رحيل الممثل المصري محمود ياسين… السكوت الأخير لصوت "فتى الشاشة الأول"

الخميس 15 أكتوبر 202010:24 ص

هو صاحب الصوت الرخيم، ومُراعٍ أصول مخارج الألفاظ. إنه ابن حنجرته التي ناداها مسرح مدينة بور سعيد، مسقط رأسه. له تاريخ طويل من الأعمال في السينما والمسرح والتلفزيون والإذاعة. ولتميزه بصوت يكاد يكون مثالياً ولغة عربية متينة تولى التعليق في المناسبات الوطنية والرسمية، كما أهّلته تلك الملكات الفطرية ليكون بطلاً في المسلسلات الدينية والتاريخية.

 ومن الممكن اختزال محمود ياسين في صوته ووسامته طوال فترة السبعينيات التي كان بطلاً من أبطالها. وإن تمثلت شهرزاد في "ألف ليلة وليلة" بأداء زوزو نبيل، فإن القرين الرجالي لها كان صوت محمود ياسين، الذي سكت صباح أمس الأربعاء، 14 تشرين الأول/ أكتوبر، عن عمر ناهز الـ79 عاماً، مسدلاً الستار على مسيرة فنية خصبة ضمت نحو 256 عملاً.


السيناريست والممثل عمرو محمود ياسين أعلن عبر حسابه في موقع فيسبوك وفاة والده، كما نعته زوجته الفنانة شهيرة عبر صفحتها وكتبت منشوراً مرفقاً بصورة للراحل: "رحل حبيب عمري، خلاص".

كان آخر ظهور سينمائي لمحمود يس في فيلم "جدو حبيبي" قبل ثماني سنوات، وآخر أعماله على خشبة المسرح "مصر فوق كل المحن" عام 2014.

ظهور المُغنّي

عدا التمثيل، جرب محمود يس الغناء. فأدّى من ألحان عمار الشريعي أغنية "حلوة يا زوبة" في مسلسله "غداً تتفتح الزهور". لم نكن نسمع صدى لعمار الشريعي إلا في فواصل الأغنية، فقد كان حضور صوت يس مسيطراً على اللحن، وليس العكس كما هو معتاد.


بدأت قصة ابن المدينة الساحلية، بور سعيد، شمال مصر، مع المرض عام 2014 حين كان متعاقداً على المشاركة في مسلسل "صاحب السعادة" مع صديقه عادل إمام، إلا أنه غادر المسلسل بعد إجراء البروفات وفسخ العقد مع الشركة المنتجة.

 وقتذاك، خرجت أقاويل تؤكد أن استبعاد ياسين جاء بسبب معاناته مع مرض الزهايمر وعدم قدرته على حفظ النص، مما أصاب العائلة بغضب شديد وتم نفي الأمر، لتمر سنوات ويرد ذكر "يس" في أمور لا تتعلق بالفن أيضاً، إذ قيل إنه قرر الاعتزال، حسبما نشر موقع "العربية نت" عام 2014.

بات "يس" لا يقوى على المشاركة الفنية بسبب حالته الصحية، وهو ما أكدته زوجته ونفته ابنته. ومع تزايد الأخبار المتصلة بمعاناة "يس" من "الزهايمر"، قرر نجله عمرو أن يصدر بياناً يكذب فيه الخبر، ويؤكد أن والده بصحة جيدة.

 ومن الممكن اختزال محمود ياسين في صوته ووسامته طوال فترة السبعينيات التي كان بطلاً من أبطالها. الذي سكت صوته صباح أمس الأربعاء، 14 تشرين الأول/ أكتوبر، عن عمر ناهز الـ79 عاماً، مسدلاً الستار على مسيرة فنية خصبة ضمت نحو 256 عملاً

 لم يبق أمر مرض ياسين سراً، فمساء الثلاثاء 4 آب/أغسطس 2020، أجرت الفنانة شهيرة، زوجة الفنان الراحل، مداخلة هاتفية مع الإعلامي وائل الإبراشي على التلفزيون المصري، تحدثت فيها عن صحة زوجها. دون أن تذكر كلمة "الزهايمر" خلال حديثها بات الجميع على يقين أن محمود يس يعاني هذا المرض، إذ علّقت على حالته الصحية قائلة: "إلى حد ما مستقرة، ولا تتحسن. ربنا موجود، مش عارفة هنعمل إيه. يا رب تعدي الأزمة. المرض ملوش علاج".

وكشفت شهيرة عن أن الحالة تتقلب باستمرار، وهو ما يجعلها تضطرب نفسياً في بعض الأوقات، متمنيةً أن"الحالة ما تدهورش وتثبت... زي ما بيقولوا حسّه في الدنيا".

 وأوضحت شهيرة أنها حاولت تنشيط ذاكرة زوجها، ولكنها خوفاً عليه من الاكتئاب رفضت إخباره عن زملائه عندما رحلوا، فكانت جنازة نور الشريف آخر ما علم به من أحداث. وهو لم يعلم بوفاة محمود عبد العزيز وفاروق الفيشاوي ونادية لطفي ورجاء الجداوي وغيرهم. 

وأشارت زوجته، في المداخلة نفسها، إلى أنها تحاول أن تسأله عندما يشاهدان التلفزيون معاً إذا ظهر أحد زملائه على الشاشة: "ده مين؟"، وحين يتذكر الاسم تشعر بسعادة كبيرة، لكنها كانت تمنع عنه الزيارات. وظل فاروق الفيشاوي يلح على طلب رؤيته ولكنه توفي قبل أن يلتقيه. وأكدت شهيرة أنهم كأسرة يعانون، منذ ثماني سنوات، من هذا الأمر، وتمنت أن يظل زوجها يعرف أفراد عائلته وبعض زملائه.

سيرة باقية

تخرّج "يس" من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1964 والتحق بالمسرح القومي قبلها بعام. كان أبوه موظفاً في هيئة قناة السويس، وكانت الأسرة تسكن في فيلا تملكها شركة القناة، فلما قامت ثورة يوليو 1952 وصدرت قرارات تأميم قناة السويس في عام 1956 آلت ملكيتها إلى الشعب. الأب كان فخوراً بالثورة ومن ثم غرس في ابنه هذا الشعور الوطني والاعتزاز.

بعد انتهاء دراسته الثانوية رحل "يس" إلى القاهرة ليلتحق بجامعة عين شمس وتحديداً كلية الحقوق، وطوال سنوات دراسته كان حلم التمثيل يراوده، فتقدم بعد تخرجه لمسابقة في المسرح القومي وجاء ترتيبه الأول في ثلاث تصفيات متتالية، وكان الوحيد المتخرج من كلية الحقوق، ولكن قرار التعيين لم يحدث. في الوقت نفسه تسلم من القوى العاملة قراراً بتعيينه في بورسعيد، وهو الوحيد في دفعته يعيّن في موطنه الأصلي، ورغم حبه لمدينته لم يتصور فكرة الابتعاد عن المسرح، لذلك رفض التعيين الحكومي وعاش في انتظار تحقيق الأمل حتى وقعت حرب 1967.

في عام النكسة، عُيّن محمود يس في المسرح القومي، فبدأ رحلته في البطولة في مسرحية "الحلم"، تأليف محمد سالم وإخراج عبد الرحيم الزرقاني، بعدها انطلق من "المسرح القومي" الذي قدم على خشبته حوالى 20 مسرحية، أبرزها "وطني عكا"، "سليمان الحلبي"، "الزير سالم"، "ليلى والمجنون".

 أوضحت شهيرة أنها حاولت تنشيط ذاكرة زوجها، ولكنها خوفاً عليه من الاكتئاب رفضت إخباره عن زملائه عندما رحلوا، فكانت جنازة نور الشريف آخر ما علم به من أحداث. وهو لم يعلم بوفاة محمود عبد العزيز وفاروق الفيشاوي ونادية لطفي ورجاء الجداوي وغيرهم

وتولى خلال هذه الفترة إدارة المسرح القومي لمدة عام ثم قدم استقالته. وحدث أن جاءته فرصة البطولة الأولى في فيلم "نحن لا نزرع الشوك" أمام النجمة شادية وإخراج حسين كمال.

وتوالت أعماله السينمائية ليصل رصيده لأكثر من 150 فيلماً حصد خلالها لقب "فتى الشاشة الأول"، كما حاز نحو 50 جائزة في مختلف المهرجانات في مصر وخارجها، منها جائزة أحسن ممثل من مهرجانات طشقند عام 1980، وجائزة الدولة عن أفلامه الحربية عام 1975، واختير رئيس تحكيم لجان مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون عام 1998 ورئيس شرف المهرجان في العام نفسه، كما حصل على جائزة أحسن ممثل في مهرجان التلفزيون لعامين متتالين 2001، 2002، وتم اختياره عام 2005 من قبل الأمم المتحدة سفيراً للنوايا الحسنة لمكافحة الفقر والجوع تقديراً لنشاطاته الإنسانية المتنوعة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard