"هو أداة لتحرر المرأة وكسر النظام الأبوي القاتل"... ورشة للرقص الشرقي في برلين

الاثنين 2 نوفمبر 202002:32 م

تحت سماء برلين، نساء يرقصن في فناء كنيسة في مكان مفتوح على نظرات المارة في الشارع وعيون الناس من شرفات الأبنية المجاورة. معظمهن مهاجرات يشاركن في ورشة عمل للرقص الشرقي البلدي تنظمها نورا أمين، المؤلفة والمخرجة المسرحية ومصممة الرقص، مع جمعية Mondiale  التي تجمع نساء من أعمار مختلفة، وتجمعهن أيضاً طاقة الرقص الهائلة على توحيد أصواتهن رقصاً: نحن هنا، موجودات ومرئيات.

أرادت  نورا أن تعطي النساء المهاجرات والألمانيات أيضاً فرصة ليعبّرن عن أنفسهن من خلال ورشة عمل للرقص من جملة أهدافها استخدام الرقص الشرقي للتعبير عن الذات والشفاء من التروما (الصدمات).  

قد يكون من الصعب أو المستحيل أن تقام ورشة رقص شرقي للنساء في عالمنا العربي في مكان عام. لكن برلين احتضنت تلك الأجساد النسائية الراقصة في فضائها العام، وفي فناء كنيسة، إحدى أقوى رموز المنظومة الدينية والأبوية التي تقيد النساء في أوروبا. الجسد النسائي الراقص في الفضاء العام هو ما يقدمه هذا المشروع الريادي تحت السماء المكشوفة في فناء الكنيسة بكل ما يحمله المكان من رمزية. الرقص الشرقي حاضر في برلين كما هن حاضرات بكل التبعات السياسية والثقافية لذلك.

ما تختبره المشاركات في الورشة ليس صف رقص شرقي تقليدي بقدر ما هو جلسة علاجية تساعد في الشفاء من طبقات التروما المتراكمة التي يحملها التاريخ الفردي لكل من المشاركات. في نهاية أحد الصفوف، تلفت نورا نظر المشاركات الى أيديهن، وكم تعمل الأيادي من الأشياء وكم تتعب، وتشجعهن على تقبيلها. إنها القدرة الشفائية الهائلة لقُبلٍ نطبعها على ظهر يدنا، نشكر جسدنا على كل ما يقوم به لأجلنا. اعتراف بجسد المرأة وجهدها وتعبها. قبلة عرفان بالجميل لهذا الجسد.

بعدسة: فرح أبو عسلي

تقول نورا أمين لرصيف22 إن ورشة العمل مع موندياله ضمن برنامج Wasserwerk كانت برنامجاً صيفياً امتد حتى نهاية شهر أيلول/ سبتمبر الماضي. وتضيف: "بسبب الكورونا لم نكن قادرات على العمل في الداخل، عملنا في الفناء الخارجي للكنيسة كان إجبارياً وأعجبني ذلك جداً، فهذا ما جعلنا نكتشف فكرة الجسد وهو يرقص في مكان مفتوح، إحساس مختلف بالحرية والانسجام مع الشارع".

طبعاً الرقص في الشوارع العربية أو في مصر مشكلة كبيرة لأن وجوده مرتبط دائماً بنوع من أنواع التظاهر أو الثورة أو المعارضة. وهناك الآن، بحسب نورا أمين، نقلة كبيرة جداً في الثقافة المصرية والعربية وهي الإعلان عن شهادات التحرش، لذلك ترى نورا أنه من المفيد أن تُصور فيديوهات لنساء يرقصن في الشارع بما يؤكد على حقهن بالتحرك في المكان العام كما يردنَ بما يشكل نقداً مباشراً لفكرة السيادة الذكورية على الفضاء العام. خاصة مع الحكم المجتمعي بحق المرأة الراقصة التي ينظر إليها باستخفاف في أحسن الأحوال والاتهام في الإجمال.  

وللرقص الشرقي  أهمية في تحرير المرأة إذ يخلق بحسب أمين "علاقة بين المرأة وجسمها، وهذه العلاقة لا تتحقق غالباً في أشكال الرقص الأخرى، وإن كان يقترب تحققها في بعض أنواع الرقص اللاتيني كالسامبا".

قد يكون من الصعب أو المستحيل أن تقام ورشة رقص شرقي للنساء في عالمنا العربي في مكان عام. لكن برلين احتضنت تلك الأجساد النسائية الراقصة في فضائها العام، وفي فناء كنيسة، إحدى أقوى رموز المنظومة الدينية والأبوية التي تقيد النساء في أوروبا

وتضيف أمين: "لأن الرقص الشرقي يعطي مركزية لمنطقة الحوض، وأيضاً لفكرة الأنوثة، وبعض الأفكار التي لها علاقة بوصم هذه المنطقة في جسم المرأة، ويعمل كنوع من أنواع التحرير، فهو أيضاً يعتمد على إظهار شخصية الراقصة".

وتتابع: "الرقص الشرقي يعتمد بصورة أكبر على الثبات، والحركات القليلة التي تبرز شخصية الراقصة، ومن هنا يركز على فكرة استقلاليتها". إذ ذاك يصبح الرقص الشرقي للمرأة المهاجرة في برلين وغيرها من المدن الأوروبية رسالة سياسية مباشرة تحاكي نضالها للاستقلالية والحرية الفردية. ففي حين يوصم الرقص الشرقي بالتشجيع على الانحلال قد يكون الوقت مناسباً لإعادة تعريفه، من منظور نسوي، كحق سيادي للمرأة على جسدها. وهكذا، تأتي ورشة الرقص الشرقي لتكمل لوحة التعددية الثقافية التي تعطينا مساحة لنطرح أشكالاً من الرقص مختلفة عن الأشكال المهيمنة على المجال التعبيري. في برلين تجدين أناساً يرقصون الهيب هوب والكرامب والبوتو الياباني وبالتالي يمكن أن نقترح الرقص الشرقي". 

نورا أمين

وترى أمين أن العمل على الرقص الشرقي مهم في هذه اللحظة لارتباطه بالحركات النسوية النقدية الحالية، وأنه وسيلة لتمكين المرأة ومساعدتها لرؤية تجربتها وجسمها من منظورها هي وليس من منظور الآخر، وأن ترقص لنفسها لا للآخر.

"هذا النوع من التفكيك والممارسات من الممكن أن يكون موجوداً في برلين أكثر من أي مكان آخر بسبب نمو الخطاب النقدي والنسوي بشكل قوي جداً في المدينة." تضيف أمين. وإلى جانب التدريبات التي تقدمها نورا بفناء الكنيسة، تتعاون أيضاً مع المهتمات أو مع المشاريع المهتمّة بالرقص الشرقي في برلين، مثل مشروع "هشك بشك" ،الذي تعاون معها بتقديم ورشة عمل لمدة يومين بمؤسسة عيون.

وهؤلاء النسوة المهاجرات للغرب، برلين تحديداً، وجدن في ورش الرقص هذه المساحة للتعبيرعن أنفسهن، وبالتالي ليكن موجودات ومرئيات، بدون أن يكنّ متهمات، كما أكدت السيدات اللواتي تحدثن إلى رصيف22.

"لم أشعر بأني امرأة 'ساقطة'"

دينا يوسف، طالبة دكتوراه مصرية مقيمة في برلين، أخبرتنا أن بداياتها مع الرقص كانت في ورشة للمعالجة النفسية عبر الرقص لتنضم من بعدها لمسرح المقهورين في القاهرة وشاركت في خلوات عديدة للرقص الشرقي، بالإضافة إلى تأثرها براقصات "الزمن الجميل" كتحية كاريوكا.  

في برلين، تعرفت دينا يوسف على عبير علي التي دعتها للانضمام الى فرقة "هشك بشك". وفي هذه الفرقة أدت وصلتها المنفردة الأولى على المسرح وكانت تجربة لم تُشعرها بالاتهام الاخلاقي وبأنها امرأة "ساقطة" كما يحصل في البلاد العربية. تقول دينا لرصيف22، وتتابع: "أحسست بالتقدير. ردة فعل الجمهور من العرب أنفسهم كانت مختلفة عن ردة فعل الجمهور في البلاد العربية".  

دينا يوسف

وتضيف: "المرأة المهاجرة هنا تحس أنها حرة بتصرفاتها وجسمها والتعبير عن رأيها بدون أن يقيدها المجتمع. نعبر بالرقص والغناء وبالمشاركة السياسية، وهذا غير موجود في بلادنا. عادة يتم وضع النساء من الدول العربية ضمن قالب موحد من الحكم المسبق، إذ يأتين من نمط واحد وفكر واحد، وهذا يجعل الناس هنا يرون أنهن مختلفات، ومنهن فنانات ويعبرن عن آرائهن".

"الاستمتاع بحالة الرقص تنتصر في النهاية"

أما عبير علي التي تعيش في برلين منذ العام 2019، تعمل بمجال المسرح وتمارس كل أنواع الفنون، كالرقص والتمثيل والغناء والعرائس (مسرح الدمى)، فتنفي أنها راقصة محترفة ولكنها تستخدم الرقص الشرقي للتعبير الفني في إطار مسرحي.

تقول لرصيف22: "ممارسة الرقص الشرقي في برلين مساحة حرة لي للتعبير عن أفكاري ومشاعري وانفعالاتي وجسدي وهي أيضاً مساحة لي لرفض القوالب الاجتماعية النمطية".

برأي عبير علي تكمن الأهمية السياسية لممارسة النساء العربيات للرقص الشرقي في الحق في التعبير عن الرفض، والحق في الامتلاك، واتخاذ القرارات والتصرف بحرية.

يختلف رقص عبير وتعبيرها عن نفسها بين وجودها في مصر وبين وجودها في ألمانيا. تقول: "أعتقد أن الخوف من نظرات المجتمع وأحكامهه أقل في برلين، ولكن القيود أصبحت جزءاً من أجسادنا، دائماً في حذر وقلق، ولكن الاستمتاع بحالة الرقص تنتصر في النهاية".

عبير علي

أسست عبير علي فرقة "هشك بشك" في آذار/مارس 2019 مع زميلتين لها (زينة وسيسيليا) لإتاحة مساحة آمنة لهن ولغيرهن من النساء المحبات للفن لمشاركة المواهب والإبداعات الفنية وتقديمها للجمهور. وفي ذلك عائد نفسي عليهن من تشجيع على إعلان أفكارهن ومشاعرهن بحرية أمام المجتمع. 

"المرأة المهاجرة هنا تحس أنها حرة بتصرفاتها وجسمها والتعبير عن رأيها بدون أن يقيدها المجتمع".

"أحسست بأنني حررت جسمي"

أما نسرين حبيب فهي طالبة ماجيستير سورية وباحثة في الدراسات الجندرية والنسوية تعيش في برلين منذ العام 2016. بدأت بالرقص الشرقي في برلين في ورشة عمل Mondiale مع نورا أمين في صيف 2020. قبلها كانت تكره الرقص الشرقي وتعتبر أنه ينمط الأنثى ويسلعها. 

تقول لرصيف22: "لم أجرب الرقص سابقاً. في ألمانيا، نتيجة الدراسة أحسست أن هذه النظرة لها علاقة بأنني أرفض دور الأنثى التقليدي أو الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الأنثى وجسدها. لذلك كنت رافضة للرقص الشرقي بشكل خاص وبعدها اكتشفت أنني أحب الرقص كثيراً عندما تخلصت من هذا التنميط".

وتضيف: "نورا غيّرت رأيي بهذا الموضوع خاصة أنها ربطت بكتابها فكرتين: أن  الرقص تحرير لجسد الأنثى ومقاومة للسلطة الأبوية وللاستعمار، فاتخذ عندي الرقص الشرقي معنى آخر. في دروس الرقص معها أحسست بأنني حررت جسمي".

نسرين حبيب

وأشارت نسرين إلى أن معظم النساء المشاركات بورشة الرقص أتين من سياق حرب وصراعات، وهي لم تكن تعرف أنها مصابة بالصدمة، وتضيف: "حتى علاقتي بنفسي وجسدي تغيرت، واعتبر أن في هذه الدروس نوعاً من المعالجة للتروما… كيف بدأنا وكيف أنهينا الصف، صرنا غير نساء. هناك نوع من العلاج والشفاء في هذه الصفوف لا تفهمه إلا من تجرب".

ترى نسرين حبيب أن رقصهن كنساء عربيات في برلين هو رسالة سياسية، فمعظمهن من خلفية عربية أو إسلامية يرقصن في فضاء خارجي، والرقص الشرقي حتى في برلين يعتبر إيروتيكياً. "ترقصين الشرقي ولا تهتمين بما حولك، فكأنك تقاومين الهويات التي تسبغ عليك بأنك مهاجرة وبالتالي محافظة وسلعة وتخافين من جسدك. لا  نحن كنساء بالدرجة الأولى لنا القدرة على مقاومة هذه الهويات التي تسقط علينا"، تختتم نسرين حديثها.

"رقصنا كنساء عربيات في برلين هو رسالة سياسية، فمعظمنا من خلفيات عربية أو إسلامية نرقص في فضاء خارجي، والرقص الشرقي حتى في برلين يعتبر إيروتيكياً"

"رقص المضطهدين"

الصورة النمطية للمستشرقين والمستعمرين عن الرقص الشرقي والمرأة الشرقية بأنها جارية مستعبدة لمتعة الرجل، هي صورة منتشرة في الغرب. في هذا السياق يصدر لنورا أمين مطلع العام 2021 كتاب "رقص المضطهدين" بالألمانية عن دار النشر Matthes & Seits Berlin .الكتاب محاولة لإعادة النظر في تاريخ الرقص الشرقي من منظور نسوي ونقدي، يربط نسق التفكير الأبوي بالأفكار الاستعمارية والرأسمالية، وكم هي ناجحة هذه المنظومة في التعاون بعضها مع بعض.

في هذا الكتاب، عملية تفكيك للخطاب الاستعماري الذي يرى الرقص الشرقي فعلاً إيروتيكياً مستوحى من صورة العشيقة أو الحريم، لأن كل الهويات المحتلة هي هويات أدنى ومكرسة لخدمة السيد، وغالباً هي حالة من الاستعباد، والرقص والمرأة هما جزء من هذا السياق. تقول أمين: "في كل مرحلة من تاريخ الرقص الشرقي والكوريوغرافي والحركات والتصميم نرى أن كل حركة وتصميم رقص مرتبطان بصورة معينة للمرأة والحكم".

وتتابع: "فريدة فهمي التي كانت ترقص في زمن عبد الناصر والاشتراكية جسدت الأنوثة بطريقة مختلفة عن نعيمة عاكف وراقصات جيلها اللواتي انطلقن من كازينو بديعة مصابني. هن يظهرن لاهيات وغير جادات مقارنة بصورة المرأة العاملة من وجهة النظر الجامدة، ولكنهن كنّ رائدات أعمال في منظومة إنتاجية متكاملة ويوفّرن دخلاً للفرقة بأكملها".

 بعدسة: فرح أبو عسلي

يتهم المجتمع المرأة الراقصة ويوصمها بالخلاعة والاغراء. هناك خوف من الجسد الأنثوي حين يتحرك. في هذا الشأن تقول أمين: "طبعاً للموضوع علاقة بالجنسانية sexuality ولا نستطيع أن نفصل ذلك عن كل تاريخ قهر المرأة واستعبادها وتملكها من داخل النظام الأبوي الذي تتعاون النساء لتنفيذه أيضاً".

"هذه مساحة حرة لي للتعبير عن أفكاري ومشاعري وانفعالاتي وجسدي وهي أيضاً مساحة لي لرفض القوالب الاجتماعية النمطية".

وبحسب تعبيرها، فهذا النوع من الرقص يعمل على استقلالية المرأة، شخصيتها وإحساسها بأنوثتها.

وتكمل: "هذا يعني أنها أصبحت تملك رغبتها وفي اللحظة التي تملك رغبتها، وليس جسمها فقط، تصبح المرأة خطرة جداً لأنها لن تكون دمية ولا مستعبدة بعد ذلك. يقوم المجتمع  بهجوم مضاد على المرأة ويتم وصفها بأنها سيئة السمعة أو عاهرة أو بنت ليل، وهذا تكتيك سياسي لاحتواء هذه القوة المخيفة".

وتختم نورا أمين: "هكذا هو الرقص، فعل تحرري يكسر سطوة النظام الأبوي القاتل. والأم عندما ترقص، فهذا معناه أن ابنتها ستنال تربية مختلفة تماماً، على مستوى تكوّن هويتها كأنثى وعلى مستوى الأفق الذي تطمح له".

بعدسة: فرح أبو عسلي


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard