جنوب، وسط، شمال، شغف... مشاهد توثيقية من زيارتي الأولى إلى فلسطين (2)

الأحد 25 أكتوبر 202009:33 ص

في الليلة الأولى لوصولي البلاد، قطعنا الطريق إلى جبل الخليل، تحديداً إلى بلدة سعير. رأيتها قبل أن تنام بساعات، بلدة تقف بساقين ثابتتين على سفح جبل الخليل في الجنوب الفلسطيني؛ الجبل هذا يعرض بلداته وقُراه بثقةٍ جليّة، لا يخاف رصاصةَ خائنٍ ولا نظرة حاسدٍ؛ جبل مكينٌ كأبٍ يُجلس بناتِه الصّغيرات في حضنه. هكذا يبدو حين ننظر إليه من شرفة ما. لا بدّ من تراثٍ لهذا الجبل ولا بدّ من أبٍ يتشبه به. لا أدري كيف خلتُ أنه إبراهيم عليه السلام، بضخامته وقوة عزيمته، وقدرته الهائلة على الأسفار. عدنا من برد الجبلِ إلى برد رام الله الأخفّ وطأةً. لم أنم طبعاً، ولكنني حلمت.

فتحت الشباك فجراً، رأيتها وهي تصحو من النوم، تتقلب في فراشها، تتمطى. بنشوة رأيت إبطيها، سمعتُ تلك اللازمة الموسيقية التي اختتمتْ بها تثاؤبها الأول، ذلك الصوت الذي يقع بين الغنج والتنهيدة، وأخفت ملامحها حين انتبهت إلي. بلادنا خجولة وطيبة، ناعمة وبسيطة، ممكنة وأنثى، بلادنا تخاف الرصاص، وليست كما علمنا الأستاذ في الابتدائية، كاسرةً وجبّارة، إنها بلادٌ طريةٌ ولا يليق بها النسرُ شعاراً؛ بلادنا تحتل المركز الثاني عالمياً في تصدير الزهور بعد هولندا، وبلادنا منبت الزيتون الأول في التاريخ، غصن الزيتون الذي غدا رمزاً للسلام كانت بلادنا مهدَه، فكيف لكلّ هذا الحب أن ينضوي تحت جناحي نسر؟!

أريد أن أخلع النسر هذا عن رأس شرطيّ المرور، وأضع وردةً حمراء. أريد أن أصرخَ في وجه المعلمين البائسين: إن اللون الأحمر في علَمنا ليس كما قلتم لنا، لون الدّم والفداء، إنه شفق خدود الكنعانيات وهنّ يستقبلن عشاقهن الآتين من الحصاد. كلّ هذه الأفكار كانت تدخل في رأسي كطائرات عسكرية وتخرج كفراشات. هكذا تُحوّل فلسطين المرء إلى كاريكاتور، وهي تقف في المساحات المواربة بين فترة تاريخية وأختها.

كلّ هذه الأفكار كانت تدخل في رأسي كطائرات عسكرية وتخرج كفراشات. هكذا تُحوّل فلسطين المرء إلى كاريكاتور، وهي تقف في المساحات المواربة بين فترة تاريخية وأختها

في مقهى رام الله، ذلك المكان الأسطورة، الذي خلناه يمتدّ ويتّسع كلّ يوم، تماماً كما يفعل الكون، جلسنا مساءً أنا وعلي الزهيري الذي كان قد وصل أيضاً بعد أن وصلتُ بأيام، وفجعنا معاً بعدم تصريح الاحتلال لحسن مريم بالدّخول. هذا الكسر في قوام الأغنية، الذي سببه الاحتلال لن يمّحي من البال، علي، أنا، فلسطين، مقعد فارغ. وأين حسن؟! هذا هو الاحتلال.

لم أكن أعرف أن مقهى رام الله مكان متواضع جداً إلى هذا الحدّ. لم أكن أعرف أن حماماته غير صالحة للاستعمال، كما أنني لم أكن أعرف أن المرء رغم ذلك لا يمكن إلا أن يعود إليه مشتاقاً كل مساء. وبأن شعراءَ رام الله الذين أحاطوا بنا كقناديل مضيئةٍ على هذا القدر من الحبّ والجدارة، جديرون بأن نهدي إليهم قلوبنا كل صباح ليفعلوا بها ما يشاؤون، فنكون على ثقةٍ بأن قصيدةً تختبئ فيها ليلاً، وأن دمعةً تحفّها، وضحكةً تواسيها، وأملاً يجرّها إلى الشارع أيضاً.

احتفلنا. غنينا لبيروت ولمخيم اليرموك ومخيم الوحدات. فعلنا كل شيءٍ هناك؛ بكينا كثيراً، وضحكنا قليلاً، وجننّا الحنين. رأيت وجوهاً تعرفت إليها وحدي، فاكتشفنا معاً أنهم ممن نزحوا إلى الأردن وعادوا إلى رام الله، وكنا قد التقينا دون أن يقع بيننا حوار في مخيم الوحدات في التسعينيات. فالمخيم يوقع في ملامحنا ألواناً لا تمحيها السنين. حتى العودة إلى فلسطين لا تستطيع محو تلك الأختام عن ملامحنا.

رام الله في الصباح جميلة جدّاً، خصوصاً حين تجيء صبيةٌ متّشحةَ بالأخضر وتمشي معك في "شارع رُكَبْ" وسط البلد، وتبارككما يدُ الرحمنِ ورضاه. مطرٌ ناعمٌ وأرضٌ ناعمةٌ، صوتٌ ناعمٌ، وسربُ موسيقى. صوتها، صوت المدينة، يلفك كشالٍ مطرّزٍ وهي تغني: "يا ابو قلب فضّة، عَ إيش هالبُغضة؟/ بعطيك تا ترضى، من عيني راس مالي."

كانت الطريق تقصُرُ شيئاً فشيئاً، حتى ولجنا مطعم "زيت وزعتر". كلّ شيء في فلسطين فلسطيني، هذا ما لم نعشه في الشتات؛ النادل، الطعام، المعلاعق، العلَم على باب المطعم، اللهجة، البشرة. نزلت مائدة من السماء، لم أذق ما كان عليها من قبل، رغم أنني جربت أصنافها كلّها في الشتات. ثمّ دلفنا إلى محل بوظة "رُكَب".

على السّور البعيد تتكئ شجرة "passion"، هذه الثمار التي خِلتها لا تنبت إلا في أمريكا الجنوبية. Passion تعني الشغف، الشغف الذي تخمّر منذ آلاف السنين في تراب بلادنا، أمر عاديٌّ جداً أن يطلع على الشجر

الجنون الحقيقي أن نأكل البوظة والمطر ينقر على الزجاج ويهرب، والهواء يفرك ظهره بالزجاج ذاته ويضحك منّا، والجنون الأكبر أن نمرّ في رام الله دون أن نأكل بوظة "رُكَب". "رُكَب"، اسم المحل المتواضع الذي صار اسم الشارع الأهمّ في المدينة، قرأت عنه في كتاب مريد البرغوثي "رأيت رام الله" وحكى عنه الشعب بأكمله؛ "يدها التي كانت تبرد دائماً، لم تبرد في رام الله، هذا الأمر الذي دعاني للغناء في الشارع:/خطوتها في بِركِ الماء على الشارع/ إيقاعات غجر/ يدها دافئةٌ وأحنُّ من القطن على جسد الطفلِ/ وقامتها غصنٌ يتمايل في الريح/ ويخضرُّ ولو ولّت عينيها عنّي/ تبلعني الغربةُ... يحرقني الماء".

الطريق إلى طولكرم قصة قصيرة؛ أشجارٌ كثيفة وزيتون معلقٌ على الجبال. ظلّ الأمر كذلك حتى دخلت النفق الأخضر، أشجارٌ على جانبي شارع قصير تعانقت، فكان نفق شجري، أوصلني إلى دار أصدقاء. بيتٌ من الأيام، أيام تراكمت فوق بعضها فصار بيتاً يرتدي أحجاراً سميكة وخشنة، ويتحلّى ببلاطٍ ملوّن كأنه سُجّادٌ فارسيّ، وعلى الشباك الواسع يعربش شجرٌ أخضر قانٍ، لم أرَ مثله في حياتي. البرتقال معلق على الأشجار وكأنه يضيء، وعلى السور البعيد للحاكورة تتكئ شجرة "passion"، هذه الثمار التي خِلتها لا تنبت إلا في أمريكا الجنوبية، تتكئ على جدار الدار المكين. Passion تعني الشغف، الشغف الذي تخمّر منذ آلاف السنين في تراب بلادنا، أمر عاديٌّ جداً أن يطلع على الشجر.

طولكرم مدينة بسيطة، أخذ الاحتلال زهرة عمرها، قرية "أم خالد"، مَطلّ المدينة على الساحل، التي أصبحت الآن مدينةً مستقلة أطلق عليها الاحتلال "نتانيا". من يومها والأم مشدوهة تجاه الساحل، من يومها لم ترتدِ ثوب فرح، لم تضع ماكياجاً، لم تلبس الكعب العالي، لم تخرج في نزهةٍ، هكذا صارت طولكرم بلدةً بعد أن كانت مدينة كبيرة، فالنساء يضمرنَ حين تشحُّ الضحكة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard