"هل صليت على النبي اليوم؟"... سؤال يضعنا في خانة المتخاذلين الكسالى

الثلاثاء 10 نوفمبر 202012:00 م

نلحظ اليوم سعيًا دؤبًا من الأحزاب والجماعات مثل الأخوان المسلمين، والسلفيين، والتكفير والهجرة وغيرها، إلى السلطة، التي تمثل بالنسبة لهذه الجماعات بوابة العبور نحو تحقيق طموحات كبيرة لها علاقة بإزالة الحدود الجغرافية بين الدول ومن ثم عودة الخلافة الإسلامية كمظلة كبيرة لجميع أهدافهم وتطلعاتهم.

وكما وضحت لنا أطروحات اللسانيات وما يعرف بتحليل الخطاب، كافة أشكال التعبير لا تكون نصوصا مغلقة على ذواتها ولكن رسائل تتجاوز البنية النصية إلى مناقشة كافة السياقات المحيطة والمنتجة للنصوص. وإذا ما حاولنا فهم خطاب هذه الجماعات الذي يأتيا عبر وسائل الإعلام وفي المساجد وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال تعاملاتنا اليومية مع أفراد ربما لا يدكون كونهم بعض منتجي هذا الخطاب، سنجده خطابا متعاليا يحاول دائما أن يصدر نفسه كحارس على الدين أو وصي عليه، وهذه الوصاية إنما جاءت له بوصفه الأكثر هداية والأشد التزاما. 

خطاب الجماعات الدينية المتشددة في مصر اليوم خطاب متعالي يحاول دائمًا أن يصدّر نفسه كحارس على الدين أو وصي عليه، فوقيّ تجاهنا نحن الذين حتمًا – طالما أننا لا ننتمي أيديولوجيًا لهم- متورطون في عملية الميل إلى الدنيا و"نزواتها"، غير معنيين برفعة الإسلام ومحاولة إعادة ملكه المنصرم وأمجاده البائدة

الزجر والترهيب وإلقاء اللوم 

ينسحب هذا الفهم على جميع أفعال وسلوكيات منتجي الخطاب، فتجد ذلك واضحًا في خطاب شيوخه ودعاته، فحديثهم يميل دائما إلى الزجر والترهيب أو على الأقل إلقاء اللوم على المخاطّب فيما وصل إليه حال المستمعين. كما ينسحب ذلك على نظرة فوقية دائما ما يتسلح بها منتجو الخطاب في مواجهة الآخر الذي هو حتما – طالما لا ينتمي أيديولوجيا لهم- متورط في عملية الميل إلى الدنيا ونزواتها، غير معني برفعة الإسلام ومحاولة إعادة ملكه المنصرم، وأمجاده البائدة.

يأمرك بالصلاة، يحقرك بالابتعاد عنها ويزجرك ويظهر بنبرات صوته كم أنت شخص بائس وحقير وتافه طالما لا تصلي

إن فكرة التحسر على أمجاد دولة الإسلام الضائعة تجعل منتجي الخطاب في حالة من العبوس والكدر الدائم مما يجعل حديثهم حديثا ملتهبا بأصوات جهورة وحناجر فولاذية ، والأمثلة على أولئك الدعاة أصحاب تلك الحناجر كثيرة ولعل أكثرهم شهرة الشيخ محمد حسين يعقوب الذي تلتهب جميع عروق رقبته ويحمر وجهه تماما من خلال أداء أداء مسرحي مبهر وهو يقول في إحدى تسجيلاته " صل" وينوع عليها فيقول " لازم تصلي" وكأنه وهو يأمرك بالصلاة، يحقرك بالابتعاد عنها ويزجرك ويظهر بنبرات صوته كم أنت شخص بائس وحقير وتافه طالما لا تصلي.

تمتلئ أغلب سلوكيات وأقوال منتجي الخطاب بتلك النبرة الواضحة للتقليل من الآخر وبيان عظم تفاهته، وهذا ينطبق كذلك بشكل خاص على عبارة انتشرت في وقت من الأوقات وراجت وحاول منتجو الخطاب تصديرها كأسلوب دعائي لطريق الالتزام الأوحد -حسب ما يظنون- وهي عبارة "هل صليت على النبي اليوم؟".

سنجد أولا ان هذه العبارة على بساطتها تخبيء كثير من المعاني، وتقف ببضعة من المفردات أمام كثير من المسكوت عنه في خطاب أعم وأشمل هو خطاب الإسلام السياسي الذي يقف بمثابة المظلة الحاضنة لكثير من العبارات والسلوكيات والظواهر التي ملأت علينا حياتنا.

"هل صلّيت على النبي اليوم؟" سؤال لا ينتظر إجابة في مصر، بل هدفه خلق مأزق وكأن السائل أكثر حرصا منك على معتقداتك، وكأنك في خانة المتخاذل الفاشل  

بداية يظهر لنا الخطاب موضع التحليل في صورة سؤال ينتهي بعلامة استفهام، إلا أنه لا ينتظر إجابة، فلا يعنيه منشؤه ان تضع أنت إجابة بنعم أو لا، كأن تقول " نعم صليت " أو " لا لم أصل" هو سؤال يخلق مأزقا ما، المفترض أن تنشأ عنه عملية مراجعة ذاتية لموقفك من التوجه الحاضن للعبارة، أعني تيار الإسلام المحافظ برمته باعتباره أكثر حرصا منك على معتقداتك وأكثر قسوة في محاولاته لجلدك أمام نفسك. ينشأ عن تلك المراجعة في الغالب عملية خسران وندم وإحساس بالدونية لأنك أصبحت رغمًا عنك في الطرف الآخر من معادلة دينية فرضت عليك قسرًا.

المصادرة الفكرية لحقنا في الإجابة

هو نوع من المصادرة الفكرية لحقك في الإجابة عن السؤال والإفصاح عن حقيقة معتقدك أو توجهك أو فكرك أمام خطاب يكرس للانصياع الأعمى وراءه. فالسؤال لا يعني "صلّ على النبي" وإلا فلماذا لم يكتب منشؤه "صل على النبي" وهي عبارة سهلة وبسيطة وشائعة وأقرب لاستنطاق الكثيرين بفحواها، فأنت عندما تجد "هل صليت على النبي؟" لا يجعلك هذا السؤال تصلي عليه "إن كنت مسلمًا طبعًا" بقدر ما يجعلك تجري مقارنة سريعة بينك وبين المنشئ الذي هو بالتأكيد أقرب منك الي الله وأولي بالصلاة على النبي منك وأكثر ذكرا وخشوعا إلخ.

إن كلمة "اليوم" توحي أيضا بكثير من المعاني، فهي تعني أن المنشئ يصلي على النبي كل يوم، هو "المنشئ" أكثر إخلاصا وورعا. هو السلطة تحاول أن تتحدث إلينا بنظرة فوقية تجعلها دائما الأصلح والأنفع والاأضل وتجعلنا نحن، مستقبلي الرسالة، نقف في خانة المتخاذلين والكسالى والمتقاعسين.

ينسحب هذا التحليل على جملة من السلوكيات والعبارات والأقوال التي طالما يصدرها لنا منتجو الخطاب من حين لآخر وكأنهم يذكروننا دائما بفارق –أرادوه– بينهم وبين الآخر الذي يحتل دائما المرتبة الأدنى في ثنائيات الحق والباطل والخير والشر والهداية والضلال... وغيرها من الثنائيات المستقرة في جهازهم المفاهيمي. إن المظلة الواسعة لهذا الخطاب لا تكف عن طرح أسئلة لا تقدم حلولًا بقدر ما تخلق أزمات وصراعات ومقارنات يظل الشعب المصري المتديّن هو الخاسر الوحيد أمام تيار يحاول أن يفرض سطوته السياسية باسم الدين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard