ذكريات من مكتب "نيويورك تايمز" في بغداد... العيون الزرقاء والبنية قد لا تريان الشيء ذاته

الخميس 19 نوفمبر 202010:06 ص

كانت خطواتي الأولى وأنا أجتاز مدخل مكتب "نيويورك تايمز" في بغداد عام 2004 فاتحة لتجربة صحافية لطالما حلمت بها، وأثبتت الأيام أنها كانت أيضاً تجربة إنسانية ثرية أضافت لي بعداً آخر في فهم وتحليل الحياة، حين خالطت لسنوات هؤلاء الغرباء الذين جاؤوا عبر القارات ليكتبوا عنّي وعن بلدي.

كان المجتمع الصحافي في المجمّع المكوَّن من بيتين، والمحمي بأسلاك شائكة وحراس عراقيين بالعشرات وأبراج حماية، نموذجاً مثيراً وغريباً عمّا أسفر عنه الغزو العاصف للعراق في 2003، والذي أسقط نظام حكم ظَلّ حتى ذلك الوقت راسخاً في أذهان العراقيين كقدر لا أمل في الخلاص منه. كان الأمل في 2003 عالياً في مستقبل أفضل، ولكن القادم أصبح أسوأ.

جرى قبولي في العمل سريعاً، فلغتي الإنكليزية جيّدة، وعملي السابق مع أكثر من وكالة إعلامية في مشاريع مؤقتة أهّلني لأصير فرداً من غرفة الأخبار ثم أتسلم إدارتها بعد أقل من شهرين. وكان من مهام عملي التنسيق بين الفريقين العراقي والأمريكي في مهمات التغطية ومتابعة الأخبار، ثم تطوّرت الأمور بعد ذلك إلى اتخاذ قرارات بأولويات المتابعة لهذا الخبر أو ذاك، بعد أن قلّص التدهور الأمني تواجد الأمريكيين في الشارع، وأصبحت التغطية تعتمد بشكل كبير على عمل العراقيين الذين لا يثيرون الشبهات بتواجدهم في أماكن الأحداث.

مجتمعان مختلفان

كان العمل يمضي أحياناً بسلاسة، وفي أحيان أخرى، كانت رؤى الطرفين تتصادم. كان فريقا العمل يمثلان مجتمعين مختلفين بشكل جذري: مجتمع شرقي عاش منقطعاً عن العالم لسنوات طويلة تحت حصار خانق من الخارج، وقبضة حديدية كانت ترى حتى في أجهزة استقبال المحطات الفضائية عدواً مخيفاً؛ ومجتمع منفتح جاء عبر المحيط لينقل الصورة إلى قرّاء لم يكونوا يعرفون حتى أين يقع العراق على الخريطة قبل الغزو، ناهيك عن فهم تعقيدات هذا المجتمع الغارق في العزلة والمسافر دوماً عبر التاريخ.

تنوّعت خلفيات الصحافيين الأمريكيين الذين قَدِموا لتغطية أخبار الحرب في العراق، ولكن ما جمعهم كان الرغبة في رؤية أسمائهم على الصفحة الأولى من نيويورك تايمز، وهو ما يعني نجومية مباشرة في الصحيفة التي تُعَدّ من القلائل التي توضع على مكتب الرئيس الأمريكي كل صباح. هذا النهم للشهرة لم يكن يعطي مجالاً كبيراً لدراسة وفهم المجتمع، فالوقت محدود، والطموح حارق، وموعد التسليم للمقالات قريب، والخلفية الثقافية عن هذا البلد تكاد تكون معدومة. أضف إلى كل هذا روحاً استشراقية متعالية عند البعض تجاه مجتمع متأخر يرون أن الولايات المتحدة تبذل جهدها ومالها لرفعه إلى مصاف التحضر.

أما العراقيون، فكانوا يتعاملون في بدء عملهم بروحية العربي الذي يرى في الغرب رائد الحضارة ومتفوقاً في كل شيء، ولكنهم سرعان ما اكتشفوا أن الأمريكيين أيضاً بشر عاديون، يخطئون ويصيبون، ويغارون ويغضبون، وينهمكون في النميمة أحياناً، ويتعاملون بروحية التفوق، ويضحكون ويتباسطون مع العراقيين بل ويساعدونهم أحياناً.

شتيمة بَنَت موضوعاً

في أحد الصباحات في مكتب الجريدة، طبعت، كالعادة، مقالاتنا اليومية التي تم تحريرها في نيويورك ووضعها على الموقع الإلكتروني. كان من المثير لاهتمامنا كل يوم أن نرى كيف وأين جرى قلم المحرر تعديلاً وتركيزاً وتقديماً وتأخيراً في ما أرسلناه للصحافي من معلومات واقتباسات ولقاءات مع مسؤولين أو شهود عيّان عن أحداث اليوم الفائت.

كانت القصة الرئيسة يومها لصحافية أمريكية شابة تعمل في المكتب منذ ما يقرب العامين. وكانت تهتم بالمقالات المطولة عن المجتمع العراقي وتأثير الحرب عليه. وكان موضوع المقال الهوة الاجتماعية المتزايدة بين الشيعة والسنّة في العراق بسبب العنف الطائفي. قرأت المقال حتى منتصفه حين استوقفتني عبارة لطمت عيني بعنف. استدرت نحو زملائي العراقيين في غرفة الأخبار وطلبت أن يسمعوها منّي. قرأتها لهم وشاهدت احمرار الوجوه جميعها، لكل السنّة والشيعة الذين كانوا أعضاء فريق الأخبار العراقي.

"في بعض الأحيان، كانت هنالك محطات نتوقف فيها عند ردود أفعال الأمريكيين حين يكتشفون أن في العراق ما هو أبعد من صحراء، ونخيل ونساء مخمرات"

كانت الصحافية قد قابلت امرأة عراقية للحديث عن التمزق الطائفي، وفي معرض حديثها لها قالت إنها سمعت شخصاً في محطة للوقود كان يرمق بعينيه مجموعة من الشباب الذين تنطق لهجتهم بأنهم من إحدى مناطق بغداد الشيعية الفقيرة، وهم يتقدمون عليه في الطابور قائلاً: "هؤلاء الشيعة كانوا خدماً في الماضي، لقد كانوا يمسحون أحذيتنا والآن يتقدّمون أمامنا". اقتنصت العقلية الأمريكية هذا القول كدلالة ساطعة على الكراهية السنّية الشيعية المتجذرة في المجتمع منذ القدم، والتي تفسر لهم ببساطة لماذا نعاني من عنف طائفي في العراق، وقدّمتها بشكل حرفي ضمن الوجبة الإعلامية التبريرية للقارئ الأمريكي لتريح ضميره، وهي تظن أنها قامت ببحث أنثروبولوجي عميق وصلت فيه إلى إجابة من خلال حديث عابر في محطة للوقود. ولكن الأمر كان، من وجهة نظر العراقيين على الأقل، قالباً جاهزاً يعمل بعض الصحافيين الأمريكيين على حشر الكلمات فيه ليثبتوا وجهة نظر مسبقة، لا ليبحثوا عن إجابة.

كان الغضب عارماً في غرفة الأخبار لحظتها. فنحن مَن نساعد، ونقترح المصادر، ونترجم الكلام وما وراء الكلام أحياناً، ونجهز المادة الخام للمقالات التي تضعها نيويورك على الموقع الذي يقرأه الملايين عبر العالم. وهذه الصورة المجتزأة المهينة ليست حقيقية. من الممكن لأي شخص أن يقول كلاماً مهيناً نابعاً من خلفيته، والتعميم هنا مخلّ وغير دقيق.

ليس في هذا أية رومانسية ترفض حقيقة أن هنالك حساسيات طائفية، ولكن هذا الطرح بالتأكيد لا يصمد أمام حقائق التاريخ وعلم الاجتماع. فالعلاقات عبر التاريخ بين السنّة والشيعة في العراق من مصاهرة عائلية، وانصهار اجتماعي لا يمكن النظر إليها وفهمها بأي حال من زاوية ماسح أحذية بائس وسيّد مسيطر ومتعجرف. كانت مخاوفنا أن تتم ترجمة هذا المقال في الصحافة المحلية العراقية، وهو ما سيكون صباً للزيت على نار العنف الطائفي في وقت كان فيه القتل على الهوية مستعراً، ولم يكن أيّ منّا يريد أن تكون له أدنى مسؤولية عن هذا. تعالت التعليقات الغاضبة، فألقى أحدهم باللائمة على مَن ترجم هذه المقولة المسيئة للصحافية قائلاً: يجب أن ننتقي ما نقوله لهم، فهم إما أغبياء أو مغرضون. فيما صب آخرون غضبهم على الصحافية نفسها مستشهدين بحالات أخرى كانت تبحث فيها عن أقوال محددة مرسومة في بالها لتضعها في مقالاتها.

بلغت الفريق الأمريكي أخبار الغضب في غرفة الأخبار حول هذا المقال، وجاءني رئيس الفريق الأمريكي المؤقت حينها، وهو من أذكى مَن عملوا في المكتب وأكثرهم أدباً وحكمة، متلهفاً ليعقد اجتماعاً للجميع لمناقشة ما سمعه من رغبة العراقيين في فرض رقابة على الترجمة، وطمأنته بأننا محترفون ولن نقوم بهذا وأن الأمر لا يعدو تعليقاً غاضباً. ثم جاءت الصحافية نفسها إلى غرفة الأخبار، متجهمة الوجه واتجهت بخطوات غاضبة إلى مكتبي وقالت لي:

ـ في المرة القادمة، أفضل أن تقول لي ما تريد قوله مباشرة.

ـ لو كنت أريد الكلام معك لفعلت، لست خائفاً من شيء.

ـ ما مشكلتك؟

ـ هل يمكنك أن تجولي في شوارع نيويورك بحثاً عن شتائم عن السود أو اليهود من أشخاص عابرين لا يعرفهم أحد ثم تعودين لتضعي هذا الكلام في مقالة في نيويورك تايمز للتعبير عن المشاكل العرقية والدينية؟

ـ الأمر مختلف هنا.

ـ لماذا؟ لأن هناك خطوطاً حمراء ومعايير في أمريكا، أما هنا فالعراقيون مستباحون.

ـ هذا الكلام لن يوصلنا إلى شيء. عن إذنك.

"كان العمل يمضي أحياناً بسلاسة، وفي أحيان أخرى، كانت رؤى الطرفين تتصادم. كان فريقا العمل يمثلان مجتمعين مختلفين بشكل جذري: مجتمع شرقي عاش منقطعاً عن العالم لسنوات... ومجتمع منفتح جاء عبر المحيط لينقل الصورة إلى قرّاء لم يكونوا يعرفون حتى أين يقع العراق"

وانطلقت عائدة إلى مكتبها في البيت الثاني من المجمع وهي تظن أنها أضاعت وقتها بالحديث مع عراقي محدود التفكير لا يفهم أصول العمل الصحافي ويعيش في حالة إنكار لما يموج به مجتمعه من كراهية طائفية. ولم أكن في حالة إنكار إطلاقاً، ولكنّي كنت مقتنعاً أن الأمر يستحق ما هو أعمق من شتيمة قالها مجهول في محطة وقود.

هذه الصحافية نفسها كانت قد جاءتني في الصيف الذي سبق هذه الحادثة لتشاركني أحد انطباعاتها. كانت عائدة من مقابلة في الخارج، وتوجهت إلى مكتبي مباشرة، وخلعت الحجاب الذي كانت تضعه لأسباب أمنية وقالت بزفرة عميقة لي: أنتم العراقيون شجعان إلى درجة لا توصف. سألتها باستغراب: لماذا تقولين هذا الكلام؟ قالت لي: كنت الآن في زيارة لامرأة شابة قُتل زوجها في انفجار قبل أشهر وترك لها خمسة أولاد، واضطرت إلى الخروج للعمل لتعيلهم دونما مساعدة من أحد، وهي تحمل الآن كل تلك المسؤولية التي سقطت على رأسها فجأة. لو كان أحد والديّ في هذا الموقف لأقدم على الانتحار.

أبعد من الصحراء

في أحيان أخرى، كانت هنالك محطات نتوقف فيها عند ردود أفعال الأمريكيين حين يكتشفون أن في العراق ما هو أبعد من صحراء، ونخيل ونساء مخمرات. في أحد أيام 2006، جاءتني صحافية أمريكية أخرى كانت قد بدأت العمل منذ فترة قريبة وهي تحمل قصاصة ورق في يدها. قدّمت لي القصاصة وقالت لي: هل تعرف هذا الاسم؟ كان مكتوباً على الورقة بالإنكليزية: نازك الملائكة. أجبتها: بالطبع. كانت الشاعرة الكبيرة قد توفيت يومها في القاهرة. قالت لي: هل يمكن أن تكلف أحداً من الفريق العراقي بالعمل معي على كتابة رثاء عنها؟ أجبتها: كلا. ردت بدهشة: لماذا؟ قلت لها: لن يعمل أحد على هذا الموضوع غيري. ابتسمت وقالت: ما الذي تعرفه عنها؟ لا أدري لماذا وقفت حينها من جلستي على المكتب لأتكلم معها، واستفضت في الحديث بحماسة عن هذه الموهوبة الخجولة التي أورقت على يديها بساتين الشعر العربي الحر، والتي أكملت الماجستير في أمريكا في خمسينيات القرن الماضي، ثم عادت لتدرّس وتملأ الدنيا شعراً حراً وعمودياً وتتبوأ أرقى مكانة لشاعرة عربية في القرن العشرين.

"هل يمكنك أن تلخص لي هذا الكلام بإيميل من فضلك؟"، قالت الصحافية بحماس ظاهر، ربما كان مدفوعاً بانفعالي وأنا أتكلّم عنها. عملنا سريعاً على تفاصيل عن حياتها، وأعطيتها ما يمكن أن يكون مثيراً لاهتمام القارئ الأمريكي. وحين طلبت منّي أن أزودها بشيء من شعرها بالإنكليزية، اخترت جزءاً من قصيدة "غسلاً للعار"، وكان التحدي أنني أترجم للمرة الأولى في حياتي شعراً وهو لشاعرة بقامة نازك الملائكة. أعجبتها القصيدة، ونُشر الرثاء بعد أيام. في يوم النشر، جاءتني الصحافية إلى غرفة الأخبار وفي يدها ظرف صغير، وقالت لي هذا لك وغادرت. وجدت في الظرف بطاقة صغيرة خطت عليها هذه الكلمات: "شكراً لك يا علي على الشعر، وشكراً لأنك فتحت لي نافذة على عراق لم أكن أعرفه".

كان هذا المجمع لا يحوي بيتين فقط، بل عالمين أيضاً. تقترب المسافة بينهما أحياناً لحد التلاحم، كما حدث مثلاً حين فاز الفريق العراقي ببطولة كأس آسيا عام 2007، وكانت الفرحة الأولى بعد سنوات من الدم والألم، وكان مديرنا الإنكليزي المدمن على كرة القدم يقفز فرحاً في غرفة الأخبار بين العراقيين وهو يهتف: لقد فزنا. جاء بعدها المحرر الأمريكي المكلف بمقال اليوم لتغطية هذه الفرحة العراقية الفريدة التي وحّدت العراقيين ليسأل عن لاعبي الفريق ومَن فيهم الشيعي، والسنّي والكردي. لم أكن أعرف، ولم يكن أحد في غرفة الأخبار يعرف، واستغرب المحرر، وقلت له نحن فعلاً لا نعرف هذه المعلومات عن الفريق كله. نعم، يمكننا أن نخمن من بعض الأسماء مَن هو الكردي ومَن قد يكون سنّياً أو شيعياً، ولكن بالمجمل ليس لدينا خريطة عرقية وطائفية لفريق العراق. واضطررت إلى الاتصال ببعض الأقرباء والأصدقاء لأسأل وأتأكد، فالأسماء قد لا تبوح بالمذاهب في كثير من الأحيان. وكنت أشرح، بلهجة المعتذر، وأنا أسأل، أنها للتوضيح للقراء الأمريكيين بأن العراقيين يمكنهم أن يلعبوا معاً كفريق موحّد ويفوزوا كما كانوا من قبل، وأن تاريخهم لم يبدأ مع العنف الطائفي.

كما تلاقينا في الأحزان حين اغتالت الميليشيات مراسلنا في مدينة البصرة فاخر حيدر، وبعد ذلك بسنتين اغتالت زميلنا الأصغر سناً في غرفة الأخبار في بغداد خالد حسن والذي كانت يستعد للزواج. اجتمعنا يومها كلنا، عراقيين وأجانب في لحظة حداد توحدت فيها الدموع ووخزات الألم.

وفي أوقات أخرى، كانت الهوّة بيننا العميقة تذكّرنا بأننا نعمل مع قادمين عبر المحيط، وأن العيون الزرقاء والبنية قد لا تريان الشيء ذاته حتى وإنْ وقعت عليه أبصارهما في نفس اللحظة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard