لا مشكلة لي مع الإسلام... لكن، إلى أين نهرب من التطرف؟

الثلاثاء 27 أكتوبر 202001:06 م

قارة عجوز؟ إن كانت عجوزًا فالشرق مومياء مدفونة في زبلٍ أسيد منذ مليون عام، والجنوب مومياء مدفونة في زبل أسيد منذ مليون عام. وما حيوات أهلهما اليوم إلّا ما تظنه المومياء أنّها كانت تحيا قبل موتها. وما تخالها حياة، إن تراجعنا عن التوصيف القاسي، فهي حياةٌ لعبٌ بقنبلة.

      سليم بركات - من رواية "سبايا سنجار"

أيهما أخطر علينا -نحن اللاجئون الهاربون من بلاد نبذتنا، الباحثون عن حياة تحترمُنا وتحترم حرياتنا وإرادتنا وعقولنا وخياراتنا- اليمين العنصري الوطني، الألماني والفرنسي والأمريكي، أم اليمين العنصري الإسلامي العابر للحدود، أم أنّهما يتغذيان أحدهما من الآخر، فإن كبر أحد اليمينيَن كَبُرَ الآخر؟

صحيح أنّ اليمين الوطني الأوروبي، الفاشي بالضرورة، قادر على الوصول إلى سدّة الحكم وإلحاق ضرّر كبير باللاجئين إلى هذه البلاد أمثالي، لكنّ اليمين الإسلامي قادر في كلّ يوم على إدهاشنا، وما فعل قطع رأس أستاذ التاريخ الفرنسي ببعيد علينا.

(قصة قصيرة أولى: كنت مع صديقتي في أحد المستشفيات، في غرفة الانتظار كانت امرأة عربيّة تنتظر مع أطفالها، تحدثنا قليلاً وعرفت أنّي من سوريا. حين دخلت صديقتي عند الطبيب وبقيت أنا انتظرها في غرفة الانتظار، سألتني المرأة العربيّة إن كنتُ قد حولتُ زوجتي إلى الإسلام. أمن المعقول أنّ يتدخل المرء في حياة الآخرين بهذه الفجاجة والوقاحة؟ هل من المعقول أن يتدخل المرء في أمور شخصيّة إلى هذا الحد؟ أيكفي أنّني قادم من سوريا حتى يظن كلّ الشرق أوسطيين، وأخصّ منهم المسلمين، بأنّهم أولياء أمري؟).

حسناً، سأكون واضحاً فيما أقول كيلا أُقوّل ما لم أقل. لا مشكلة لي مع الإسلام، فالإسلام عندي مثل باقي الأديان الأخرى، فيه ما يناسب زماننا وفيه القصص والعبرات التي يُمكن أن يستخلص منها المرء قيماً تناسب عصرنا، لكن فيه، مثلما في باقي الأديان، أشياء لا تناسبنا ولا تناسب عصرنا، فلا يجوز رمي المثليين من شاهق ولا يُمكن قطع يد السارق والجَلُْد غير إنسانيّ وأخذ السبايا هو نظام عبودي ولا يجوز قتل المرتدين عن الدين ولا ولا ولا ولا، وقد ناقش الأمر وحلّله كثير من المختصين في الدين الإسلامي، من هم أقدر مني وأفهم، وعلى سبيل مثالهم لا حصرهم: الدكتور محمد شحرور والدكتور فرج فودة.

مسلمون أو غير مسلمين، إن كانت هذه العقيدة التي تؤمنون بها لا تحتمل الاختلاف وقبول الآخر، وحتى السخريّة، فعقيدتكم هذه ناقصة ومبتورة وهشّة. وإن كنتم تظنون بأنّكم تحمون دينكم وإلهكم بهذه الطريقة فهذا يعني بأنّ إيمانكم هش وإلهكم ضعيف

أؤمن بأنّ الدين يكون بين المرء وبين من يعبده، وقد يحدّد علاقاته بمن حوله من عائلة وأصدقاء وجيران، لكن لا يجب على الدين أن يُفرض بالقوة ولو على أبناء المؤمن. لا يجب على الدين أن يكون طريق الحكم، ولا أن يكون طريقة للحكم على الأشخاص وعلى أخلاقهم، فكم من ملحد خلوق ومن مؤمن لعوُب! على الدين أن يكون قابلاً للنقاش وللجدل وللتطوير وللنقد وللسخريّة (عدم قبول السخريّة هو دليل ضعف وإيمان هشّ مزعزع وليس دليل قوّة). أؤمن بأنّ الدين يجب أن يُفصل عن الدولة، فالحكم والسياسة والمؤسسات هي أمور دنيوية تحكم علاقات الأفراد، والدين بين الناس وما يعبدون، فالدين لله والوطن للجميع، وفي هذا حماية للدين من أمور السياسة التي تشوّه علاقة الشخص بما يعبد، إلّا إذا كان هدف الدين هو السيطرة على الحكم مثلما تفعل باقي الأحزاب، وفي هذا إهانة للدين على ما أعتقد.

(قصة صغيرة ثانيّة: كنتُ أقرأ رواية ما في حافلة النقل العموميّة حين جلس بجانبي رجل عربيّ. تحيّن فرصة مناسبة ليقول لي إنّ قراءة القرآن أنفع لي من قراءة ما أقرأ. قلت له إنّ هذا ليس من شأنه وقمت بتغيير مكان جلوسي.)

حسناً، المشكلة ليست مع الدين الإسلامي، المشكلة مع من يظنّون أنفسهم حماة الله وحماة الكوكب ويظنون بأنّهم مسؤولون عن حيواتنا وبأنّ لديهم الحق، كلّ الحق، لكي يتدخلوا بحيواتنا وبخصوصياتنا وبعلاقاتنا وبأجسامنا وبما نحكي وبما نفكر، أولئك الذين يدافعون عن مراهق حقير قطع رأس أستاذ مدرسة لأنّ الأستاذ حكى شيئاً لم يعجبه. أولئك الذين يتشدقون علينا ليل نهار بحقهم في قول ما يريدون وحقهم في ممارسة شعائرهم أينما كانوا لكنهم يختنقون ويثورون ويغضبون إذا ما حكى شخص آخر شيئاً لا يعجبهم أو رسم كاريكاتوراً يستفز مشاعرهم المُرهفة، تلك المشاعر التي لم تهتز حين قصف بشار الأسد المُدن السوريّة وقتل الملايين (معظمهم من المسلمين)، لم تهتز مشاعرهم حين سجن النظام الصيني الأقليّة المسلمة ومارس عليها أبشع أنواع العنصريّة. أولئك لا تهتز مشاعرهم لما يفعل نظاما أكبر دولتين مسلمتين (إيران والسعوديّة) من ممارسات بشعة -على فكرة فإنّ معظم ضحاياهما من المسلمين- لكن تهتز مشاعرهم بسبب رسم أو قول. يا لهشاشة إيمانهم!

مسلمون أو غير مسلمين، إن كانت هذه العقيدة التي تؤمنون بها لا تحتمل الاختلاف وقبول الآخر، وحتى السخريّة، فعقيدتكم هذه ناقصة ومبتورة وهشّة. وإن كنتم تظنون بأنّكم تحمون دينكم وإلهكم بهذه الطريقة فهذا يعني بأنّ إيمانكم هش وإلهكم ضعيف. إلى أين نهرب من غبائكم وجهلكم وتطرفكم؟ أين يمكننا العيش بعيداً عنكم؟ تركنا بلادنا وبيوتنا وأهلنا وأحبابنا بحثاً عن مكان نستطيع فيه التفكير والقول والتعبير بعيداً عن دكتاتوريّة بشار الأسد وبعيداً عن التطرف والجهل، لكنّنا فوجئنا بمناصري وحاملي التطرف والجهل هنا، يقتولوننا ويهددونا بقطع رؤوسنا في كلّ مناسبة، إذا ما قلنا شيئاً لا يعجبهم. 

هل أخاف وأنا أكتب هذا الشيء الذي أكتب؟ نعم أخاف، لأنّهم، فوق تطرفهم، جهلة. يكفي ألّا يعجب ما أكتب، أو يكتب غيري، شيخاً متطرفاً ما حتى يُفتي بقتلنا، فينفذ القتل جاهل أحمق

(قصة صغيرة ثالثة: حدثت معي عشرات الحوادث في الشوارع الأوروبيّة المختلفة خلال السنوات الماضيّة، شبان مراهقون يهاجموننا لأنّنا نشرب الكحول في الشارع، يلعنك رجال لأنّك تقبّل حبيبتك في الشارع، حالات تحرّش بصديقات، مطاعم لا تبيعنا لأنّ أشكالنا لا تشبه أشكال الرجال بما فيه الكفاية… يحدث كلّ هذا لأنّهم يسمعوننا نتحدث بالعربيّة فيتحولون من أشخاص عاديين إلى حماة الله والدين والعرض فيخوّلون لأنفسهم محاسبتنا ومعاقبتنا لأنّنا لا نشبههم).

هل أخاف وأنا أكتب هذا الشيء الذي أكتب؟ نعم أخاف، لأنّهم، فوق تطرفهم، جهلة. يكفي ألّا يعجب ما أكتب، أو يكتب غيري، شيخاً متطرفاً ما حتى يُفتي بقتلنا، فينفذ القتل جاهل أحمق. وهذا ما حصل مع الدكتور فرج فودة الذي قتله عبد الشافي رمضان بسبب فتوى الشيخ عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الإسلاميّة. قال عبد الشافي رمضان في محاكمته إنّه لا يقرأ ولا يكتب لكنّه اتّبع فتوى الشيخ.

لا أشبّه نفسي بفرج فودة، لكن من كان يظن بأنّ رأس أستاذ تاريخ سيُقطع لأنّه عرض رسوماً كاريكاتوريّة في صفه الدراسي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard