ثورة الجلابية في مصر... إلى أين تتجه ولماذا الصمت من حولها؟

الجمعة 2 أكتوبر 202004:33 م
Read in English:

The Galabiya Revolt

منذ زمن بعيد، قاد السان كيلوتيين "أناس بلا ملابس داخلية" أشهر ثورة. وبعد قرون، لو تنامت التظاهرات التي تشهدها مصر حاليًا إلى شيء أكبر، لحملت خاتم "ثورة الجلابية". خلال تلك التظاهرات قتل ثلاثة مصريين على الأقل بينما يقدر عدد المعتقلين على هامش التظاهرات نفسها بـ500 مواطن يقبعون اليوم في سجون السيسي. إنه سبتمبر في مصر، وللعام الثاني على التوالي يزأر العديدون: "السيسي لازم يمشي"، تتعالى هتافاتهم في محافظات متفرقة كأسوان والقاهرة والأسكندرية وقنا.

طوال الأسبوع الماضي، ابتداءً من 20 أيلول/ سبتمبر، احتل عشرات الآلاف من المواطنين، معظمهم من الفلاحين، شوارع القرى الجانبية المغبرة، ليتظاهروا ضد حكم الديكتاتور المصري عبد الفتاح السيسي. تماماً كما حدث في تظاهرات العام الماضي التي بدأت في التاريخ نفسه، 20 أيلول/ سبتمبر، علينا أن ننتظر لنرى هل هي حصاة تلقى على جدار صلب، أم شيء يحمل آفاقًا أرحب. من السهل على البعض أن يقلل من شأن هذه التظاهرات ويراها محدودة، ولكن إذا وضعناها إلى جوار التظاهرات الأوسع التي شهدتها مصر في أيول/سبتمبر 2019، فإن التظاهرات المتفرقة الأخيرة التي برقت في مواجهة استئساد السيسي في محاولات هدم البيوت المخالفة، فنحن بصدد تهديد دقيق لدولة السيسي.

إلى أين نتجه إذن؟ لماذا أتت هذه التظاهرات شابة، تتألف من نسبة كبيرة من المراهقين والأطفال؟ ولماذا يظل المعارضون ذوو الميول اليسارية، في معظمهم، صامتين إزاء هذه التظاهرات؟

بقيت دوائر الأخبار الدولية على حالها، معظم القراء الغربيين - غالباً- لم يهتموا بما يحدث في مصر منذ طرق المقاول المصري محمد علي وترًا حساسًا بفضح عمليات فساد واسعة أطلقت التظاهرات الحاشدة العام الماضي. لكن هناك أسبابًا متجذرة وباقية وهي واضحة وضوح الشمس اللاهبة في يوم صيف قاهري حار.

لنبدأ بـ60 ألف سجين سياسي، رقم ثابت منذ ست سنوات بسبب تعتيم السيسي الكامل على حجم جريمته. لكننا نعرف أن السلطات، قبل أربع سنوات، كانت مشغولة ببناء سجون تستوعب ضعفَيْ هذا العدد. عبد الفتاح مفتون ببناء السجون كافتتانه بسجن معارضيه بأعداد كبيرة. 

الاعتقال ليس الخطر الوحيد. منذ نهاية 2016، سقط الملايين واقتربوا من خط الفقر، ويعود الفضل في هذا جزئيًا إلى تعويم الجنيه المصري، هذه الخطوة التي ساقنا إليها صندوق النقد الدولي ليطلق بها كل وحشية النظام من مكمنها. مثالاً على ذلك، تضاعفت فاتورة الكهرباء وحدها بين ليلة وضحاها. ولن نتكلم حتى عن أسعار الغذاء. تمكن السيسي، نتيجة انعدام حس منقطع النظير، من رفع معدلات الفقر في صفوف الشعب من 28% عام 2015 – قبل التعويم- إلى النسبة المتلاعب بها 33%.

"لنبدأ بـ60 ألف سجين سياسي، رقم ثابت منذ ست سنوات بسبب تعتيم السيسي الكامل على حجم جريمته. لكننا نعرف أن السلطات، قبل أربع سنوات، كانت مشغولة ببناء سجون تستوعب ضعفَيْ هذا العدد. عبد الفتاح مفتون ببناء السجون كافتتانه بسجن معارضيه بأعداد كبيرة"

ما معنى "متلاعب بها من قبل الحكومة"؟ من خلال تحريك خط ما يمكن اعتباره فقرًا إلى أعلى، تفادى النظام الرقم الحقيقي لمعدل الفقر الذي كشف البنك الدولي عن مدى فداحته عندما نشر أن "ما يقرب من 60% من الشعب المصري إما فقير أو في وضع اقتصادي هش، وانعدام المساواة في تزايد". نٰشر هذا التقرير قبل 18 شهرًا. ساءت الأمور كثيرًا منذ ذاك الحين. من دون شبكة اجتماعية تحمي ملايين المصريين من الاصطدام بالقاع، تلك الملايين القاطنة بعيدًا عن المركز والتي تعاني أكثر من سواها، كان من الطبيعي أن تكون وقودا لغضبة الجلابيب.

ثم تأتي كارثة سد النهضة الهائلة، المياه، أهم الموارد المصرية ستظل شحيحة عدة سنوات لدرجة خطيرة، لأن السيسي ظن أن دفع رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد للقسم بعدم الإضرار بمياه مصر عام 2018 سيكون كافيًا لحماية مصالح مصر وحقوقها المائية. الرئيس المصري الذي يفتقر للوعي بتعقيدات شؤون إدارة الدول لا يدرك ما يعرفه أكثر المصريين بساطة: بدون ماء تموت مصر. بعد عامين من ذاك القسم، في منتصف يوليو الماضي، بدأ السد الإثيوبي في عملية الملء في موسم الأمطار الطبيعية، وبدأ إمداد مصر المعتاد من المياه يشهد انخفاضًا بسبب إستراتيجية السيسي السيئة والمفككة. 

يمكنك أن تثق في أن سد النهضة لا يقرب حتى من أن يكون جولة السيسي الوحيدة في حديقة الفشل. 

للمصريين تاريخ طويل من الذكريات والارتباط العميق بأرضهم. ولا شك في أن التأييد الواسع الذي حظى به السيسي في البداية تلقى أولى ضرباته الكبرى عندما باع الأرض المصرية لرفاقه السعوديين. التحرك لبيع تيران وصنافير نظر إليه الملايين باعتباره تصرفاً في مقام الخيانة العظمى. الكاتبة المصرية البارزة أهداف سويف كتبت وقتذاك في "نيويورك تايمز" مقالا" بعنوان: "جزر مصر الضائعة.. عارالسيسي المقيم".

بالنسبة للدولة المصرية، فإن خيانة المواطنين حرفة. فشلت الدولة في اختبار وعلاج واحتواء المرض الناجم عن فيروس كورونا المستجد، وهذا واحد من أبرز الأمثلة على احتراف الدولة إلقاء مواطنيها للذئاب. فبينما سجلت الدولة 100 ألف حالة إصابة رسمياً وأقل قليل"ا من 6 آلاف وفاة، فإننا ربما لن نعرف الأرقام الحقيقية أبدًا.العالم المعتمد لدى الحكومة نفسه قال في غير مناسبة إن الارقام الحقيقية قد تراوح بين خمسة و10 أضعاف الأرقام الرسمية. يتركنا هذا في مواجهة أرقام مرعبة تتجاوز مليون إصابة وربما 50 ألف وفاة. تحت قصف التبعات الاقتصادية لكوفيد 19 في جبهات متعددة، ليس أقلها السياحة، وقعت مصر في خسائر اقتربت من 80%، وعوضًا عن أن تقدم الدولة الدعم للخاسرين، انهالت على رؤوس المواطنين بمطارق رفع الأسعار والإغراق في المزيد من الضرائب والرسوم.

"بالنسبة للدولة المصرية، فإن خيانة المواطنين حرفة. فشلت الدولة في اختبار وعلاج واحتواء المرض الناجم عن فيروس كورونا المستجد، وهذا واحد من أبرز الأمثلة على احتراف الدولة إلقاء مواطنيها للذئاب"

لا يمكن أن يفاجأ المتابع بتلك المظاهرات التي استمرت نحو تسعة أيام، مع أن هناك إشارات إلى أنها تراجعت ابتداءً من 28 أيلول/سبتمبر مع وعود بجمعة غضب ثانية في الثاني من تشرين الثاني/أكتوبر على الرغم من القبضة الأمنية المشددة في جميع المدن الكبرى.

لنلخص المسألة: الكل، تقريبًا، يعاني اقتصاديًا. الحديث مع مصادر من الطبقة الوسطى الموشكة على الموت منح صدقية للانطباع السائد بأن قلائل هم الذين استطاعوا الهروب من قبضة الإفقار والصعوبات الاقتصادية خلال السنوات القليلة الماضية، وقلة قليلة فرّت من الضربة الاقتصادية لكوفيد 19 الذي نخر الاقتصاد خلال الأشهر الأخيرة. أما بالنسبة للطبقات التي ضربها الإفقار بشكل أكبر بدءًا من الشريحة الدنيا للطبقة الوسطى نزولًا لقاع الطبقات الاقتصادية، فإن هناك مشاكل مزمنة عمَّقها حكم السيسي.  

عوضًا عن التركيز على البطالة بين الشباب بعدما بلغت 61% في الفئة العمرية من 15 – 29 في الربع الثاني من عام 2020، فإن الرئيس وإدارته يركزان على بناء قصور للخاصة، بما فيهم قصر الرئيس نفسه في العاصمة الإدارية الجديدة. مع نقص المعلومات عن عمق الحراك، زوّدت دوائر في الدولة العميقة جيوشها الإلكترونية بتعليمات للتركيز على صغر عمر المشاركين في التظاهرات "تظاهرات أطفال". ومن حيث أرادوا التقليل من شأنها قدموا دليلًا على فشل الحكومة، فصغر عمر المتظاهرين دليل دامغ على كون الغضب يستشري مشكلًا قنبلة زمنية تنتظر الانفجار، مادتها المتفجرة تتشكل من 30% من قوة العمل. إنها ثورة صغيرة للمنسيين.  

إذن لماذا يصمت الليبراليون والتقدميون الذين أطلقوا شرارة ثورة 25 يناير؟ ولماذا يغيبون عن الشوارع بشكل شبه كامل؟ لنكن واضحين: هذه المجموعة أقل عدداً بكثير مما يتصوره الناس في مصر وخارجها، كما أنها كانت الهدف الثاني للنظام بعد الإسلام السياسي. علاء عبد الفتاح وزياد العليمي ربما يكونان أشهر النشطاء، لكن هناك آلاف على شاكلتهم في سجون السيسي، ولهذا هناك مشكلة قيادة. يضاف إلى ذلك، هذا الاكتئاب الممتد لفشل ثورة يناير، إنه ضباب فكري شبه دائم، يقوم بدور فاعل في التسفيه من أي نقاش جاد أو تفاعل مع الجماهير المطحونة. هذه الدوائر التقدمية عانت خسارات فادحة بالقتل والاعتقالات الاجتماعية، لهذا فهي حساسة للغاية من أن تنتهج الدولة الممارسات ذاتها تجاه التظاهرات الحالية.  

لا يمكن للمتابع أن يستبعد التشكك في شخص محمد علي من المعادلة الحالية، خاصة أنه أظهر قدرًا هائلًا من السذاجة السياسية إذ أقحم نفسه في الدعوة إلى تلك التظاهرات. فإذا أضفت إلى هذا الشك في تلاعب الإسلام السياسي بهذه الدعوات من وراء الستار، يمكننا حينذاك أن نفهم تردد التقدميين. 

لماذا يصمت الليبراليون والتقدميون الذين أطلقوا شرارة ثورة 25 يناير؟ ولماذا يغيبون عن الشوارع بشكل شبه كامل؟

هناك أيضًا مسألة الخبرة السياسية المتخلفة عن يناير، والتي تحتم وجود خارطة طريق واضحة ومفصلة. الآلاف ممن يمكنهم لعب دور مؤثر في هذه التظاهرات، اختاروا البقاء في موقع المشاهدة، ولكن مع احترام صوت الآلاف الذي يرفعون الشكوى لأنهم لم يعودوا يطيقون صبرًا على الانتهاكات اليومية لحقوقهم. الصحافية والناشطة المصرية رشا عزب تلخص الموضوع على طريقتها: "يعني بيت ومواصلات وتعليم في ضربة واحدة بعد وباء وفساد خارجين تضربونهم بالرصاص لما يصرخون كل التضامن مع أي صوت طالع من ركام الظلم والظلمات".

على الرغم من غياب الخطة، فالدعم السياسي المحدود ممن لديهم الثقل والخبرة، والرد الأمني العنيف من جانب النظام يظهران الشروخ العميقة في الدولة المصرية. هذه التظاهرات ليست كسرًا لجدار الخوف لكنها لا تقل عن كونها نخراً منظماً للحائط الذي اجتهدت الثورة المضادة في بنائه منذ رحيل مبارك في 11 شباط/فبراير 2011.  

وحده المنجم يمكنه أن يقدم لنا تخمينًا بشأن ما ينتظر البلاد، لكن لا شك أن تلك الأرواح الشجاعة تنتزع حقًا صادرته الديكتاتورية: الحق في التظاهر. الأهم من هذا أنه عندما يصرخ الآلاف، فإنهم يفضحون صمت الملايين الذين يتعيّن عليهم أن ينهضوا من رقادهم، ويصرخوا عاليًا حتى يسمعهم من به صمم. 

ما سيحدث في المستقبل لن يحدده الذين يمسكون بالأقلام والبنادق، بل الذين يرتدون الجلابية. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard