"القشابية" الجزائرية… لباس يقاوم الغزاة والشتاء ويتباهى به الوزراء والرؤساء

الاثنين 16 نوفمبر 202004:16 م

على مدار 30 سنة، كانت يوميات الخالة مليكة (60 عاماً) متشابهة ومكرَّرة. فبعد أدائها صلاة الفجر وارتشاف فنجان قهوة، تلتحق بغرفتها الصغيرة، حيث "السداية" آلة يدوية تحيك الصوف وأدوات أخرى كالقرداش، والمغزل، وإبرتها وخيوطها. كل شيء داخل هذه الغرفة يرمز للأصالة، ويستحضر عبقاً مميزاً من ذاك الزمن الجميل.

لم تعرف مليكة غير هذه الحرفة، التي ورثتها عن والدتها وجدتها، وتمارسها بشغف، وفرح، وتسعى جاهدة لتعريف الأجيال الجديدة بها.

تعود مليكة إلى ذكريات بداياتها مع "القشابية"، حينما كانت فتيّة، تقول لرصيف22 إنها كانت تساعد جدتها، ووالدتها على خياطة القشابية للمجاهدين خلال الثورة التحريرية، فكانت تحميهم من البرد، وموجات الصقيع في الجبال والغابات، التي تكسوها الثلوج في فصل الشتاء، كما أنها كانت تستعمل وسيلة لإخفاء السلاح والتمويه في ظل المستعمر الفرنسي.

وتُؤكدُ مليكة، تسكنُ في مُحافظة "تيارت" عاصمة الرُستميين، أن "القشابية" تعتبر موروثاً تاريخياً لا يمكنُ الاستغناء عنه في العديد من المُحافظات، يتوارثه السُكان أباً عن جد، ولم يتأثر هذا اللباس بعوامل الموضة المستوردة.

وتشير مليكة إلى أنّ هذه الحرفة كانت، ولا تزال تشكّل لكثير من العائلات، خاصّة الشباب المتخرجين حديثاً، من الجامعة مصدر رزق، ودخلاً مهماً.

ويتفق معها بن محمد طارق، أحد باعة القشابية، في منطقة حاسي بحبح بمحافظة الجلفة (320 كيلومتراً جنوب العاصمة الجزائر)، ويقول لرصيف22: "برغم أنّ المُوضة فرضت نفسها بقوة في الوسط الذكوري في السنوات الأخيرة، غير أن القشابية أو الجبة الرجالية الجزائرية، تُعتبرُ اللباس التقليدي الوحيد، الذي لا يزالُ يفرضُ وُجوده، وهو القاسم المُشترك بين الأغنياء والفقراء في الجزائر".

لباس الثوّار

يعمل بن محمد طارق، في العقد الثاني من عمره، ويقطن في حي الوسط بمدينة حاسي بحبح، في مجال تسويق القشابية مُنذُ خمس سنوات تقريباً، بعد فشله في الظفر بمنصب عمل لائق، رغم أنه خريج جامعة جزائرية.

يتحدث طارق عن هذا اللباس بشغف لأنه يُصنفهُ في خانة "الأزياء التقليدية التي تدافع عن الهوية الوطنية وتُقاوم العولمة"، ويقول لرصيف22: "لهذا اللباس سحر مميز، خاصة عند أجدادنا، الذين عايشوا الثورة التحريرية المباركة بحلوها ومرها، فلا يمكنهم تركه أو استبداله بأي لباس آخر، لأنه اللباس الرسمي لثوار الجزائر، فساعدهم على تحمل ظروف الطبيعة القاسية في الجبال، والغابات، التي تعتبر أحد أهم معاقل الثورة التحريرية الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي في الفترة الممتدة بين عامي 1954 و 1962".

كانت مليكة تساعد والدتها وجدتها على خياطة القشابية للمجاهدين ضد المستعمر الفرنسي، فكانت تحميهم من البرد في الجبال والغابات، وكانت تستعمل وسيلة لإخفاء السلاح والتمويه

ويُضيف طارق: "القشابية تُعتبرُ من الأزياء التقليدية الشائعة في المناطق التي تُعرفُ بانخفاض درجات الحرارة، وتتساقط الثلوج فيها بكثافة كالجلفة، والأغواط، وغرداية، فهي عبارة عن عباءة ثقيلة مصنوعة من وبر الإبل ومخلوله (مولود الجمل يتراوح عمره بين عشرة وإثني عشر شهرًا)".

ويعزو طارق غلاء سعر القشابية "التقليدية" لصناعتها من الوبر الخالص، إذ يراوح سعرها بين 900 و4000 دولار أمريكي، يقتنيها كبار المسؤولين في الدولة في مقدمهم رئيس الدولة، يقول طارق: "يرتديها الوزراء حتى رئيس الدولة في المناسبات والزيارات الميدانية التي يقومون بها، وعادة يقدمونها هدية للوفودالأجنبية القادمة إلى الجزائر، بينما هُناك أنواع أُخرى تعتبر أقل ثمناً، وتقي هي الأُخرى برد الشتاء، وبرها في الغالب مستورد من الصين وتركيا كقشابية الكتان والكاشمير".

ويُؤكد بن محمد أن "القشابية الجلفاوية" نسبة إلى مُحافظة الجلفة، التي تتميز بقساوة الطقس في فصل الشتاء، وكثرة موجات الصقيع المنتظمة، تعتبر الأغلى والأكثر جمالاً وشُهرة.

ويتابع: " في زمن الجدات، لم يكن أي بيت يخلو من مختلف معدات النسيج، مثل: الخلالة، والقرداش، والمغزل، لكن هذه الآلات التي رافقت طيلة قرون المرأة بدأت تندثر، بسبب الزحف التركي والصيني، فالكثيرون أصبحوا يُفضلون اقتناء السلع المُقلدة، بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بأسعار الأصلية".

ويشكو طارق من قلة المعارض الخاصة بالحِرف، والصناعة التقليدية للتعريف بحرفتهم، والاستمرار في مزاولتها، ويُؤكد أن الكثير من أصحاب هذه المهن يلجؤون إلى مواقع التواصل الاجتماعي لتسويق منتجاتهم، ويختم: "رغم غلاء المادة الأولية، والصعوبات الأخرى، سنواصل تسويق هذا اللباس التقليدي، ونسعى لتطويره والرقي به".

"صناعتها صعبة"

ويرى عمر بن عيسى، شاب في العقد الثالث من عمره، يقطن في مدينة مسعد، إحدى المدن التابعة لمحُافظة الجلفة، التي تشتهر بهذا اللباس التقليدي، أن "القشابية" تعتبر اللباس الوحيد للأغنياء والفقراء. يقول بن عيسى، وهو مشرف على صفحة في فيسبوك مختصة في تسويق وبيع "القشابية" لرصيف22: "إنها منافسة لكل الألبسة الشتوية المتوفرة في السوق المحلية لأنها محصَّنة من البرد الشديد والصقيع، خاصة المصنوعة من صوف الغنم أو وبر الإبل أو مخلوله، إذ يصل سعرها إلى قرابة 10 ملايين سنتيم أي ما يعادل 1000 دولار أمريكي".

وكان قد لاحظ بن عيسى في السنوات الأخيرة تراجع إقبال الفتيات على تعلم هذه الحرفة، وأرجع ذلك لعدة أسباب، أبرزها: صعوبة تعلمها، فتعلم هذه المهنة ليس سهلاً إطلاقاً، هي تحتاج إلى بذل جهد بدني وذهني، لأنها تتم عبر مراحل عديدة، أولاها زج الإبل أو مخلوله للحصول على الوبر الذي ينتشر بكثافة في الجهة العلوية، وتحصل عملية الجز يدوياً بالمقص، ثم يُدوّر بطريقة يدوية، ليجفف بعد غسله، ثم تنطلق مرحلة الغزل والنسيج باستعمال "القرداش" و"الخلالة" و"المغزل"، الذي يستخدم في غزل الصوف.

يعزو طارق غلاء سعر القشابية "التقليدية" لصناعتها من الوبر الخالص، إذ يراوح سعرها بين 900 و4000 دولار أمريكي، يقتنيها كبار المسؤولين في الدولة، والوزراء، خاصة في الزيارات الميدانية

ويُشير بن عيسى إلى أن عملية صنع "قشابية" تستغرق أكثر من ثلاثة أشهر، لأن عملية النسج تستغرق شهراً، لذلك تعتبر القشابية التقليدية هي الأغلى مقارنة بالسلع الصينية المقلدة، والتي تباع في الأسواق المحلية بأسعار منخفضة، نظراً لنوعية وبرها.

ويلفت إلى أن الحرفيين في هذا المجال تحدثوا عن طريقة تصميمها في شكل معاطف تناسب أذواق الشباب، ولقيت هذه الفكرة رواجاً كبيراً في السوق الوطنية، وأصبحت مطلوبة حتى من السياح الأجانب، كما أنها تُسوَّق إلى دول مجاورة، مثل: تونس، والمغرب، وليبيا عن طريق التجار القاطنين في المحافظات الحدودية.

ويختم بن عيسى حديثه أن هناك عدة أنواع من القشابية تنسب إلى المُحافظات التي تصنعُ فيها، فهناك "القشابية المسعدية" نسبة إلى مدينة مسعد في محافظة الجلفة، و"القشابية النايلية" نسبة إلى عرش أولاد نايل، و"القشابية الجلفاوية" نسبة إلى محافظة الجلفة، و"القشابية الأغواطية"، و"القشابية المسيلية"، وكلها تصنع من الوبر وصوف الأغنام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard