"لن ننسى أول مرة رأينا فيها المومياء"... شادي عبد السلام وسحر السينما

الأحد 11 أكتوبر 202004:41 م

السحر المغلف بالغموض سيصاحبنا في رحلة بصرية إلى القاهرة، تزامناً مع الذكرى الـ 34 لرحيل ساحر السينما العربية، شادي عبد السلام، في أكتوبر 1986م، السحر الذي يتوهج وسط أهازيج وأفكار وفنون المخرج السينمائي العبقري، من خلال صورته السينمائية الاستثنائية التي وضعته في نقطة وسط بين السينمائي والفنان التشكيلي، وصاحب الفيلم الوحيد الذي لن يُنسى أبداً من ذاكرة السينما العربية. "صانع المومياء" الذي كان رغم قلة إنتاجه من حيث الكم، ناجحاً تماماً من حيث الكيف في صياغة مشروع واضح المعالم على المستوى الفكري والفلسفي، نقله لنا بصورته المعبرة عن عبقريته السينمائية، وعلى المستوى التقني، نجح في أن ينقل لنا جمالياته الغامضة بلمسات الفنان التشكيلي الساكنة في روحه، الصعيدي الذي خطفت الإسكندرية قلبه وسنوات طفولته وصباه.


من الصعيد إلى الإسكندرية

من قلب صعيد مصر، انسابت ملحمة شادي عبد السلام، سارية في مجرى النيل من الجنوب إلى الشمال، ومن المنيا، بلد الميلاد في 15 مارس 1930م، حتى الانتقال للإسكندرية في مرحلة الطفولة. بداية الرحلة العملية كانت عند التخرج من كلية فيكتوريا، في عروس المتوسط عام 1948م.

فيكتوريا، قلعة التعليم السكندرية العريقة، والتي ضمت بين جنباتها عبر التاريخ الكثير من العلامات إلى جوار شادي عبد السلام، من أشهرهم عمر الشريف، يوسف شاهين، الملك حسين الثاني، الفنان سمير صبري وغيرهم كثر.

"كان شادي عبد السلام في تنفيذه لـ(المومياء) ساحراً بمعنى الكلمة. منتهى الدقة والعناية بجميع التفاصيل، صنع بها فيلماً وضع السينما العربية في مشهد عالمي جديد، وأبناء جيلي مازالوا حتى الآن لا يستطيعون نسيان أول مرة قمنا فيها بمشاهدة (المومياء)"

في عمر الثامنة عشر خرج شادي من قلعته في فيكتوريا، ليقرر فوراً الانتقال إلى عاصمة الضباب لندن، هناك في بريطانيا تعلم فنون المسرح لمدة عامين، في الفترة من 1949م وحتى بدايات 1951م.

بعد نهاية رحلة لندن، بدأت أول ملامح نبوغ شادي عبد السلام في الظهور. الفتى المسرحي قرر أن يغير سيناريو خطته التعليمية. فور العودة إلى القاهرة ألتحق مجدداً بالدراسة في كلية الفنون الجميلة حتى تخرج منها عام 1955م، في تلك الفترة تعرف على أحد أهم أساتذته، وهو المعماري المصري الكبير حسن فتحي، ليتعرف شادي على الفنون الإسلامية من خلال فتحي، أكبر أساتذة جيله.

عالم الفن السابع

بدأ شادي عبد السلام حياته في عالم الفن السابع مصمماً للديكور. في مستهل الطريق عمل مساعداً للمهندس الفني رمسيس واصف، عام 1957 م، ثم عمل مساعداً للإخراج في عدة أفلام لمخرجين أجانب، قبل مشاركته في الفيلم البولندي "الفرعون" من إخراج كافليرو فيتش، ويعتبر هذا الفيلم البداية السينمائية الحقيقية لشادي عبد السلام، وقد شارك في إعداد ديكورات هذا الفيلم وأزيائه وإكسسواراته.

واصل شادي بعدها مسيرته السينمائية كمساعد مخرج، وقدم إسهاماته في أفلام "وإسلاماه " من إخراج أندرو مارتون، الفيلم الإيطالي "الحضارة" للمخرج "روبرتور وسللين" والفيلم الأمريكي "كليوباترا" للمخرج "جوزيف مانكوفيتش".

وقدم شادي عبد السلام مشروعاً هاماً في الأفلام القصيرة، يعتبر الأبرز في تاريخ السينما العربية. بدايته كانت بإخراج فيلم "الفلاح الفصيح" عام 1970م، المأخوذ عن إحدى البرديات الفرعونية القديمة "شكوى الفلاح الفصيح "، وقد توج الفيلم بجائزة "السيدالك" في فينسيا في نفس عام إنتاجه، قدّم بعده فيلم "جيوش الشمس" عام 1974 م، وثّق فيه النصر العسكري المصري في حرب أكتوبر، تلاه فيلم "كرسي توت عنخ آمون الذهبي"، ثم "الأهرامات وما قبلها" عام 1984م، و"رع رمسيس الثاني" عام 1986م قبل وفاته.

"المومياء.. يوم أن تُحصى السنين"

"يا من تذهب سوف تعود

يا من تنام سوف تصحو

يا من تمضي سوف تبعث".

هنا محطة شادي عبد السلام الذهبية، في مشروع "المومياء" الذي خرج للنور عام 1970م، وضع المخرج المصري فيه خلاصه تجربته. الفيلم الذي يبقى دائماً من أبرز الأفلام في تاريخ السينما العربية عبر العصور. في "يوم أن تحصى السنين"، الذي بدأ بتلك الكلمات الحاسمة من الإرث المصري القديم، نجد هنا معالجة استثنائية لقضية الهوية والتراث الحضري المصري مصحوباً بسحر بصري متكامل، فيما يبدو وكأنه حالة عزف جماعي على الشاشة. يقول الكاتب الصحفي المصري سيد محمود لرصيف22: "كان شادي عبد السلام في تنفيذه لـ(المومياء) ساحراً بمعنى الكلمة. منتهى الدقة والعناية بجميع التفاصيل، صنع بها فيلماً وضع السينما العربية في مشهد عالمي جديد، وأبناء جيلي مازالوا حتى الآن لا يستطيعون نسيان أول مرة قمنا فيها بمشاهدة (المومياء)".

أسرار مشروعه الاستثنائي

مفاتيح تفوق شادي عبد السلام كانت متعددة، وهي التي فتحت له الطريق لصناعة "المومياء". الناقدة السينمائية المصرية ضحى الورداني، صرحت لرصيف22 أن "السينما في نظر شادي عبد السلام هي الصورة، وأن لهذه الصورة لغتها الخاصة. من تصميم الكادرات والملابس والمناظر والممثلين. في أفلامه نرى الانتقال من اللغة الكلامية إلى اللغة البصرية المرئية، نجد هذا في فيلمه الروائي الطويل والوحيد (المومياء)، وفيلمه القصير (الفلاح الفصيح)، لنعايش حالة من السحر أثناء فعل المشاهدة، بحيث يظن المتفرج أنه أمام لوحات فنية متحركة، مصحوبة بأقل قدر من الجمل الحوارية، وهذا هو التحدي الحقيقي لكل من المخرج والممثل".

"شادي عبد السلام فرعون حقيقي، ينقل المُشاهد زمنياً داخل الكادر السينمائي بأقل تفاصيل مصنوعة بحرفية إخراجية لم يعهد مثلها من قبل"، تقول الورداني.

تدور أحداث فيلم "المومياء" حول حادثة تاريخية شهيرة شهدتها مصر عام 1881م، تعرف باسم "حادثة اكتشاف خبيئة الدير البحري"، تلك القصة التي أعاد شادي عبد السلام صياغة أحداثها في مشروعه الأيقونة. تدور الأحداث حول الشاب "ونيس" الذي يرث بعد وفاة والده سراً مثيراً عن موقع مخبأ لمومياوات فرعونية، كانت تعيش على سرقتها قبيلته التي تحمل اسم "الحربات"، في ذلك المخبأ موعد مع مومياوات لأكثر من 40 فرعوناً من أشهر فراعنة مصر، قام بنقلها كهنة آمون إلى موقع سري بباطن الجبل لحمايتها من التشويه والنهب. في "المومياء" يجد المشاهد نفسه مع تتابع الأحداث وسط جو مهيب بين أطلال الحضارة المصرية القديمة.

"شادي عبد السلام فرعون حقيقي، ينقل المُشاهد زمنياً داخل الكادر السينمائي بأقل تفاصيل مصنوعة بحرفية إخراجية لم يعهد مثلها من قبل"

في مارس 2018 م احتضنت مكتبة الإسكندرية العرض الأول للنسخة المرممة لفيلم "المومياء"، وقد تم ترميم نسخة الفيلم الأصلية عام 2009م، بدعم من مؤسسة World Cinema Foundation التي أسسها المخرج الأمريكي الكبير مارتن سكورسيزي، ودعم مصاحب من وزارة الثقافة المصرية، وقد تمت عملية الترميم في معامل سينماتك بولونيا بإيطاليا.

مخزن الأسرار في مكتبة الإسكندرية

على شاطئ المتوسط، تحتضن مكتبة الإسكندرية المتحف الدائم "عالم شادي عبد السلام". في رحاب المكتبة العريقة توجد أغلب أصول أعمال المخرج الكبير: تصميمات المشاهد السينمائية والملابس والإكسسوارات، المشاريع المؤجلة التي لم يتم تنفيذها، أدوات الرسم الخاصة، قطع الأثاث التي كانت بمنزله وقام بتصميمها بنفسه، مقتنياته الخاصة ومكتبته. يصاحب ذلك العرض المفتوح في "قاعة آفاق" التي تقدم عروضها يومياً لأبرز الأفلام التي أخرجها شادي عبد السلام، والأفلام التي شارك فيها كمصمم للملابس والديكور.

وعن مسألة الكم والكيف في مشروع شادي عبد السلام، قال الناقد الفني المصري رامي المتولي لرصيف22 إنه ليس شرطاً أن يكون المبدع مقيداً بعدد من الأعمال لنحكم على منتجه. أحياناً، كما الحال مع شادي عبد السلام، يكفي فيلم واحد للحكم على عبقرية وإبداع الفنان. هذا بشكل عام، وبشكل أكثر خصوصية في حالة شادي، لأن هذا الفنان متعدد المواهب يعاني من حصر عبقريته وإبداعه فقط في فيلم "المومياء"، الفيلم الروائي الطويل الوحيد في مسيرته، ناسين أو متناسين عدداً من الأفلام القصيرة، وإسهاماته الكبرى في عالم الديكور وتصميم الملابس، بخلاف أستاذيته وصداقته الممتدة حتى رحيله في أكتوبر 1986م، مع أهم اسمين في فن الديكور السينمائي، الراحل الكبير صلاح مرعى والفنان أنسى أبو سيف.

ليست "المومياء" فقط 

تبدي الدراسات النقدية دهشتها أمام اختيار شادي عبد السلام للأماكن الواقعة الحقيقية التاريخية لتصوير مشاهد المومياء، رغم أن المُشاهد عندما يراها يتولد لديه إحساس بأن ما يراه غير واقعي. نجح شادي في تجريد الواقع معتمداً على لغة عربية في الحوار لم يألفها المشاهد المصري، يصفها الفنان أنسي أبو سيف بأنها ليست لغة فصحى صرف، لكنها لغة عربية سليمة.

عناصر قوة المومياء صاحبت شادي عبد السلام في مسيرة عطائه السينمائي مع الأفلام القصيرة التي أخرجها، والأفلام العالمية التي شارك فيها. يقول الناقد رامي المتولي لرصيف22: "(المومياء) يعد تحفة فنية بالنسبة لكل عناصره، حتى مع استخدامه للغة العربية لتكون الحوار الرسمي بين شخصيات العمل، إلى جانب العمل المتقن للتوابيت والحلى الفرعونية واختيار مواقع التصوير والملابس، وكلها مجالات أثبت شادي تفوقه فيها في أفلام أخرى ليست من إنتاجه. فعلى سبيل المثال نتذكر المستوى الفني لفيلم (عنتر بن شداد)، ونتذكر أيضاً الملابس المبدعة والمتناسبة مع بيئة الفيلم".

"الضوء والظل يعكسان صراع الشخصيات في فيلمه المومياء".

"المومياء" يبقى تحفة فنية بصرية، شهدت استخدامه للظل والضوء في مشاهد متعددة، تحمل دلالات تنعكس على صراع الشخصيات.

يشير رامي المتولي أيضاً إلى قوة شادي عبد السلام كفنان متعدد المواهب، وهو الأمر الذي ساعد على تكامل مشروعه السينمائي، فبالإضافة إلى كونه مخرجاً استثنائياً، فهو أيضاً كاتب سيناريو ومصمم للديكور والملابس ورسام ومصور ومعماري، وقد عمل في العديد من الأفلام العالمية، مثل فيلم "كليوباترا" الشهير للمخرج الأمريكي جوزيف مانكوفيتش، من بطولة إليزابيث تايلور وريتشارد بيرتون، وهو الفيلم الحائز على 4 جوائز أوسكار عام 1964م.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard