الغذاء الممزوج بالحبّ… عن أهمية حليب الأم

الأربعاء 4 نوفمبر 202002:40 م

هل سمعتم عما قيل عن الرضاعة المجانية؟ نعم ولكنها تبدو كذلك فقط حينما نتجاهل وقت الأم وطاقتها المبذولة في معمل الحليب الذي يحتويه جسدها.

يُقال إن كل أمٍ تستطيع الشعور بكمية الطاقة التي يولدها جسدها لصنع قطرة الحليب، كما تشعر بدواخل جسدها حرفياً عندما تروي بثديها طفلها المتعطّش لشرابه.

أصبح الناس يرون الحليب سائلاً عادياً، شيئاً مبستراً، معلباً، أو مسحوقاً ذا نكهة معالجة، لقد تخلّت الإنسانية عن الحليب الممزوج بالحب البشري مقابل الجهد وسرعة الإرضاع.

يعيش الأطفال ويكبرون لأن حليب أمهاتهم غذاء ودواء، فهو بالنسبة إليهم وجبة غذائية كاملة توفر جميع مقومات النمو التي تشكّل أدمغتهم وتمنحهم الطاقة اللازمة لجميع أنشطتهم، كما تتعيّش عليه ميكروبات تسكن القناة الهضمية للطفل الرضيع، ولذلك عند تناول الأم الحامل لوجبة طعام فهي لا تأكل لشخصين فقط، بل تأكل لإطعام تريليونات الكائنات الضرورية في جسم وليدها.

خلال مخاض الأم يتم إفراز هرمون الأوكسيتوسين الذي يلعب دوراً هاماً في الوقوع في الحب وسلوك الترابط وخلق ذكريات، والذي ترتفع مستوياته خلال الرضاعة الطبيعية أيضاً ليصبح الطفل جزءاً من جسد أمه مرة أخرى عن طريق الإمساك بثديها، حتى أنه يشعر أن ثديها جزء من جسده.

أصبح الناس يرون الحليب سائلاً عادياً، شيئاً مبستراً، معلباً، أو مسحوقاً ذا نكهة معالجة، لقد تخلّت الإنسانية عن الحليب الممزوج بالحب البشري مقابل الجهد وسرعة الإرضاع

أظهرت أبحاث طبية أن حليب الأم لا ينمّي جسم الوليد ويقوي مناعته فقط، بل يؤثر أيضاً على سلوكه وآلية تطور جهازه العصبي، كما تبيّن لعلماء مختبر الرضاعة المقارن في جامعة أريزونا الأميركية أن المجتمعات على اختلاف مكوناتها تتبع ثقافة استهلاكية وحلولاً ساذجة وتفتقد في أحكامها حول الرضاعة إلى طريقة التعامل الجاد وإدراك الفروق الدقيقة.

تضم المكتبة الوطنية لعلم الطب في العاصمة واشنطن 25 مليون مقال تشكل خلاصة علم الأحياء والأبحاث الطبية البيولوجية، اتضح للمطلعين أن ما كتب فيها عن حليب الأم أقل بكثير من المقالات التي تحكي عن القهوة والنبيذ والطماطم أو حتى عن الضعف الجنسي.

فهل البشرية تكون عاقلة عندما تعمل أقل على السائل الأول الذي يُعد أبناءها لمعركة الحياة؟

في عام 2015، اكتشف باحثون أن مزج حليب الأم بلعاب طفلها يُنتج تفاعلاً كيميائياً يدعى بيروكسيد الهيدروجين وهو سلاحٌ يواجه البكتيريا العنقودية والسالمونيلا، بينما الحليب المتبرّع به لأم جفّ صدرها أو الحليب المُشترى من متجر ليسا إلا وجبتين ناقصتين، علماً أن اختلاف أجسام الأطفال والمعدلات المتصلة بالنمو لديهم تشير لحاجة الطفل لحليب مخصص له دون غيره، وهو حليب أمه نفسها.

عالمياً تسع نساء من عشر يُنجبن طفلاً واحداً على الأقل في حياتهن، وهذا يعني أن قرابة 130 مليون طفل يولدون كل عام.

قبل 30 عاماًٍ وضعت منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع اليونيسيف معايير خاصة للمشافي تعتبر ملائمة للولادة وتوفر أكبر دعم لتغذية الطفل الرضيع. اليوم طفل واحد من خمسةفي الولايات المتحدة الأميركية يولد في مشفى ذي معايير مناسبة. 

ورغم أنّ الكثير من الأمهات أصبحن يتجهن للإرضاع من الثدي، فإن الكثيرات منهن لا يحقّقن أهدافهنّ من الرضاعة الطبيعية بسبب حالاتٍ طبية شائعة كالسمنة واضطرابات الغدد الصماء وحالات الولادة القيصرية المبكرة، وهذه جميعها حالات صحية من شأنها أن تهدد الأساس البيولوجي للإرضاع دون دعم طبي خبير.

ثمة أمهات يواجهن العديد من المشاكل في الإرضاع خلال الأيام والأسابيع الأولى ما بعد الولادة، كآلام الثّدي وسوء التقاطه من الرضيع وضعف الإدرار وطريقة معالجته دون توافر كوادر طبية تدرك ما يجب عليها القيام به، وذلك لأن الكوادر الجيدة تحتاج بشكل دوري لمعرفة جديدة حول أفضل طرق تعزيز الرضاعة الطبيعية.

الصدمات التاريخية والتحيّز الضمني للأم كثيراً ما يقفان حائلاً بينها وبين طبيبها، لذلك يقع على عاتق المرأة واجب الاطلاع بشكل دائم على أبحاث متعددة الجوانب في علوم الحياة والمجتمع.

الأمهات اللواتي عليهن العودة إلى عملهن سريعاً بعد الولادة لن يستطعن تكوين علاقة مع أطفالهن تسمح بتعزيز الرضاعة الطبيعية، لذلك يصبح الدعم المؤسساتي وتوفير إجازة للأمومة مسألة ضرورية لأن حليب الأم للرضيع هو جزء من تعزيز صحة الإنسان في المجتمع.

الأمهات اللواتي عليهن العودة إلى عملهن سريعاً بعد الولادة لن يستطعن تكوين علاقة مع أطفالهن تسمح بتعزيز الرضاعة الطبيعية، لذلك يصبح الدعم المؤسساتي وتوفير إجازة للأمومة مسألة ضرورية لأن حليب الأم للرضيع هو جزء من تعزيز صحة الإنسان في المجتمع

في وحدات العناية المكثفة للولادة عندما يولد الأطفال مبكراً أو مرضى، يمكن لحليب الأم ومكوناته الحيوية النشطة أن يكون معالجاً مهماّ، وفي حالة المجتمعات التي يزداد فيها خطر التعرض لأمراض معدية يصبح عنصر وقاية مدهشاً للرضيع.

الأماكن التي تشهد كوارث كالزلازل والأعاصير أو عدم توافر مياه صالحة للشرب يستطيع حليب الأم أن يمد الطفل بالغذاء والماء باستمرار، وفي حالات الأزمات الإنسانية، كما حصل مع الأمهات السوريات الهاربات من مناطق الحرب، فإن القليل من حليبهن لأطفالهن يحميهم من تحديات صحيّة كبرى.

كما أن العناق الذي توفره الرضاعة الطبيعية في الظروف القاسية يعزز التبادل الحميم للإشارات والاستجابات بين الأم ووليدها، إذ يتزامن مع الإيقاع البيولوجي بين ضربات قلبيهما ودرجات حرارة جسديهما، وهذا ما يقوي مناعة الرضيع في أسوأ الظروف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard