغواي "وداعًا للسلاح". روايتان عن الحرب العالمية الأولى نُشرتا في أواخر عشرينيات القرن الماضي. في البداية طغى نجاح رواية ريمارك "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" التي نُشرت عام 1929 على رواية "شلومب" لهانز هيربيرت غريم، 1928، وهي رواية تشبه السيرة الذاتية للكاتب غريم. نُشرت بداية تحت اسم مجهول خوفاً من النازيين، الذين منعوا وأحرقوا العمل عام 1933 بسبب هجاء ومعاداة غريم للحرب. لكن استعادت الرواية شعبيتها في عام 2013، عندما تم الكشف عن اسم غريم كمؤلف للعمل، وتُرجمت إلى اللغة الإنجليزية عام 2015 بواسطة Jamie Bulloch.

يذهب إميل شولز، بطل الرواية، المعروف باسم شلومب والبالغ من العمر 17 عاماً إلى الحرب، على أمل "مقابلة الفتيات"، حيث كانت مهمته الأولية هادئة ومصدراً للعديد من لحظات التهريج، في سخرية واضحة من الحرب.

لكن تتعقد الأمور حيث يخدم شلومب بالشرطة العسكرية في فرنسا التي احتلتها ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، ويتم التضحية بالرجال استجابةً لأوامر لا معنى لها. في هذه الكوميديا السوداء يتم نقل الأحداث المروعة للحرب بروح الدعابة التي تخفي الغضب واليأس. تلك عبثية الحياة قبل الحرب.

لكن بالنسبة لأولئك الذين يسعون لمعرفة المزيد عن الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الأولى، قد يكون أفضل مكان للبدء هو قراءة رواية "اشتعال العالم" لبيلا زومبوري مولدوفان. كان مولدوفان يبلغ من العمر 29 عاماً حين تمّ استدعاؤه للخدمة في الجيش النمساوي المجري بعد إعلان الحرب، حيث تقدم مذكراته الروائية عن الأشهر الثمانية التي قضاها على الجبهة، سجلاً دقيقاً عن الحرب المبكرة على الجبهة الشرقية: كان الروس، القوزاق، الصرب، الكروات، السلوفاك، التشيك، الرومانيون، البولنديون، المجريون، النمساويون والألمان، الذين قاتلوا في ظروف مروعة، حتى أرسلته إصابته الخطيرة إلى الوطن مجدداً. تقدم الرواية نظرة ثاقبة عن سبب عودة العديد من "الناجين" إلى منازلهم، بما نسميه الآن اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).

اشتمل أدب الحرب العالمية الثانية على تصنيفات مثل: روايات عن ألمانيا النازية‏، روايات عن أدولف هتلر، روايات عن الهولوكوست‏، روايات تجري أحداثها في اليونان، خلال الحرب العالمية الثانية‏

وقد اشتمل أدب الحرب العالمية الثانية على تصنيفات مثل: روايات عن ألمانيا النازية‏، روايات عن أدولف هتلر، روايات عن الهولوكوست‏، روايات تجري أحداثها في اليونان، خلال الحرب العالمية الثانية‏. من أشهر الروايات عن ألمانيا النازية "المسلخ رقم خمسة"، 1969، وتُعرف أيضاً باسم "حروب الأطفال الصليبية: مهمة الرقص مع الموت". حيث يقول الكاتب كورت فونيغوت في الرواية نفسها، إنه وبعد ثلاثين عاماً من تكرار الوعود بكتابه المنتظر لقول: "ليس لديه الكثير ليقوله عن الحرب، وأنه ليس هناك أعمال منتهية عندما يتعلق الأمر بالحرب". تدور أحداث الرواية حول حياة وتجارب البطل بيلي بيلجريم، الذي التحق بالجيش كجندي أمريكي ومساعد قسيس خلال الحرب العالمية الثانية، وإلى سنوات ما بعد الحرب. أسر بيلي على يد الجيش الألماني، وبقي على قيد الحياة خلال قصف درسدن كسجين حرب في مسلخ للحوم تحت الأرض (المسلخ رقم خمسة)، وهي التجربة نفسها التي خاضها الكاتب فونيغوت بوصفه جندياً أمريكياً. يصف فونيغوت الخطوط العريضة لـ "كتابي الشهير عن دريسدن" عبارته الشهيرة التي رددها على مدى عقود قبل صدور الرواية، حيث كان يعيد النظر في ذكرياته مراراً وتكراراً، ليجدها دائماً عديمة الفائدة. يصف في نهاية الفصل الأول كيف تم أخيراً تجميع الكتاب فيقول: "إنها قصيرة جداً (روايته) ومختلطة ومشوشة، يا سام، لأنه لا يوجد شيء بارع يمكن قوله عن مذبحة. من المفترض أن يموت الجميع، وألا يقولوا شيئاً أبداً وألا يرغبوا بأي شيء مرة أخرى. من المفترض أن يكون كل شيء هادئاً جداً بعد المذبحة، ودائماً ما يسود الهدوء، باستثناء الطيور".

"لا يوجد شيء بليغ يمكن قوله عن مذبحة. من المفترض أن يموت الجميع، وألا يقولوا شيئاً أبداً وألا يرغبوا بأي شيء مرة أخرى. من المفترض أن يكون كل شيء هادئاً جداً بعد المذبحة، ودائماً ما يسود الهدوء، باستثناء الطيور"

نرى أن أدب الحربين العالميتين طغى عليه شكل المذكرات الروائية، حيث كان الموت يحوم فوق كل شيء، واستطاع النيل من أشلاء الأجساد وأرواح تركوها خلفهم إلى الأبد في ساحات القتال، لكن الإبداع لم يتركهم، تمسّك بهؤلاء المحاربين القدماء كأدباء منكوبين، فدافعوا دون دراية عن أدب الحرب حتى الرمق الأخير. وكما استدرجتهم بلدانهم نحو ساحات القتال للموت دفاعاً عن "الوطن"، استدرجهم أدب حرب للكتابة ببسالة عنه، فحرثوا الصفحات البيضاء وملؤوها ألغاماً وألغازاً ومشاعر محتقنة من الحبر الذي أُهدر عليها، فماتوا ثلاث مرات: مرة أثناء الحرب، ومرة عند تدوين نيران الحرب، وأخيراً عندما عانوا سكرات الموت، لكن الأدب كان الناجي الوحيد من تلك الحروب اللعينة.

تأصل أدب الحرب في الوجدان القبلي العربي

أو لمن يجزل له العطاء... وإلا فليصمت!

إذا ما عدنا إلى بوازغ أدب الحرب في اللغة العربية سنجده متأصلاً في الشعر الجاهلي، حيث بدأت تنضج معالمه في الفترة التي عاصرت حرب البسوس، وهي الحرب التي ارتبطت بها البداية الثابتة للعصر الجاهلي الأدبي. بداية تتراءى لنا من خلال قصائد شعراء هذه الفترة – ناضجة مكتملة حسب رأي الدكتور كامل عبد ربه حمدان في بحث تناول "الصورة البشعة للحرب في الشعر الجاهلي". تحوّل الأمر عند الدكتور عادل البياتي إلى ملحمة كبرى ضمت شعر الأيام، حيث أفصح عن بداية هذا النضج في قوله: "إن الأيام تمثل أقدم نموذج فني في أدب الجاهلية، انطلاقاً من أيام البسوس، حيث تبدأ بالمهلهل والحارث بن عباد وانتهاء بأيام داحس والغبراء".

وبذلك أصبح الشاعر يتبوأ المكانة الأولى في قبيلته، فأضحى صوتها المؤثر والمدافع الأول عنها والمفتخر بمآثرها وأمجادها، حتى أصبحت مرتكزاً رئيسياً في توجيه الشاعر الفكري، فأفرَدَ الشعراء القسم الأكبر من قصائدهم للتغني بقيم الفروسية والبسالة، على الرغم من مرارة الصراع المؤلم الذي تملكهم من ويلات الحرب. فقد جمعوا بين النزوع العاطفي الذي يسمو إلى فناء أعدائهم، والصوت الخفي العميق الذي قبّح الحرب وصرّح بكراهيتها، وهذا ما أودع تفاصيله امرؤ القيس الذي خاض غمار حروب طويلة مع قبيلة أسد التي أقدمت على قتل والده حجر، وما أعقب ذلك من حروب مستمرة، قاد فيها الشاعر قبيلة كنده ثأراً لمقتل أبيه. عبّر عن تجربته الطويلة في الحرب، فرسم لها صورة قبيحة عندما شبه الإقدام عليها بالفتاة الجميلة، حتى إذا بلغت مداها وشبّ أوارُها كشفت عن حقيقتها، فإذا بها عجوز مشؤومة قبيحة ومكروهة:

الحرب أولُ ما تكون فتيةً/ تسعى بزينتها لكُلَّ جهولِ

حتى إذا اسَتعرت وشب ضرامها/ عادت عجوزاً غير ذات خليلِ

شمطاء جزّت رأسها وتنكرْت/ مكروهةً للشم والتقبيلِ

قال ابن سلام: "جاء الإسلام فتشاغلت العرب عن الشعر، تشاغلوا عنه بالجهاد، وغزو فارس والروم، ولُهيتُ عن الشعر وروايته". هذا القول لم يقتصر على ابن سلام وحده، وإنما تابعه فيه كثير من الدارسين حتى استحال صدر الإسلام لدى بعضهم إلى عصر ركود أدبي. وكل ما كان من آثار لمجيء الإسلام على الشعر أنه حاول تغيير مهمته في الحياة العربية، وتزويده بقيم وأهداف جديدة تتفق وطبيعة الفكرة الإسلامية. على حد تعبير الدكتور النعمان عبد المتعال القاضي، في كتابه "شعر الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام": "ومن ثم كان على الشعر أن يطرح عنه مفهومه القديم، وأن يتقيد بقيم معينة فرضها الدين الجديد، وأن يستهدف غاياته الرفيعة إذا أراد أن يكون له وجود في هذه الحياة الجديدة، وإلا كان من الخير أن يصمت". وبذلك تحوّل الشعر العربي من التغني بحروب القبيلة في وقائع الغزو والثأر نحو التغني بالفتوحات الإسلامية، وإلا فليصمتوا! إذن، مثل كل العصور، كان على الشعراء والأدباء تغيير انتمائيتهم مع تغيير الحكام.

وقد كان أكثر من أتقن التلون الأدبي، شعراء العصر الأموي والعباسي، فقد تغنوا بحروب من أكثَرَ لهم الجزل، وفي هذا السياق لا مثال أبلغ من حالة المتنبي حين تغنى بسيف الدولة الحمداني، حيث مثّلت قصائده في مدح سيف الدولة ثُلْثَ شعره، فيقول: يُكـلّفُ سَـيفُ الدَولَـةِ الجَـيشَ هَمّـهُ/ وقـد عَجَـزَتْ عنـهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ. لكنه أيضاً تغنى بتمجيد الحرب من أجل متعة القتل، حين قال:

ومَنْ عَرَف الأيَّامَ معرفتي بها/ وبالناس رَوَّى رُمْحَه غيرَ رَاحم

فليسَ بمَرحُومٍ إذا ظَفِروا بهِ/ ولا في الرَّدَى الجاري عليهم بآثمِ

وهذا المعنى خطير، إذ لا يُؤَسِّس للعنف المتبادل كقانون حياة فحسب، وإنما يمنح الضمير إجازة مفتوحة ليرتكب الإنسان كل جريمة تخطر بباله. حيث يقول صراحةً: اقتل أكبر عدد من الناس بلا رحمة، اجعل رمحك يرتوي من دمائهم، لا ترحمهم لأنهم لن يرحموك لو كانوا بموضعك، ولا تحسب أنك آثمٌ بقتلهم، اقتلهم بضمير مرتاح، لأن موتهم محتم على يدك أو يد غيرك!

وقد بين الدكتور عبد الرحمن بن ناصر الهواوي، في كتابه "الحرب وأدواتها في شعر المتنبي" أن أبا الطيب المتنبي تغنى بالبطولة والإقدام في شعره، كما تطرق أيضاً إلى الحالات المختلفة التي تقام فيها الحروب والأغراض التي من أجلها تنشب، وأشار كذلك إلى الحرب النفسية ووصف الجيوش الهازم منها والمهزوم، ووصف سلوك الفرسان قبل وأثناء وبعد المعركة، والوقت الذي تبدأ فيه الحرب، وأشار أيضاً إلى الكلمات والنداءات المعينة التي تُقال للمناداة لخوض غمار الحرب، وأشار أيضاً إلى الأمثال المتعلّقة بالحروب، وهذا غيض من فيض من شعر أدب الحروب.

ألكل ما سبق، ينبش الأدباء، منذ فجر التاريخ، جثث الحروب ويعبثون بها؟! هل الفواجع والنوائب مثيرة لدرجة التحرش بخيال الكاتب الذي يغوص في رتابة الحياة، حتى تأتي الحروب وتنتشله من غرقه المتململ، فتعيد له أقلامه المنقطعة عن الإبداع وتفتح رئتيه على مصراعي الكتابة؟ هل أدب الحرب أدب مستقل نابع من تكثف العواطف والأحداث المؤلمة فيتفجر إلهام الكاتب، أم أن الحرب غنية بأحداث مفجعة قادرة على تحريك خوالج كل من الكاتب والقارئ؟ هذا إذا افترضنا حيادية أدب الحرب، وعدم تورطه مع أحد الأطراف أيديولوجياً أو لمن يجزل له العطاء. غير أني اكتشفتُ من خلال بحثي عن ماهية أدب الحرب، كما من تجربتي الشخصية في بلد يرزح تحت الحرب منذ عشر سنوات، أن البشر يبحثون عن مخرج لحروبهم الداخلية التي لا يمكن مشاركتها مع الآخر وخروجها للعلن إلا في ظروف استثنائية قاهرة...كالحرب وأخواتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard