إصلاح جيوش الشرق الأوسط: دروس من تجربة إندونيسيا

الأربعاء 11 نوفمبر 202001:03 م


أثارت غارة القوات الخاصة الإندونيسية عام 2013 على أحد السجون في تلك الدولة جدلاً مُتجدداً حول الحاجة إلى مزيد من إصلاح القوات المسلحة وإخضاعها للقوانين المدنية والتزام استخدام الجيش للاغراض التي بني من أجلها: حماية البلاد كلها، بعد 15 عاماً من نهاية الحكم الاستبدادي في جاكرتا. يوضح هذا الأمر صعوبة المسار الذي يتعين على دول ما بعد الربيع العربي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تتخذه.

ألقت غارة القوات الخاصة الإندونيسية تلك وتنفيذ إجراءات إعدام، بعد محاكمة وجيزة وصورية لأربعة سجناء من قبل أفراد القوات الخاصة المدججين بالسلاح، الضوء على الخطر الذي ينطوي عليه الفشل في الإصلاح الكامل للجيش في إندونيسيا. أثارت المداهمة وما تلاها من اتهام لأحد عشر ضابطاً في سلاح القوات الخاصة، فضلاً عن حوادث أخرى وقعت أخيراً وتورطت فيها قوات الأمن، جدلاً حول طبيعة وشروط إصلاح القوات المسلحة بما في ذلك حقيقة أن أعضاءها مسؤولون أمام المحاكم العسكرية وليس أمام المحاكم المدنية. أثبتت سجلات وتاريخ تلك المحاكم أنها متساهلة في الحكم على الجنود المتهمين بالقتل.

تغيير ثقافة الإفلات من العقاب

يلقي المهتمون بالأمر باللائمة في وقوع تلك الحوادث على فشل الإصلاح الداخلي لمسار العمل وثقافة القوات المسلحة الإندونيسية. في قلب ذلك الجدل حول ما يحصل في إندونيسيا تكمن أسئلة من المؤكد أنها ستُثار في دول منطقة الشرق الأوسط مثل مصر حيث يتعرض الحياد المزعوم للقوات المسلحة خلال فترة الربيع المصري التي قادت للإطاحة بالرئيس السابق السيد حسني مبارك عام 2011 لانتقادات متكررة. أكدت التسريبات الأخيرة لتقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها الرئيس السابق محمد مرسي أن الجيش قتل بعض المتظاهرين وعذب آخرين خلال فترة الانتفاضة، وهي اتهامات تنفيها قيادة القوات المسلحة.

لكن جماعات حقوق الإنسان تتهم الشرطة وقوات الأمن بمواصلة الاعتقال التعسفي وتعذيب المشتبه بهم، بينما يعتقد مشجعو فرق كرة القدم المتشددون أن هذه القوات، إلى جانب الجيش، كانت مسؤولة عن مقتل 74 شخصاً عام 2012 في شجار مشحون سياسياً حصل في ملعب كبير في مدينة بورسعيد.

عدم تطبيق السيطرة المدنية الكاملة على القوات المسلحة في إندونيسيا وتركيا يحدّ من سلطة الدولة التي تسعى إلى ترسيخ نفسها كمحفز للحكم الديمقراطي. على الدول العربية تغيير ثقافة الإفلات من العقاب المنتشرة في الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة

تُسلط تجارب دول مثل إندونيسيا وتركيا التي كافحت طوال سنوات لتغيير ثقافة الإفلات من العقاب المنتشرة في الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة الضوء على قضايا تتجاوز مجرد الحديث عن حقوق الإنسان أو تطبيقها. لقد سبب عدم تطبيق السيطرة المدنية الكاملة على القوات المسلحة في إندونيسيا وتركيا الحد من سلطة الدولة التي تسعى إلى ترسيخ نفسها كمحفز للحكم الديمقراطي.

تمس أنظمة العدالة الموازية بسلطة القانون وسيادته. أدى الافتقار إلى السيطرة المدنية الكاملة على القوات المسلحة في مصر إلى استمرار وجود أنظمة خارج نطاق القانون في دولة عميقة، وتتمثل تلك الأنظمة بشبكة من المصالح السياسية والعسكرية والتجارية المُكتسبة، على غرار تلك التي كانت موجودة في تركيا والتي استغرق اقتلاعها عقوداً من المجتمع، والتي هددت تحقيق التغييرات السياسية والاقتصادية التي طالب بها الاتحاد الأوربي. تقود المصالح الاقتصادية المُكتسبة من قبل القوات المسلحة إلى تشويه اقتصاديات الدول بسبب الامتيازات المالية الخاصة وحصول المؤسسات الاقتصادية المملوكة لتلك القوات على المعلومات الداخلية أفضل من منافساتها المدنية.

أعادت الغارة التي شنتها القوات الخاصة الإندونيسية، المعروفة باسم كوباسوس، المخاطر التي تحف بعملية إصلاح القوات المسلحة وقطاع الأمن إلى الواجهة مرة أخرى. قامت قوات كوباسوس بالهجوم على سجن في مدينة يوجياكارتا في 23 آذار/ مارس الماضي وقام منتسبو هذه القوات "بإحقاق العدالة" بأيديهم من خلال إطلاق النار على أربعة معتقلين متهمين بطعن رقيب حتى الموت أثناء شجار في حانة. قبل هذه الحادثة بأسبوعين، أحرق عشرات الجنود مركزاً للشرطة في جنوب جزيرة سومطرة وأصابوا 17 شرطياً رداً على إطلاق النار من قبل قوات الشرطة على جندي من وحدتهم العسكرية. جاءت هذه الحوادث عقب سجن ثلاثة جنود في منطقة بابوا في عام 2011 لتعذيبهم اثنين من المعتقلين.

تأجيج السخط

تثير مثل هذه الأحداث نقاشاً حول قضايا مشابهة من الممكن أن تواجه دولاً تمر بمرحلة ما بعد انتفاضات شعبية مثل مصر، وفي مقدمة تلك القضايا السؤال المتكرر: ما هو الإصلاح اللازم لتكييف الجيش وقوات الأمن مع مجتمع ديمقراطي، وما إذا كانت المحاكم العسكرية غير الشفافة قادرة ومستعدة للحفاظ على معايير حقوق الإنسان المقبولة. تطالب جماعات حقوق الإنسان في إندونيسيا بأن يخضع أفراد الجيش للمساءلة أمام نظام القضاء المدني. يُغذي الفشل حتى الآن في إلقاء القبض وتطبيق القانون بحق العسكريين والأمنيين المسؤولين عن وفاة ما لا يقل عن 900 شخص منذ الإطاحة بحكم الرئيس حسني مبارك، يغذي ذاك الفشل السخط لدى العديد من أبناء مصر.

مكّن عقد ونصف العقد من الممارسة الديمقراطية ووجود وسائل إعلام حرة إندونيسيا من مناقشة فعالية الإصلاحات السابقة علناً. إن استعادة قدر من الاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي في مصر التي مزقتها الأزمات، تتوقف جزئياً على إصلاح قطاع الأمن على الأقل، المؤسسة التي ليس لها التقدير العالي الذي يحظى به الجيش المصري بسبب دورها في فرض القمع في عهد حكم الرئيس مبارك.

أدى الافتقار إلى السيطرة المدنية على القوات المسلحة في مصر إلى استمرار وجود أنظمة خارج نطاق القانون في دولة عميقة. تتمثل تلك الأنظمة بشبكة من المصالح السياسية والعسكرية والتجارية المُكتسبة على غرار تلك الموجودة في تركيا والتي استغرق اقتلاعها عقوداً

كان قرار قيادة الجيش الإندونيسي على قيام القوات الخاصة الإندونيسية بتلك الغارة هو إعفاء القائد العسكري لمنطقة جاوا الوسطى من منصبه لإنكاره في بداية التحقيقات قيام القوات الخاصة بتلك الغارة. في المقابل، حذر المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر من الجهود المبذولة لتشويه صورة الجيش بناءٍ على حالات "مُتصورة" حول ممارسة القمع ضد وسائل الإعلام.

خلال فترة حكم الرئيس السابق السيد محمد مرسي، أدى عدم الثقة بجماعة الإخوان المسلمين التي كان ينتمي إليها، والتي عززها اعتماد الرئيس على قوات الأمن والجيش على الرغم من علاقاته المتوترة بشكلٍ متزايد مع القوات المسلحة، أدى ذلك إلى تقويض قدرته على المضي قدماً في تحقيق الإصلاحات الضرورية. وكما هو الحال في إندونيسيا، حيث حصل الضباط الأحد عشر الذين قادوا الغارة على السجن على موجة من الدعم لأن ضحاياهم كانوا من المتهمين بالاتجار بالمخدرات، فإن جهود إصلاح الجيش في مصر مُعقدة بسبب انقسام الرؤية المجتمعية حول الأمر، إذ يؤمن جزء كبير من المجتمع المصري بأن الحكم العسكري هو السبيل الوحيد لخروج البلاد من أزمتها.

خصائص مشتركة

ومع ذلك، فإن الأحداث الأخيرة في إندونيسيا تؤكد الحاجة إلى التعامل مع إصلاح الإجراءات الداخلية في القطاع العسكري والأمني​​، والمعايير الأخلاقية، والتعليم، والتدريب، والتعويضات للمتضررين. تتجاوز مثل هذه الإصلاحات المطلوبة قرارات استبدال القادة العسكريين، كما قام بذلك الرئيس محمد مرسي أثناء فترة حكمه وإقالة الرئيس اليمني السيد عبد ربه منصور هادي مجموعة من كبار الضباط المرتبطين بالرئيس المخلوع علي عبد الله صالح. كانت هذه القرارات مدفوعة إلى حد كبير بمحاولات الرئيس مرسي والرئيس هادي لاستخدام الجيش كأداة لتثبيت قبضتيهما على السلطة.

على غرار إندونيسيا، فإن مسألة الإصلاح العسكري في مصر مُعقدة بسبب النظرة العامة إلى قوات الشرطة والأمن، التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها ليست وحشية فحسب، بل أيضاً غير كفوءة وفاسدة. نقاش وطني ضروري في مصر ما بعد الانتفاضة

يشترك الجيشان الإندونيسي والمصري في الرغبة في الاحتفاظ بامتيازاتهما. رفض الأدميرال أجوس سوهارتونو، القائد العام للجيش الإندونيسي، الدعوات إلى تقديم الضباط الأحد عشر إلى محكمة مدنية وليس عسكرية. بالمثل، أصر وزير العدل المصري السابق السيد أحمد مكي في اجتماع مع نشطاء حقوق الإنسان في عام 2013 على أن وزارة الداخلية هي وحدها المسؤولة عن إصلاح قواتها الأمنية. قال أحد المشاركين في الاجتماع على تويتر إن تصريحات الوزير مكي كانت "أسوأ بكثير" من أي شيء سمعه من وزير العدل في عهد الرئيس مبارك.

على غرار إندونيسيا، فإن مسألة الإصلاح العسكري في مصر مُعقدة بسبب النظرة العامة حول قوات الشرطة والأمن، التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها ليست وحشية فحسب، بل أيضاً غير كفوءة وفاسدة. فشلت خمسة عشر عاماً من الممارسة الديمقراطية ووسائل الإعلام الحرة في إندونيسيا في تحقيق حل لمثل تلك المشاكل، ولكنها فتحت الباب واسعاً للنقاش الصحي الذي يحمل أفكاراً قابلة للتطبيق إذ من المرجح أن يؤدي ذلك إلى حصول تغييرات، ليس أمام القوات المسلحة خيار سوى المشاركة فيها. لكن يبدو أن جدوى هذا النقاش في دول الشرق الأوسط ما بعد الانتفاضات الشعبية لم تتجاوز الخطوات الأولى الضرورية للمضي إلى الأمام.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard