تظاهرات سبتمبر 2020... احتجاجات الهامش المصري

السبت 26 سبتمبر 202006:11 م

"أحياناً، يكون الصمت احتجاجاً وأحياناً يكون موافقة، لكنّه في معظم الأحيان يكون خوفاً" (بول بيتي).

الاحتجاجات في النظم شديدة القمعية، أو جمهوريات الخوف كما يُقال، لا تُقاس بعدد المحتجين في الغالب ولكن بتأثيرها وما تمثّله من غضب صامت بدأ يُخرج شيئاً من حممه على السطح.

فأي احتجاج، ولو كان صغيراً، هو مؤشر على ما يتجاوز مسألة العدد، ودلالة على أن هناك عدداً يتزايد من الناس لديهم غضب أعلى وأكبر من كل الخوف الذي بيبثه النظام.

العدد القليل من الغاضبين الشجعان يمثّل أعداداً أكبر من الغاضبين الخائفين. فاحتجاج ألف شخص في دمشق له دلالات ربما أكثر من احتجاج مليون شخص في شوارع لندن.

يوم 20 أيلول/ سبتمبر، خرجت تظاهرات احتجاجية في مصر، استجابة لدعوة رجل الأعمال ومقاول الجيش المصري السابق، محمد علي. لم تخرج التظاهرات في المركز أو المدن الكبيرة، بل كانت تظاهرات في الهامش الأفقر والأبعد عن اهتمامات العاصمة (والبعد هنا هو بعد سياسي وليس جغرافياً).

احتجاجات الهامش

تظاهرات لم يُذكر فيها اسم الميادين الشهيرة كالتحرير أو رابعة أو النهضة أو القائد إبراهيم أو الأربعين في القاهرة والجيزة والإسكندرية والسويس، بل ذُكرت فيها أسماء قرى قد لا يعرف المصريون أنفسهم أسماءها، مثل الكداية، أم دينار، وكفر نجم، وميت أبو غالب، وشطا وغيرها.

هي احتجاجات الهامش على مركز لا يراهم وإنْ رآهم يهددهم بمزيد من القمع. يهدد السيسي بالجيش لإزالة المخالفات لأنه كما يقول رأى مخالفات وهو يتحرك بالطائرة الرئاسية من الجو فوق القرى. لم يستسِغ هؤلاء تهديدات السيسي وهو غاضب في لقاءاته التي كثيراً ما يغضب ويهدد فيها. ربما يحتاج هؤلاء إلى مَن ينزل لهم من طائرته الرئاسية ليستمع إليهم ويفهم منهم لماذا ارتكبوا مخالفات البناء على أراضٍ تتكدس بالبشر وتشح الخدمات فيها.

تقول الرواية الرسمية إن المحتجين مدفوعون أو مدفوعٌ لهم من الإخوان. هذه الرواية المفضّلة دوماً حتى للإخفاقات الرياضية والهزائم في عالم كرة القدم.

حتى محمد علي لا يجدي إلقاء اللوم عليه، فهو شخص محدود الموهبة والقدرات السياسية ولا يمكن اعتباره زعيماً بالمعنى السياسي. لذا، فخطاب الناشطين السابقين الذين يحمّلونه مسؤولية الاحتجاجات هو خطاب يتقاطع مع خطاب الدولة التي تحمّل المسؤولية عن الاحتجاجات للإخوان.

الغضب موجود فعلاً، ولا تنقصه إلا شرارة، ومحمد علي ليس إلا شرارة انطلاق.

الاحتجاجات في النظم شديدة القمعية، أو جمهوريات الخوف كما يُقال، لا تُقاس بعدد المحتجين في الغالب ولكن بتأثيرها وما تمثّله من غضب صامت بدأ يُخرج شيئاً من حممه على السطح

تعاني النظم السلطوية والقمعية من متلازمة الخداع الذاتي. استمرار ترديد سردية المؤامرة تجعلها الرواية الأسهل التي لا تخدع فقط الموالين ولكنها تخدع النظام ذاته فيمعن في تفسير كل احتجاج على أنه مؤامرة، وكل احتقان على أنه تمرّد.

لا أحد يمكن دفعه من آخرين إلا إذا كان غاضباً فعلاً، ولا أحد يقايض حريته وحياته بأموال العالم. الغضب موجود حتى وإنْ استثمرت فيه بعض الجماعات والتنظيمات. دور الإخوان أو غيرهم، إذا سلّمنا بصحة الرواية الرسمية، يقتصر على استغلال هذا الغضب لا صناعته.

الغضب حقيقي

الأسلم للنظام أن يعترف بأن التظاهرات مدفوعة بغضب حقيقي لا بغضب مصطنع، وبرفض لسياساته لا بقبول لروايات خصومه. وحتى وإنْ كان عدد المشاركين فيها قليلاً وكان انتشارها الجغرافي محدوداً (ولا أظنها كذلك) فهي مجرد رأس جبل الغضب وما خفي أعظم.

يعاني السيسي من أزمة كونه رجل مخابرات يجيد مؤامرات القصور وتكتيكات الحرب النفسية وبث الرعب لكن لديه مشكلة كبيرة كلما تكلم. الرجل كثير الأخطاء الشفاهية. ففي العام الماضي، أثار تصريحه عن أنه بنى قصوراً وسيبني قصوراً، لأنه على حد وصفه "بَعْمِل دولة جديدة"، نفوس الناس بصورة كانت أيضاً أكبر من مخاوفهم، فنزلوا إلى الشوارع حتى في المدن.

تعاني النظم السلطوية والقمعية من متلازمة الخداع الذاتي. استمرار ترديد سردية المؤامرة تجعلها الرواية الأسهل التي لا تخدع فقط الموالين ولكنها تخدع النظام ذاته فيمعن في تفسير كل احتجاج على أنه مؤامرة، وكل احتقان على أنه تمرّد

وفي هذا العام، أثار تصريح متشنج آخر له بأنه سيستعين بالجيش ضد المخالفين حفيظة الناس. لا يستوعب السيسي أن تخويف الناس بجيشهم أمر خطر على استقرار نظامه وتماسك جيشه. فالجيش المكوَّن بضباطه ومجنديه من سكان القرى التي تظاهر بعض أبنائها وغيرها من القرى والمدن المصرية سيجد نفسه في وضع صعب إذا استُخدم لإزالة المباني المخالفة.

السيسي الذي ربما أسكرته مكتسبات السيطرة الكبيرة على الجيش بشكل لم لم يسبقه عليه أي رئيس مصري، حتى جمال عبد الناصر نفسه، ربما لا يستوعب أن استمرار تحويل الجيش إلى قوة قمع داخلي وتوجيه نيرانه للداخل استثناء لا يجب تحويله إلى قاعدة وإلا فقد السيسي كل مكتسباته.

أجبرت احتجاجات الهامش الحكومة على التراجع واضطرت لتقديم تنازلات في قانون التصالح، بعد أن رضخت لعدم هدم المنازل المأهولة بالسكان ومددت فترة التصالح وخفّضت سعر المتر في القرى، وهي تنازلات ربما تكون إشارة على أن الحكومة تستفيد من أخطائها، وعلى إيقانها أن السياسات تُصنع بالنظر إلى خريطة أصحاب المصالح، وعلى أن رأس النظام أدرك ضرورة التوقف عن الحكم بفرامانات يصدرها في لقاءاته التي يتحدث فيها جالساً وظهره للحاضرين.

أثبتت الاحتجاجات الأخيرة أن تجفيف الساحة من الفاعلين السياسيين وتدمير المعارضة خطر حتى على النظام نفسه الذي وجد نفسه بلا وسائط سياسية ولا معارضة متماسكة يمكنه أن يفاوضها أو تكون حاجزاً بينه وبين غضب الناس، وبلا تنظيم سياسي متماسك يستطيع جمع مصالح الناس ورفعها إلى صانع القرار. فصانع القرار مصمم على أنه يعرف أكثر ولا يريد إلا كيانات تنفّذ أوامره وتردد أفكاره.

هذه ليست ثورة كما لم تكن احتجاجات العام الماضي ثورة. لكن العاقل مَن اتّعظ من بوادر العاصفة. فالركون إلى القوة فقط لا يصنع شرعية. الشرعية تحتاج إلى سياسة، أي قدرة على التوفيق بين الرغبات المتباينة والإرادات المتصارعة لا سحقها تماماً، وأي سياسة فعّالة تضع الحلول للمشاكل بالنظر إلى مطالب أصحاب المصلحة لا بإسكاتهم تماماً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard