"إحنا نسجن منتسجنش"... قصة "حماده ننوس عين المستشار" الذي أشعل غضب المصريين

الاثنين 2 نوفمبر 202012:59 م

تصدّر وسم #حماده_ننوس_المستشار قائمة المتداول في مصر، وسط تعبير من المغردين المصريين عن غضب عارم إزاء تهاون السلطات المصرية في التعامل مع نجل مستشار انتهك القانون مراراً وتباهى عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالإفلات من العقاب استقواءً بمنصب والده القضائي الرفيع، قائلاً: "معندناش حد يتسجن، إحنا نسجن منتسجنش".

وأفادت مصادر لوسائل إعلام محلية بأن الطفل أعيد توقيفه وأربعة من رفاقه فجر 2 تشرين الثاني/ نوفمبر، وأنهم شوهدوا في حالة "بكاء وهلع".

أدى الفيديو الذي انتشر كالنار في الهشيم إلى غضب المصريين ومطالبتهم بمحاسبة الطفل "ابن المستشار"، حسبما ذكر أحد رفاقه للعسكري في المقطع، وإن عبّر كثيرون عن شكهم في توقيف الطفل نظراً لسلطة والده.

في اليوم نفسه، أمر النائب العام، حمادة الصاوي، بالتحقيق في الواقعة واتخاذ اللازم. واتضح أن الطفل المتهم هو أحمد أبو المجد عبد الرحمن أبو المجد (13 عاماً).

 لكن بياناً ثانياً صادماً صدر، عبر حساب النيابة العامة المصرية على فيسبوك، يفيد بإخلاء سبيل الطفل ويظهر عدم استجواب الأب "المستشار" بل تحميل "صديق للعائلة" المسؤولية والاكتفاء بتغريمه 10 آلاف جنيه مصري (نحو 600 دولار أمريكي).

"فيلم"

أفادت النيابة العامة أن الشرطي الذي تعرض للإساءة أوضح أن الواقعة جرت في 26 تشرين الأول/ أكتوبر، في منطقة زهراء المعادي، فدوّن مخالفة بحق صاحب السيارة، لافتاً إلى أن الطفل الذي كان يقود السيارة ومن معه عادوا إليه لاحقاً للاعتذار، فقبله منهم.

وأبرزت أن استجواب الطفل حول "إهانته موظفاً عمومياً بالقول أثناء تأديته وظيفته، وتعديه عليه، وقيادته مركبة دون الحصول على رخصة قيادة ودون حمل رخصة سير"، تبين أن السيارة بيعت قبل يوم من الواقعة لصديق الوالد وأن الطفل سرق المفاتيح دون علم الأسرة وخرج بالسيارة لـ"توديعها" قبل أن يستلمها المالك الجديد.

وفيما نفت الأسرة قيادة الطفل للسيارة في أي سابقة أخرى، قضت النيابة العامة بتغريم المالك الجديد نحو 600 دولار، بتهم "تعريض حياة طفل للخطر، وتمكينه من قيادة مركبة وهو لم يبلغ 18 عاماً، وهذا ما نتج عنه ضرر للغير".

أما الطفل، فبعد تكليف النيابة العامة اختصاصياً اجتماعياً تابعاً للمجلس القومي للطفولة والأمومة دراسة حالته الاجتماعية والنفسية، ورد في تقرير الاختصاصي أنه "مدلَّل بشدة من والده"، موصيّاً بـ"تسليمه لأهله والتعهد عليهم بتقويم سلوكه، وعقد جلسات دورية له لذلك" الغرض.

مرة ثانية، القبض على الطفل #حماده_ننوس_المستشار صاحب واقعة إهانة #أمين_الشرطة ورفاقه عقب فيديو "إحنا معندناش حد يتسجن". نادي قضاة مصر يقول إنه ينبغي الفصل بين جريمة الطفل ومهنة والده، صحيح؟

استناداً إلى التقرير، قالت النيابة إنها سلّمت الطفل إلى ولي أمره مع أخذ تعهد منه بالمحافظة عليه وحسن رعايته وإخضاعه للتأهيل وجلسات تعديل السلوك.

استنكر العديد من المصريين قرار النيابة واصفين رواية الأسرة التي استند إليها بـ"الفيلم"، فيما دحضت بعض مقاطع الفيديو التي توثق قيادة الطفل السيارة في مناسبات مختلفة واستهزاءه برجال المرور هذه الرواية.

"واقعة شائنة"

للواقعة أبعاد عديدة مثيرة، فقيادة طفل للسيارة في هذه السن وبتلك الرعونة ما قد ينتج عنها حوادث وضحايا في الأرواح في بلد تكثر فيه حوادث الطرق، استهزاء الطفل بموظفين عامين أثناء أدائهم عملهم وتعريضهم للأذى، وسوء استغلال السلطة من قبل والد الطفل، والتحايل على القانون، ثم الإهانة والتجاوز على المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتباهي بالقدرة على الإفلات من العقاب أياً كان الجرم.

في عدة حوادث مفجعة، قتل ثلاثة أطفال يقودون سيارات ذويهم هذا العام ثمانية أشخاص على الأقل دهساً، ما عدا المصابين، في محافظات القاهرة وأسيوط ودمياط. ومنذ بداية العام، توفي سبعة آلاف شخص في حوادث طرق في مصر مقارنةً بـ12 ألفاً في العام الماضي.

لكن ما كان له أكبر الأثر في إشعال غضب المصريين هو قيام الطفل، عقب تخلية سبيله، وعبر مقطع فيديو عبر انستغرام، بالتباهي بسلطة والده وقوله ورفاقه الذين كانوا معه في السيارة "إحنا معندناش حد يتسجن" و"إحنا نسجن ومنتسجنش" و"ميشغلناش (لا نخاف)"، علاوةً على كيل الشتائم البذيئة والألفاظ النابية لكل متابعيه الذين انتقدوا فعله.

 وهو ما يؤشر إلى أن الأسرة لم تتعلم مما حدث ولم تتخذ أي خطوة في تقويم الطفل كما زعمت النيابة العامة.

مدى الغضب الذي ترتب على الحادثة كان كاسحاً حتى أن البرلماني محمود بدر، أحد أشد المدافعين عن النظام المصري، لم يتمكن من غض الطرف عن الواقعة. فكتب عبر تويتر: "للأسف واقعة مشينة هتتسبب في مزايدات رخيصة من الناس الرخيصة. النيابة العامة تصرفت في الواقعة الأولى التي تخص #أمين_الشرطة في حدود القانون، فهل تتصرف في واقعة إهانة ابن ‘المستشار‘ وسبّه للناس بألفاظ نابية عبر صفحته علي انستغرام مثلما فعلتها في السابق مع آخرين؟!".

جانب آخر لافت أشار إليه العديد من المعلقين هو أن تجاوزات هذا الطفل تثير علامات استفهام ليس حول تربية الطفل على التسلط واستخدام نفوذ والده، بل على الأب نفسه وكيفية احترامه وظيفته وتعامله مع المواطنين.

"الإخوان هم اللي خلوا الواد يعمل كده عشان يبوظوا سمعة مصر… سهلة أهي مش محتاجة"

قال البعض: "عار على منصة القضاء أن يكون من بين أعضائها أب لطفل هكذا هي تربيته"، لافتين إلى أنه "ما كان ليجرؤ أن تصدر منه هذه التصرفات المشينة لو كان والده ليس في سلك القضاء". ودعوا "المجلس الأعلى للقضاء" وجهاز "التفتيش القضائي" ووزير العدل إلى "اتخاذ إجراءات تعكس أن العدالة في مصر تُطبّق على الجميع".

لكن المتحدث باسم نادي قضاة مصر، المستشار رضا محمود السيد، عقّب على الحادثة كاتباً: "يجب الفصل بين الفعل الإجرامي الذي قام به الطفل وصفة والده في الهيئة القضائية"، وانتقد "الخوض والخلط الشديد جداً"، زاعماً أن "صفة والد الطفل القضائية لم ولن تعطل أو توقف سير التحقيقات". 

وبينما ألقى باللوم على "المغرضين" في "إثارة اللغط بالمجتمع"، شدد على أن "القضاء أسمى من ذلك بكثير". يعكس هذا عدم وجود نية لمحاسبة الأب عن فعل نجله واستهتاره بالقوانين.

وفي بلد معروف بـ"توريث الألقاب والمناصب" لأن "ابن عامل النظافة لا يمكن أن يصبح قاضياً"، تساءل معلقون كثر: "ما الذي قد يفعله طفل كهذا -"حرّوقة أو حريقة" كما ناداه رفاقه في الفيديو- عندما يكبر ويصبح مستشاراً كما والده؟ وكيف سيعامل المواطنين؟

وفي حين استند بيان النيابة العامة إلى المادة ١١٩ من قانون الطفل التي تلزم بعدم الحبس الاحتياطيّ للطفل الذي لم يجاوز عمره الـ15 سنة، في بيان تخلية سبيل الطفل، ذكّره البعض بأن "واحد من سنك يا حماده اتحبس سنتين عشان لبس تي شيرت مكتوب عليه ‘وطن بلا تعذيب‘". وهي إشارة إلى الطفل محمود محمد الذي اعتقل بين تشرين الثاني/ يناير عام 2013 وآذار/ مارس عام 2016 بتهمتي "التظاهر والتحريض على العنف" لارتدائه القميص المشار إليه. وهو ما يثبت أن هذه المادة لا تطبق إلا على أبناء "ذوي الحظوة" في حال تورطهم في مخالفات والاضطرار إلى محاكمتهم لإسكات الرأي العام.

في غضون ذلك، علّق البعض ساخراً من عادة النظام المصري: "الإخوان هم اللي خلوا الواد يعمل كده عشان يبوظوا سمعة مصر… سهلة أهي مش محتاجة".  
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard