النظام المصري وأزمة الكورونا: الخير منّي والشر من سلوكيات المواطنين

الثلاثاء 7 أبريل 202004:55 م

في 22 و23 آذار/ مارس، أصدرت القوات المسلحة المصرية بيانين نعت فيهما اللواءين شفيع عبد الحليم داوود وخالد شلتوت. كُتب البيانان بنفس اللغة وبنفس المعنى للتأكيد على أمرين: الأول أن وفاتهما نتيجة إصابتهما بفيروس كورونا؛ والثاني أن الوفاة وقعت "خلال اشتراكهما في أعمال مكافحة الفيروس بالبلاد".

هذان البيانان يعكسان الفلسفة الدعائية للدولة في التعاطي مع الفيروس، إذ جرى العمل على صناعة صورة دعائية فيها عدو ومعركة وضحية وبطل، بحيث تقوم الدولة ومَن يمثلها بدور البطولة ويقوم الفيروس بدور العدو ويقوم المواطن بدور الضحية المغيّبة في كثير من الأحيان.

قبل ذلك بأيام، كانت صور السيارات العسكرية وهي ترشّ المعقمات في شارع صلاح سالم، في وقت تخلو فيه بعض المستشفيات من أداوات التعقيم اللازمة لحماية الطواقم الطبية، تلعب دور البروباغندا أكثر مما تعكس خطوات ضمن خطط للوقاية والحماية الصحية.

الاستثمار في الأزمة

ويبدو أن الدولة قررت الاستثمار في الأزمة حتى قبل محاولة معالجتها. خارجياً، كان الجائحة فرصة للاستثمار عبر "دبلوماسية الكوارث". اختار النظام المصري إيطاليا لإرسال مساعدات إغاثية لها، في مسعى واضح لاستغلال الكارثة من أجل التخفيف من حدة أزمة العلاقات المصرية الإيطالية الممتدة منذ مقتل الطالب جوليو ريجيني.

وداخلياً، ظهر الاستثمار في الأزمة في الطابع الدعائي لإدارة وتأجيل اتخاذ قرارات هامة مثل قرار تعليق الدراسة في الجامعات والمدارس، والذي تم تأجيله ومقاومته من الوزير ليترك حل الأزمة للرئيس، وليحصد الأخير التأييد الشعبي المتوقع من هذا القرار. حتى تعليق التجمعات الكبرى في دور العبادة تم تأجيله لما بعد 20 آذار/ مارس، وللمفارقة كانت خطبة الجمعة الأخيرة قبل التعليق عن طاعة ولي الأمر.

كانت فكرة الرئيس المنقذ أو الرئيس البطل أحد أهم التكتيكات التي استخدمها النظام في معركة الدعاية التي يحاول أن يديرها مستفيداً من الجائحة العالمية. وأحياناً، استفاد النظام من خلق أزمات ومن حلها، فكما خلق أزمة تحميل العائدين نفقات عزلهم الصحي وترك الشكاوي تتصاعد في أوساطهم، استفاد أيضاً من حلها عندما وجّه الرئيس بتحمل صندوق تحيا مصر مصاريف عزل العائدين من الخارج.

تسعى البروباغندا السياسية دوماً إلى احتكار المجال العام، ومنع أي أصوات بديلة من المنافسة لتبقى فقط رواية وحيدة. وهنا كانت تهمة الخيانة تواجه أي صوت منتقد للسردية المعتمدة حكومياً.

"طوّر النظام المصري أساليب الدعاية والتحذير بحيث يعفي نفسه من المسؤولية عن أي أزمة قد تطرأ ويرمي اللوم الأكبر على سلوكيات المواطنين. هكذا، إذا كان ما سيأتي خيراً فهو من الرئيس أو من النظام وإذا كان شراً فهو بسبب سلوكيات الناس"

في هذا السياق، وظف النظام لسانه الديني متمثلاً في وزير الأوقاف، والذي أطلق تصريحاً استخدم فيه توصيفات "ترديد الشائعات" "وخيانة الدين والوطن" كتحذير شديد اللهجة من أن الدولة لن تتسامح مع أي رواية للأحداث بعيدة عن روايتها.

كما وظف النظام قدراته الأمنية في تعقب الأصوات المناوئة للصوت الحكومي الرسمي. ففي الوقت الذي تعالت فيه أصوات تدعو للإفراج عن معتقلين، تحرك الأمن المصري في الاتجاه المعاكس واعتقل منتقدين للتعامل الحكومي مع الأزمة. لم تكن الرغبة في مطاردة الشائعات الدافع الأساسي للأمن المصري، فقد تم ترديد شائعات على الجانب المؤيد للدولة من نوع أن فيروس كورونا مؤامرة أمريكية للسيطرة على الشعوب ولكن الأمن لم يعرها اهتماماً.

الخير منّي والشر من الناس

وطور النظام أساليب الدعاية والتحذير بحيث يعفي نفسه من المسؤولية عن أي أزمة قد تطرأ ويرمي اللوم الأكبر على سلوكيات المواطنين. هكذا، إذا كان ما سيأتي خيراً فهو من الرئيس أو من النظام وإذا كان شراً فهو بسبب سلوكيات الناس.

في هذا الاتجاه، ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي حملات منظمة وغير منظمة للإشادة بدور الدولة التي تحاول أن "تنقذ" المواطن، بينما المواطن غير مكترث.

هذا هو الاتجاه الذي أكدت عليه وزيرة الصحة في تصريحها: "لو فشلنا في مواجهة كورونا هيبقى بسبب سلوكيات الناس"، وفي سياقه تأتي الدعاية التي استخدمها وزير النقل في لومه للناس الذين لا يخشون الفيروس: "أعداد الركاب في تزايد، المواطنون التزموا بالتعليمات في البداية، مش فاهم هل مش خايفين دلوقتي؟".

"يحظى أداء الحكومة المصرية إزاء أزمة الكورونا بمستوى رضا شعبي غير قليل، غير أن الشرعية السياسية للنظام كلها مهددة في حالة حدوث السيناريو الأسوأ، وهو انتشار الجائحة بمعدلات تؤدي إلى انهيار المنظومة الصحية التي تعاني من مشاكل هيكلية"

في المجمل، نفّذت الدولة القرارات التي لها طابع المنع (بما فيها إغلاق الأنشطة غير الضرورية وحظر التجوّل الجزئي) بكفاءة أعلى مما في تنفيذها قرارات تحسين الأداء التي لها الصفة التوزيعية، وهو ما يعكس طبيعة وفلسفة نظام الحكم في مصر والذي يقوم على مرتكز أمني وعسكري، وتفوق قدرات الضبط والسيطرة القمعية لديه قدراته التخطيطية في تنفيذ وتفعيل خطط خدمية تهدف إلى تحسين الأداء ورفع مستوى الخدمات.

فإلى الآن، لم يعلن النظام عن خطة لزيادة عدد غرف العناية المركزة، رغم أن مصر تعاني من أزمة نقص فيها قبل انتشار الجائحة، ولزيادة عدد أجهزة التنفس الصناعي (يعمل عدد من مبادرات المجتمع المدني على تصنيعها غير أن المبادرات لم تحظَ بدعم ملحوظ من الدولة).

ولم تزل أزمة توفير أجهزة تحليل أكثر فاعلية وسرعة وكفاءة لرصد وتتبع حالات الإصابة تثير مشاكل حقيقية ربما تؤدي إلى زيادة التخوفات من وجود تباين كبير بين الأرقام المعلنة للإصابة والأرقام الحقيقية. كما فشلت خطط الدولة في تقليل التزاحم سواء في المواصلات العامة أو في البنوك أو في شركات الاتصالات.

وبينما يتهم النظام في دعايته الرسمية الناس بعدم اتباع تعليمات السلامة الصحية والتزاحم في المواصلات العامة، يرفض إعطاء إجازات للعاملين في بعض القطاعات التي كان يمكن تعليق عملها مؤقتاً، مثل قطاع المقاولات، ويرفض تبطيء العمل في المشروعات الإنشائية الحكومية.

في المجمل، يحظى الأداء الحكومي بمستوى رضا شعبي غير قليل، وربما سيدعم عدد أكبر من المواطنين القرارات الأمنية وسيستجيبون لها، خاصة في ظل انتشار حالة الهلع من الفيروس.

لن يلتفت كثيرون من المواطنين إلى أزمات نقص الخدمات والمستلزمات الطبية ولا إلى معدلات التزاحم الكبيرة، طالما ظلت الجائحة في مستويات انتشار مقبولة في مصر.

غير أن الشرعية السياسية للنظام كلها مهددة في حالة حدوث السيناريو الأسوأ، وهو انتشار الجائحة بمعدلات تؤدي إلى انهيار المنظومة الصحية التي تعاني من مشاكل هيكلية وإدارية وخدمية ضخمة، فهذا قد يؤدي إلى انخفاض شعبية النظام وزيادة الغضب الشعبي حياله.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard