في أرض كوش

السبت 17 أكتوبر 202012:22 م

ترجمة: حافظ خير

من مجلة سميثسونيان، إصدار أيلول/ سبتمبر 2020

لو تحركت بالسيارة من الخرطوم متجهاً صوب الشمال، على طولِ طريق صحراويٍّ ضيق نحو مدينة مَرَوي القديمة، سيتراءى لناظريك من خلف سراب الصحراء مشهدٌ خلَّاب يحبُس الأنفاس: عشرات الأهرامات شديدة الانحدار تخترق رؤوسها خَط الأفُق.

مهما تعدَّدت زياراتك للمكان، سيغمرك دائماً هذا الشعورُ الرهيب بالاكتشاف. داخل مرَوي نفسها، المدينة التي كانت في يوم ما عاصمةً لمملكة كُوش، يشق الطريق المدينةَ إلى قسمين. على جهة الشرق تقع المقبرة الملكية التي تضم ما يقارب الـ 50 هرماً، متفاوتة الأطوال مبنيةً من الأحجار الرملية والآجر الأحمر. يبدو أكثرها وقد تهشمت رؤوس قممها؛ إرث ندوبٍ خلَّفها، من القرن التاسع عشر، لصوصُ الآثار الأوروبيُّون. على جهة الغرب تقع المدينة الملكية التي تضم أنقاض قصر، وبقايا معبد، وحمام ملكي.

كل مبنى منها يتميز بهندسة معمارية خاصة مستوحاة من الأذواق الزخرفية المحلية، ومن أذواق العمارة المصرية، واليونانية الرومانية - شواهدَ تدلُّ على روابطَ عالمية لمدينة مرَوي القديمة.

على بُعد مسافة من الطريق السريع، تشاهد رجالاً يرتدون الجلابيب السودانية ويعتمرون العمامات يعتلون ظهور جِمال تتهادى على رمل الصحراء.

ورغم أن المنطقة تكاد تخلو تماماً من مظاهر السياحة الحديثة، إلا أنك تجد حفنة من الباعة المحليين يفترشون حصائر من القش على الرمل، عارضين عليها نماذج من أهرامات صغيرة مصنوعة من الفخار، تقلِّدُ الأصل.

لدى اقترابك من المقبرة الملكية سيراً على الأقدام صاعداً كثبانَ رملية هائلة، سترتفع أمامك للتو قمم الأهرامات المرَوية المصطفة بانتظام، بارتفاعات تصل إلى ما يقارب المائة قدم ممتدة نحو السماء. ستشعر وكأنك، مثلما قال لي صديق ذات مرة، "فتحت فجأة كتاباً للقصص الخيالية الساحرة."

تعرفت للمرة الأولى على أهرامات السودان الفريدة، وأنا بعدُ صبي، في مشاهدتي عام 1984 لسلسلة وثائقية للمؤرخ البريطاني باسل ديفيدسون، عنوانها "أفريقيا".

لكوني سوداني أمريكي، ولدت ونشأت في الولايات المتحدة وفي منطقة الشرق الأوسط، كنت قد درست تاريخ مصر القديمة وتاريخ بلاد الرافدين، وبلاد الشام، وبلاد فارس، وتاريخ اليونان وتاريخ روما – لكن لم تتح لي أبداً دراسة تاريخ النوبة القديمة

ولكوني سوداني أمريكي، ولدت ونشأت في الولايات المتحدة وفي منطقة الشرق الأوسط، كنت قد درست تاريخ مصر القديمة وتاريخ بلاد الرافدين، وبلاد الشام، وبلاد فارس، وتاريخ اليونان وتاريخ روما – لكن لم تتح لي أبداً دراسة تاريخ النوبة القديمة، المنطقة التي تمتد على جانبي نهر النيل من أسوان في جنوب مصر وحتى الخرطوم في وسط السودان.

ولقد دفعتني مشاهدتي للسلسلة الوثائقية إلى أن أسعى لقراءة أكبر عدد ممكن من الكتب عن تاريخ موطني. خلال الإجازات السنوية مع عائلتي كنت أقضي معظم أوقاتي في متاحف الخرطوم، أتأمل القطع الأثرية والمعابد القديمة التي تم نقلها خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي من مياه بحيرة ناصر التي تكوَّنت بعد بناء السد العالي في أسوان، مصر.

في وقت لاحق من حياتي، عملت لما يقرب من ثماني سنوات صحافياً مراسلاً من الخرطوم عاصمة السودان، أكتبُ لصحيفة النيويورك تايمز وغيرها من المنافذ الإعلامية حول قضايا الحروب والأوضاع السياسية الهشة في السودان. غير أني كنت أيضاً، من حين لآخر، أكتب عن التاريخ الغني، والمجهول نسبياً، للسودان القديم. أكثر من 25 عاماً مضت إلى تمكنت من رؤية الأهرامات مرأى العين؛ لكنني عندما زرتُ، أخيراً، مروي، غمرني إحساسٌ شاسع بارتواء مشاعر الشوق التي لطالما أحسستها تجاه المكان، ليمنحني كل ذلك شعوراً بالكرامة، وارتباطا بتاريخ عالمي الصِفات. ومثل عائد كان تائها لزمان طويل، احتضنت بين ذراعيَّ احدى اهراماته.

الأرض الواقعة جنوب مصر خلف منطقة الشلال الأول لنهر النيل كانت تُعرف بالنسبة لسكان العالم القديم بأسماء عديدة: تاسيتي، (أو أرض القوس)، وهو اسم أطلِق عليها لأن سكانها كانوا من رماة الأقواس الماهرين؛ وأيضاً عُرفت باسم تانهسي (أو أرض النحاس)؛ وباسم إثيوبيا، أو "أرض الوجوه المحروقة" في اللغة اليونانية؛ وباسم النوبة، وهو اسمٌ قد يكون مشتقاً من كلمة مصرية قديمة تعني الذهب، الذي كان وفيراً حينها. وأيضاً كانت تُعرف باسم "كُوش،" المملكة التي هيمنت على الإقليم بكامله في الفترة ما بين حوالي 2500 قبل الميلاد وحتى العام 300 بعد الميلاد. في بعض التقاليد الدينية، ارتبطت أرض كوش باسم كُوش المذكور في التوراة، وهو ابن حام وحفيد نوح، الذي سكن أحفاده في شمالي شرق أفريقيا.

لسنوات طويلة، كان المؤرخون وعلماء الآثار الأوروبيون والأمريكيون ينظرون إلى كوش القديمة من خلال عدسة تحيُّزاتهم الخاصة، والتي كانت سائدة بشكل واسع في ذلك الزمان. في أوائل القرن العشرين أعلن عالم المِصريَّات في جامعة هارفارد، جورج رايسنر، عند مُعاينته لأنقاض مستوطنة كرمة النوبية أن هذا الموقع الأثري هو في الواقع "موقع مصري خارج الحدود". وكتب في نشرةٍ لمتحف الفنون الجميلة في بوسطن، أكتوبر/تشرين الأول 1918: "إن العرق الزنجي الأصلي لم يخلق أبداً تجارته الخاصة ولا أيِّ نوع من الصناعات التي تستحق الذكر، وقد كان مديناً بمكانته الثقافية للمهاجرين المصريين، وللحضارة المصرية التي استوردها."

ولم تتمكن الأعمال التنقيبية الأركولوجية الدؤوبة إلا بعد منتصف القرن من الكشف عن الحقيقة: كرمة، المدينة التي يعود تاريخها إلى 3000 قبل الميلاد، كانت في الواقع هي أول عاصمة لمملكة قوية لسكان أصليين امتدت لتشمل سائر الأرض الواقعة بين الشلال الأول لنهر النيل في الشمال والشلال الرابع في الجنوب.

وقد نافست هذه المملكة بلاد مصر، بل وأحكمت سيطرتها عليها في بعض الأحيان. وقد تاجرت هذه المملكة الكوشية الأولى في العاج والذهب والبرونز وخشب الأبنوس، والعبيد، في معاملاتها مع الدول المجاورة مثل مصر القديمة، وبلاد البُنط الواقعة على امتداد البحر الأحمر ناحية الشرق؛ وقد اشتهرت أيضاً بمصنوعاتها الفخارية المزججة الزرقاء، وبأعمال السراميك ذات اللون الأحمر المائل للبُّنيّ، بأشكالها المصنوعة بحذق على شكل زهرة التوليب.

عالم الآثار السويسري تشارلز بونيه كان من بين أوائل الذين شكَّكوا مبكراً فيما وردنا من عالم المصريات جورج رايسنر. وقد استغرق الأمر 20 عاماً إلى أن قَبِل علماء المصريات حجة تشارلز بونيه.

وقد أخبرني بونيه أن "علماء الآثار الغربيين، بمن فيهم رايسنر، كانوا يحاولون العثور على مصر في السودان، وليس العثور على السودان في السودان."

بونيه الذي يبلغ من العمر الآن 87 عاماً يزور كرمة سنويا منذ العام 1970 للقيام ببحوثه الميدانية؛ وقد تمكن من الوصول إلى العديد من الاكتشافات المهمة التي ساعدت في إعادة كتابة التاريخ القديم للمنطقة. وقد قام بونيه بأعمال تنقيب لحفريات كشفت عن مدينة كوشية مجاورة، ذات حصون دفاعية، تُعرف باسم "دوكِّي قيل"، تعود أصولها إلى الألفية الثانية قبل الميلاد.

في حوالي العام 1500 قبل الميلاد، سار الفراعنة المصريون بجيوشهم جنوباً على طول نهر النيل؛ وبعد احتلالهم لمدينة كرمة أنشأوا الحصون والمعابد، جالبين بذلك الثقافة والديانة المصرية إلى داخل النوبة. بالقرب من الشلال الرابع، بنى المصريون معبداً مقدساً في جبل البركل، وهو جبل صغير مسطح القمة يقع في موقع فريد ينحني عنده النيل مستديراً تجاه الجنوب، قبل أن يعاود جريانه مرة أخرى نحو الشمال، متشكِّلاً على هيئة الحرف اللاتيني s.

هذا المكان، حيث تبزغ الشمسُ في شروقها من جهة الضفة "الغربية" للنهر - التي ترتبط عادةً بمشهد الغروب والزوال، وبالموت – هو ذات المكان الذي اعتقد المصريون القدماء أنه منبع الخلق ومصدر الوجود.

ساد الحكم المصري على مملكة كوش حتى القرن الحادي عشر قبل الميلاد. مع تراجع مصر وتضعضع إمبراطوريتها، نشأت سلالةٌ جديدة من الملوك الكوشيين في مدينة نبتة، على بعد حوالي 120 ميلاً جنوب شرق كرمة، لتعزز هذه السلالة مكانتها على أنها الوريث الشرعي والحامي للديانة المصرية القديمة.

الملك بياي، ثالث ملوك نبتة والمعروف بشكل أوسع في السودان باسم بعنخي، سار شمالاً بجيش يضم فرساناً ورماةً مهرة وقواتٍ حربية نهرية أبحرت على طول النيل في اتجاه الشمال. وبعد هزيمته لتحالف من الأمراء المصريين، أسس بياي الأسرة الخامسة والعشرين في مصر، وهي التي يُعرف ملوكها بالفراعنة السود. وقد قام بياي بتسجيل انتصاراته في نص نقشي يضم 159 سطراً مكتوبة باللغة الهيروغليفية لمصر الوسطى على لوح من الجرانيت الرمادي الداكن تجده محفوظاً اليوم في المتحف المصري بالقاهرة. بعدها عاد بياي إلى نبتة ليحكم منها مملكته الموسَّعة حديثاً، حيث أعادَ، في موقع يسمى "الكرو"، إحياءَ التقليد المصري الفرعوني الذي بقي منسياً لقرون، في دفنهم الملوك في أهرامات.

في السودان، حيث انتهى عهدٌ دام 30 عاماً من الحكم الاستبدادي، في عام 2019 بعد شهور من الاحتجاجات الشعبية، يتطلع جيلٌ جديد إلى تاريخهم بحثاً عن الكبرياء والفخر الوطني. من بين الهتافات الأكثر شعبية التي أطلقها المتظاهرون هتافٌ يستدعي حكَّام كوش منذ آلاف السنين: "أنا جدي ترهاقا! حَبُّوبتي كنداكة!"

أحد أبناء بياي، تهارقا، المعروف في السودان باسم تِرهاقا، ورد اسمه في الكتاب المقدس العبري كحليفٍ لملك القدس، حزقياً. وقد قام تهارقا بنقل المقبرة الملكية إلى مدينة نوري، الواقعة على بعد 14 ميلاً، حيث بني لنفسه مقبرةَ هي الأكبر بين الأهرامات التي شُيِّدت لتخليد الملوك الكوشيين. ولا يزال علماء الآثار يختلفون حول سبب نقل تهارقا المقبرة الملكيةَ إلى هناك.

جيف إمبرلينج، عالم الآثار في جامعة ميشيغان الذي قام بأعمال تنقيب في موقع الكرو ومنطقة جبل البركل، قال لي إن تفسيراً مبنياً على دراسة بعض الطقوس الكوشية يرجِّح أن تهارقا وضع مقبرته في موقع بعينه يسمح بأن "تشرق الشمس من فوق الهرم في اللحظة التي يكون فيها فيضان النيل قد وصل إليه". لكنّ هناك تفسيرات أخرى؛ ويقول إمبرلينج إنه "ربما كان هناك انقساماً سياسياً ما" وإن "كلا التفسيرين قد يكونا صحيحين."

وقد استمر حكم الفراعنة السود لمصر لما يقرب من قرن من الزمان، لكن تهارقا فقد سيطرته على مصر أمام الغزاة الآشوريين. وابتداءً من القرن السادس قبل الميلاد، عندما صارت نبتة تتعرض للتهديد المتكرر من قبل المصريين والفرس والرومان، شرع ملوك كوش في نقل عاصمتهم تدريجياً نحو الجنوب، إلى مروي. وقد ازدهرت المدينة الواقعة في تقاطع العديد من طرق التجارة الهامة في منطقة غنية بالحديد والمعادن النفيسة الأخرى، وصارت جسراً يربط بين إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. المَرويُّون "تبنَّوا تأثيرات عديدةً من الخارج – تأثيرات مصرية، ويونانية رومانية، لكنهم تبنَّو أيضاً تأثيرات من أفريقيا" حسبما يقول أرنولف شلوتر، من متحف الدولة للفن المصري في ميونيخ. "وقد شكَّلوا منها أفكارهم الخاصة، وهندستهم المعمارية وفنونهم التي تميزهم".

أهرامات مروي التي تم اعتمادها موقعاً للتراث العالمي لليونسكو في عام 2011 هي بلا شك المشهد الأكثر لفتاً للأنظار هنا. ورغم أنها ليست بذات القِدَم ولا بالأحجام الضخمة للأهرامات المصرية، إلا أن ما يميز فرادتها عن تلك هو أن زواياها أشد حِدَّة وانحداراً، كما أنها لم تكن جميعها مخصصة لدفن العائلات المالكة فحسب؛ فالنبلاء (أو على الأقل من يستطيعون تحمل نفقات بناءِها) كان يتم دفنهم في هذه الأهرامات أيضاً. ويسارع العديد من السودانيين اليوم لتنبيهك أيضا إلى أنَّ عدد الأهرامات القديمة القائمة في بلادهم – والبالغ أكثر من 200 – يفوق عدد تلك الموجودة في مصر.

على الجانب الآخر من الأهرامات تجد المدينة الملكية، بأراضيها المُحيطة التي لا تزال مغطاة ببقايا الخَبث المصهور، شواهدَ تدل على تاريخ المدينة في صناعات صهر الحديد الكبرى ومصدرِ قوتها الاقتصادية. الملكات اللائي كن يلقَّبنَ بـ "الكنداكات" – اللقب المعروف في اللاتينية باسم "كانديس" – لعبنَ دوراً حيوياً في الحياة السياسية المروية. أعظمهن شهرة كانت الملكة أمانيريناس، وهي ملِكة مُحارِبة حكمت كوش منذ حوالي العام 40 قبل الميلاد، وحتى العام 10 قبل الميلاد.

هذه "الكنداكة" – التي وصفها الجُغرافيُّ اليوناني سترابو ظانّاً أن لقبها المَلكي هو اسمُها، بأنها "امرأة ذكورية الملامح لحد ما، وعمياء في عين واحدة" – قد قادت جيشاً لرد الرومانيين من جهة الشمال، وعادت غانمةً من حربهم بتمثالٍ من البرونز يمثل رأسَ الإمبراطور (الروماني) أوغسطس قامت بدفنه لاحقاً في مروي تحت درجات معبد تمَّ تخصيصه لهذا النصر.

في بلدة النقعة، حيث يقوم أرنولف شلوتر بالكثير من أعماله التنقيبية، هناك كنداكة أخرى: أمانيتوري التي حكمت في الفترة ما بين حوالي العام الأول قبل الميلاد وحتى العام 25 بعد الميلاد، ويمكن مشاهدة صورتها مع شريك عهدها الملك ناتكماني، منحوتة على جدارية بوابة المدخل لمعبد مكرَّس للإله الأسد "أبادماك."

ويُظهِر الرسم على الجدارية الاثنين وهما يقومان بتمزيق أعدائهما إرباً - أمانيتوري ممسكة بسيف طويل، وناتكماني ممسكاً بفأس من فؤوس المعارك - بينما ترقد الأُسودُ، في مشهد رمزي، عند أقدامهما. ويعتقد العديد من الباحثين أن خليفة أمانيتوري في الحكم كانت هي "أمانتيتري،" الملكة الكوشية المشار إليها في العهد الجديد باسم "كانديس، ملكة الإثيوبيين" والتي اعتنق أمينُ خزانتها الديانة المسيحية وسافر إلى القدس للعبادة.

في موقع آخر لا يبعد كثيراً، تجد أيضاً موقع "المصوَّرات الصفراء،" التي لا يزال علماء الآثار يبحثون عن تفسير يشرح الغرض الذي أدى لوجود مثل هذا المُجمَّع الضخم المُسوَّر بالحجر الرملي، والذي يُعرف موقعه باسم السياج العظيم. ويعود تاريخ المصورات الصفراء إلى القرن الثالث قبل الميلاد ويحتوي على أعمدة وحدائق وممرات مرصوفة وفناءات. وقد افترض بعض الباحثين أن المكان ربما كان معبداً، واقترح آخرون أنه كان قصراً أو جامعة، أو حتى معسكراً لتدريب الأفيال لاستخدامها في المعارك الحربية، ذلكَ بدليل تماثيل الفَيَلة ورسوماتها المنقوشة المنتشرة في جميع أرجاء المجمَّع. ما مِن أي هياكلَ مشابهة في كل منطقة وادي النيل لمقارنتها بالمصورات الصفراء.

بحلول القرن الرابع بعد الميلاد، بدأت قوة مملكة كوش في التضعضع. المؤرخون يقدمون تفسيرات مختلفة لما حدث، من ضمنها انتشار الجفاف والمجاعات الناتجة عن تغير المناخ، وأيضاً صعود نجم حضارة منافسة أخرى هي مملكة أكسوم الواقعة ناحية الشرق، في موقع إثيوبيا الحالي.

لسنوات طويلة، تم تجاهل تاريخ مملكة كوش وإسهاماتها في الحضارة العالمية إلى حد كبير. علماء الآثار الأوروبيون الأوائل لم يتمكنوا من النظر إليها على أنها أكثر من كونها انعكاساً لمصر. وقد حال عدم الاستقرار السياسي والإهمال والتخلف التنموي في السودان دون إجراء بحوث كافية في التاريخ القديم للبلاد. ومع ذلك، فإن الإرث الكوشي مهمٌ جداً وذلك لما تميز به من حضارة وإنجازات ثقافية ذات خصوصية: فقد كان لكوش لغتها ونظام كتابتها الخاص؛ وكان لها اقتصاداً قائماً على التجارة والعمل الماهر؛ وكذلك خبرات ذات صيت في مجال فنون الرماية. وكان لها أنموذجَ زراعة يسمح بتربية الماشية؛ وفنون مطبخ مميز يضم أطعمة تعكس منتجات البيئة المحلية مثل الحليب والدُخن والتمر. وقد كان مجتمعاً منظما بشكل مختلف عن جيرانه في مصر والشام وبلاد ما بين النهرين، ويتمتع بتخطيط فريد للمدينة، وبنساءَ مَلِكات ذوات بأس. "في أوج عنفوانها، كانت مملكة كوش قوة إقليمية مُهيمنة" حسبما تقول الصحفية البريطانية السودانية البارزة زينب البدوي، التي بثت قناة "بي بي سي" سلستها الوثائقية "تاريخ إفريقيا" في وقت سابق من هذا العام. الآثار التاريخية الباقية من كوش "تكشف عن شعب عريق رائع لم يُحتفى به، ونسيهُ العالم".

في حين أن تاريخ مصر قد تم تفسيره منذ فترة طويلة على ضوء صِلاتها بالشرق الأدنى وبالبحر الأبيض المتوسط​​، فإن مملكة كوش توضح لنا بشكل جليِّ الدور الذي لعبه الأفارقة السود في عالم قديم مترابط. ويخبرني جيف إمبرلينج أن كوش كان لها موقعها في "عمق الحضارات الأفريقية السوداء، ولفترة طويلة بخَّس العلماء وعامة الناس إنجازاتها". ويقول إدموند باري جيثر، الأستاذ الأمريكي ومدير متحف بوسطن للمركز الوطني للفنانين الأفرو أمريكيين، إن تاريخ "النوبة أعطى السُود مكانة خاصة بهم على الطاولة، حتى ولو لم يقضي تماماً على تفوُّهات المنتقدين العنصريين". قال لي عالم الآثار الفرنسي كلود ريلي: "مثلما ينظر الأوروبيون إلى اليونان القديمة رمزياً كأبٍ أو أمٍ (لحضارتهم)، يمكن للأفارقة أن ينظروا إلى كوش على أنها سلفهم الأعظم."

اليوم، الكثير منهم يفعلون ذلك. في السودان، حيث انتهى عهدٌ دام 30 عاماً من الحكم الاستبدادي، في عام 2019 بعد شهور من الاحتجاجات الشعبية، يتطلع جيلٌ جديد إلى تاريخهم بحثاً عن الكبرياء والفخر الوطني. من بين الهتافات الأكثر شعبية التي أطلقها المتظاهرون هتافٌ يستدعي حكَّام كوش منذ آلاف السنين: "أنا جدي ترهاقا! حَبُّوبتي كنداكة!".

وتقول لي إنتصار صغيرون، عالمة الآثار والعضوة في الحكومة الانتقالية في السودان اليوم، إن إعادة اكتشاف الجذور القديمة للبلاد ساعدت في إذكاء جذوة الدعوات المطالبة بالتغيير. وتقول "كان الناس مُحبطين من الحاضر، لذا بدأوا في التطلع نحو ماضيهم. تلك كانت هي لحظة الثورة."

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard