لماذا نهمل قضايا العاملين والعاملات في الجنس عربياً؟

السبت 26 سبتمبر 202005:28 م

قليل الذي يُكتب عن العاملين والعاملات في الجنس عربياً، وقليلاً ما لاحظت شيئاً كُتب عن هذه الفئة التي تعد من أكثر الفئات المهمشة في مجتمعنا العربي على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء في اليوم العالمي للعاملين والعاملات في الجنس الذي يأتي مع بداية حزيران/ يونيو من كل عام، أو في أي يوم آخر. 

 لكن، قد يسأل البعض ما أهمية الحديث عنهم وعنهن اليوم؟ ولماذا نعطي أهمية لأناس اختاروا العمل في مهنة توصم بالعار، وهي في الأساس لا تعد مهنة كغيرها، إذا ما تم مقارنتها في سوق العمل وضمن نظام العمل المتعارف عليه، أو في الاقتصاد غير الرسمي. إذ لا تزال هذه المهنة واحدة من المهن الأكثر انتشاراً عالمياً، من دون ضمانات اجتماعية أو أمنية أو حقوقية أو إطار منظم لها، وبعض الدول تعدها مخالفة للقوانين وتعاقب العاملين والعاملات فيها. لذا، فإن كثراً يعملون فيها، في ظل مخاوف وقلق دائمين، تصل إلى حد تهديد حياتهم وحياتهن بالموت والتصفية الجسدية، وفي أقل الظروف سوءاً يتم تعنيف هؤلاء وسلب حقوقهم المالية وملاحقتهم وابتزازهم جنسياً ونفسياً. 

للعاملين والعاملات في الجنس، تحية لقوتهم وشجاعتهم في الاستمرار في مجتمعات القتل والتهميش والمطاردة.

كوفيد 19 وتأثيره 

وعن السائلين والسائلات عن أهمية الحديث عن العاملين والعاملات في الجنس هذه اللحظة المربكة عالمياً فالإجابة بسيطة جداً، أنه بعد فرض إجراءات التباعد الاجتماعي ومع القيود المشددة لمواجهة كورونا، أُغلقت كثير من نوادي التعري وبيوت الجنس، التي تعد واحدة من الأماكن الناشطة لعمل هؤلاء، فخسروا دخلهم وأمانهم المالي.

ورغم لجوء كثير منهم ومنهن إلى استخدام تقنيات الإنترنت، إلا أن هذا لم يكن ممكناً لكثيرين، نظراً لظروف شخصية وعدم وجود مساحات آمنة وحميمة، بعضهم يعيش مع آخرين ولا يستطيع أيضاً الافصاح عن عمله، خوفاً من التعرض للعنف والفضح والملاحقة. 

الحديث عن العاملين والعاملات في الجنس، سواء في اليوم العالمي المخصص لهم/ن، أو في كل فرصة نراها مناسبة، هو  تجديد الاعتبار لفئة مهمشة عالمياً، وتذكير بقضاياها وشؤونها القانونية والحقوقية، معضلاتها النفسية وتحدياتها الاقتصادية والأمنية، في ظل انتشار الأصوات الموغلة بالعنف والتمييز، ويسهم في إعادة الصلة بشؤون هذه الفئة وتسليط الضوء على ظروفها ومعاينة معايشتها للتطورات العالمية، خصوصاً مع انتشار فيروس كوفيد 19، وبعيد التطورات الدراماتيكية في العالم العربي التي تزداد فيها المسائل الأمنية تعقيداً وتهدد حيوات هؤلاء يوماً بعد يوم. 

ويعمل كثير من المهاجرين والمهاجرات الذين لا يملكون أوراقاً ثبوتية في هذا المجال، وأيضاً العابرين والعابرات جندرياً، والذين لا يجدون فرص عمل تدمجهم في مجتمعاتهم التي يعانون فيها من الأحكام المسبقة والسخرية والعنف، فتكون وسيلتهم الوحيدة للعيش هي في هذا المجال.

عدا أن نساء ورجالاً كثيرين يعانون من البطالة الشديدة والتهجير القسري ومن ظروف اقتصادية سيئة تضطرهم لممارسة هذه المهنة، وطبعاً هناك من يختار العمل فيها بإرادة تامة وقناعة، وهو أمر للأسف يوصم في كثير من المجتمعات بالعار، وهي وصمة مغلوطة وذكورية وعنيفة، وفيها الكثير من الظلم والإجحاف وإلحاق الأذى بهذه الفئة التي تريد العمل مثلها مثل غيرها، والعمل هو حق تكفله شرعة حقوق الإنسان. 

ففي بيروت، خسر كثير من العاملين والعاملات في الجنس بيوتهم وأماكن عملهم في أرجاء المرفأ، وتعرضت بعض الشقق التي تأويهم للتكسير، ووجدوا أنفسهم غير قادرين وقادرات على دفع إيجاراتهم بفعل الظروف القاسية التي يعاني منها لبنان

التهديد والقتل في العالم العربي

تبدو أهمية الحديث عن العاملين والعاملات في الجنس عريباً مضاعفاً، بالأخص أن هذه الفئة تعاني بشكل كبير من العنف والتهديد، وتزداد حالات القتل والتصفية الجسدية عاماً بعد عام، في صفوف هؤلاء، من دون أي محاسبة قضائية للفاعلين والمجرمين.

 ويمكن التوقف أمام حالات القتل والاعتداء والتصفية الجسدية في العراق ومصر، كمثالين تأتينا منهما بين الحين والآخر أخبار مخيفة عن ملاحقة هؤلاء وطردهم وقتلهم وتخويفهم وتهديد أسرهم.

ومن هذه الفئات العاملة في هذا المجال ومن الأكثر تهديداً، عابرين وعابرات جندرياً الذين يعمل بعضهم اضطراراً في هذا المجال لكسب عيشهم/ن، في ظل الملاحقات والعنف الأسري والنبذ المجتمعي، وعدم قدرتهم على إيجاد أنفسهم في مجالات العمل التقليدية التي تحاكمهم على رحلات عبورهم الجندري، وتعلق حياتهم، أو ببساطة يتعرضون للطرد من أعمالهم بسبب بدئهم رحلات العبور. 

ويكاد كل العاملين والعاملات في الجنس قد تضرروا وتضررن في لبنان، بعد جريمة تفجير مرفأ بيروت، وظهرت بعض الأصوات في العاصمة اللبنانية تدعو لمساعدة العاملين والعاملين في الجنس، لكن ضمن حملة أوسع لمساعدة العابرين والعابرات جندرياً.

ويتم أحياناً في المجتمع المدني وحملات التضامن استثناء معظم العاملات والعاملين في مجال الجنس من المساعدات والتعويضات والحماية، وبالطبع فإن الحكومة اللبنانية لم تلحظهم في مساعداتها، كما معظم الحكومات العربية التي في ظروف مأساوية، من التفجيرات إلى الفيضانات والكوارث الطبيعية، لا تجد في لوائح مساعداتها (ولو القليلة) هذه الفئة.

 وهذا أمر يعد مقلقاً ويهدد حياة هؤلاء الذين قد يضطر بعضهم للانتحار أو العيش في الطرقات في ظروف سيئة. ففي بيروت، خسر كثير من العاملين والعاملات في الجنس بيوتهم وأماكن عملهم في أرجاء المرفأ، وتعرضت بعض الشقق التي تأويهم للتكسير، ووجدوا أنفسهم غير قادرين وقادرات على دفع إيجاراتهم بفعل الظروف القاسية التي يعاني منها لبنان.

من هذه الفئات العاملة في هذا المجال ومن الأكثر تهديداً، عابرين وعابرات جندرياً الذين يعمل بعضهم اضطراراً في هذا المجال في ظل الملاحقات والعنف الأسري والنبذ المجتمعي

إذن، نحن أمام معضلة لا ينتبه كثيرون لها، وهي تقع على عاتق المجتمع المدني في العالم العربي والمؤسسات غير الحكومية والمنظمات الدولية، وهي إعادة النظر في عمليات توزيع المساعدات، ووضع خطط استراتيجية أيضاً لحماية هؤلاء وإدماجهم في المجتمعات، المطالبة بحقوقهم وأمانهم، عدا عن حمايتهم من التمييز والتعرّض للابتزاز من قبل الناشطين أيضاً والعاملين في المؤسسات والجمعيات غير الحكومية.

 وهذه مسؤولية أيضاً جمعيات مجتمع الميم في العالم العربي، في الاطلاع على أوضاع هؤلاء وتأمين حاجاتهم والتواصل عبر شبكات التواصل والدعم لتحسين ظروفهم/ن، وإعادة الأمل لهم في بناء حياتهم من جديد. 

لا نريد مزيداً من المآسي، والآن حان وقت الإضاءة على مشكلات هذه الفئة وانتشالهم من الصور النمطية والوصمة الاجتماعية التي تنبذهم وتحتقرهم وتهدد حياتهم.

هذه مسؤوليتنا جميعاً كصحافيين/ات وكتاب/ كاتبات وناشطين/ ناشطات وعاملين/ات في مجالات إنسانية وثقافية وفنية وتطوعية، علينا التكاتف من أجل بناء ما تعجز عنه دولنا وحكوماتنا. علينا التمسك بآخر ما نملكه من مناصرة بعضنا بعضاً. 

ولهؤلاء العاملين والعاملات في الجنس، تحية لقوتهم وشجاعتهم في الاستمرار في مجتمعات القتل والتهميش والمطاردة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard