"مسؤولية مباشرة وممتدّة"... السعودية صفاء الأحمد وفضح "خفايا الحرب الأمريكية في اليمن"

الثلاثاء 22 سبتمبر 202008:30 م

" دعاؤنا أن يسود السلام وأن تتحقق العدالة لكل البشر… وندعو المعنيين بما حدث إلى أن يمتلكوا الشجاعة ويعترفوا بكل صراحة ووضوح بأنهم ارتكبوا أخطاء تسببت في وقوع ضحايا بريئة من الأطفال والنساء، تمهيداً لرد الاعتبار للضحايا وأسرهم وما يتبعه من حقوق إنسانية وقانونية".

كان مفترضاً أن تقرأ الصحافية والمخرجة السعودية صفاء الأحمد هذه الرسالة، مساء 21 أيلول/ سبتمبر، لدى فوزها بجائزة "أفضل تغطية مستمرة" التي رُشّح لها فيلمها الوثائقي "خفايا الحرب الأمريكية ضد القاعدة في اليمن". 

لم تفز بالجائزة التي رشحت إليها للمرة الرابعة. رغم ذلك، أصرت الأحمد على أن تنقل هذه الرسالة من الناجين وذوي ضحايا الهجمات الأمريكية المزعومة على الإرهاب في اليمن، عبر حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي.

ولطالما أشارت التقارير الإعلامية والأممية إلى الدور الذي تلعبه الأسلحة الأمريكية التي تباع إلى حليفتيها في المنطقة، الإمارات والسعودية، في قتل مدنيين. لكن الأحمد ألحّت على أن "الحكومة الأمريكية لديها مسؤولية مباشرة تعود لسنوات عديدة، حتى قبل هجمات أيلول/ سبتمبر عام 2001، على صعيد نقل الأسلحة"،  وهذا ما وثّقه فيلمها.

عن الفيلم

"خفايا الحرب الأمريكية ضد القاعدة في اليمن" (في النسخة الإنكليزية "استهداف اليمن")، هو عنوان فيلم الأحمد الوثائقي الذي كان مرشحاً للجائزة، وهو الأحدث ضمن مجموعتها التي توثق تورط أطراف الصراع في اليمن في جرائم حرب، الكثير من ضحاياها مدنيون. 

يسلط الفيلم الضوء على الضحايا المدنيين لهجمات الدرون الأمريكية على مواقع مزعومة لتنظيم القاعدة حيث تتذرع واشنطن بمحاربة الإرهاب.

من أفلامها الوثائقية التي تتناول الحرب الأهلية في اليمن، والصراعات الأخرى التي تتورط فيها دول عدة، بينها بلدها السعودية والولايات المتحدة. استغرق إعداد "خفايا الحرب الأمريكية" الكثير من الوقت والجهد والتخطيط.

قالت الأحمد لرصيف22: "آخر فيلم كان معقداً بعض الشيء. لسنوات كنت أفكر في تناول ادعاءات أمريكا بأنها تحارب الإرهاب في اليمن وكشف حقيقتها. فكرت كيف أُظهر ما وراء الضربة".

"كفى وقاحة وتنديد بجرائم أنتم شركاء فيها"... مخرجة سعودية تتحدث لرصيف22 عن فيلمها الذي وثّق تورط القوات الأمريكية في قتل العديد من المدنيين في اليمن بعدما رشح لنيل إحدى جوائز "إيمي"

تضم المجموعة خمسة أفلام: "القاعدة في اليمن"، و"الحوثيون: من الجبل إلى السلطة"، و"قبل العاصفة… حلم اليمن الجنوبي" و"تعز بين المطرقة والسندان" الذي فاز بجائزتي "إيمي" عام 2017، علاوةً على الفيلم المشار إليه سابقاً.

منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحكم، لاحظ مراقبون زيادة كبيرة في استخدام الطائرات من دون طيار لدى توجيه الضربات التي يقال إنها ترمي إلى ضرب التنظيمات الإرهابية، منها تنظيم القاعدة في اليمن. رافق ذلك ازدياد في أعداد الضحايا المدنيين، وهو ما مكن الأحمد من العثور على مصادر توثّق خسائر هذه الهجمات. 

أمنياً، لم يكن دخول اليمن أو حتى الوجود في مثل هذه المناطق سهلاً. قالت الأحمد إن الاستخبارات الأمريكية لديها مبدأ يمكّنها من قصف أي هدف داخل حيز تعتبره منطقة سيطرة للجماعات الإرهابية. وهو ما تقول إنه "غير منصف" أو مقبول نظراً لوحشية هذه الجماعات وعجز السكان المحليين عن طردها من مناطقهم إن هي قررت فرض سيطرتها عليهم.

أمر آخر يزيد القلق بشأن الضربات الأمريكية على داعش والقاعدة، هو أن الاستخبارات الأمريكية لم يعد لها وجود في البلد الذي تعمه فوضى النزاعات الأهلية، وهي تعتمد، عوضاً عن ذلك، على المعلومات التي تتلقاها من الاستخبارات السعودية أو الإماراتية التي لديها منظور مختلف إلى "الإرهاب".

"الإمارات على سبيل المثال لديها هوس أن "الإخوان المسلمين هم الإرهاب، وكلما وقع حادث ما زعمت إنهم خلفه"، قالت الأحمد التي ترى أن هذا يجعل أعداداً أكبر من المدنيين عرضة لهجمات قاتلة غير محسوبة بدقة. 

"استغرق الأمر عاماً كاملاً حتى أتمكن من دخول اليمن. كان ممكناً أن أدخل بطريقة غير شرعية، لكنني لا أرى بطولة في مغامرة كهذه قد لا تعرضني وحدي للخطر بل أيضاً الأشخاص الذين يساعدونني هناك. استغرق إعداد الفيلم عاماً آخر".

تضحك الأحمد وهي تكرر: "احتجت إلى كل هذه السنوات لأعد فيلماً مدته في النسخة العربية لـ‘بي بي سي‘ 23 دقيقة، ونسخته الأمريكية، لشبكة بي بي أس (PBS) ١٩ دقيقة".

مع ذلك، تشعر الأحمد بارتياح لأن فيلمها منح اليمنيين فرصة لم تسنح لهم من قبل لمخاطبة الإدارات الأمريكية المتعاقبة والشعب الأمريكي، وإخبارهم أن هناك مدنيين وأطفالاً قتلوا ويقتلون بطائراتهم، آملةً أن تكون قد رسمت صورة أكبر للحرب الأمريكية على الإرهاب. وتتمنى أن يكف الأمريكيون عن "الوقاحة" والتنديد بجرائم هم شركاء فيها.

من القصص التي وثّقتها الأحمد استهداف سيارة فيها أسرة يمنية كانت في طريقها لإنقاذ ابنها المراهق من الانضمام الى القاعدة. علّقت على ذلك: "قُتلت العائلة كلها (سبعة أفراد). هذه كارثة إنسانية".

عقب سقوط الضحايا المدنيين جراء ضربات الجيش الأمريكي تقابل واشنطن ذلك بـ"وقاحة"، حسب ما تقول الأحمد التي تتهم السلطات الأمريكية بعدم الشفافية في التعامل مع جرائمها لأنها تكون المتهمة وفي الوقت نفسه جهة التحقيق، ولا تظهر اعترافاً أو ندماً أو إدانة لأي من فرقها في النهاية.

في جريمة أخرى "بلا هدف أو مبرر"، عقب إنزال في مدينة يكلا التي تتوسط الصراع بين أطراف عدة عام 2017، قتلت قوات أمريكية نحو سبع نساء و10 أطفال وطفلات، أصغرهن أسماء (ثلاثة أشهر). لكن الولايات المتحدة تمسكت بأن العملية أعقبت الحصول على معلومات استخبارية ذات قيمة، زاعمةً أنها قتلت إرهابيين خلالها.

"ماضية في فضح الجرائم في اليمن"

لم تهتم الصحافة العربية بترشيح فيلمها، ولا حتى داخل اليمن. عن ذلك قالت الأحمد: "إعلامنا العربي مسيس، ولا يكتب إلا عن الذي يوافق هواه أو يناسب الطرف التابع له".

وشرحت: "فيلمي الأخير عن تعز مثلاً، أخذ الحوثيون نصفه وركزوا عليه وعرضوه وتركوا الجزء الذي يتناول جرائمهم، فيما اتهمني الذباب الإلكتروني السعودي بأني أدافع عن الحوثيين".

"تتلقى المعلومات الاستخبارية عن ‘الإرهابيين‘ من السعودية والإمارات"... المخرجة السعودية صفاء الأحمد توضح كيف تعتبر أمريكا مشاركة بشكل مباشر في المعاناة اليمنية، حتى قبل هجمات 11 سبتمبر

وعبرت عن استيائها من استمرار تبعية الإعلام للأنظمة الحاكمة أو المعارضة، معتبرة أن "ذلك سيىء. فهو استخفاف بحياة الضحايا. عيب أن تكون السياسة كل شيء. عيب أن نتجرد من إنسانيتنا".

لكنها برغم ذلك لا تعتقد أن غياب التغطية الإعلامية لترشيح فيلمها أثّر سلباً على هدفها من إعداده. قالت: "هذه المرة كنت أخاطب الجمهور الأمريكي. أعتقد أني نجحت في نقل رسالتي إليه. ما أخفقت فيه فقط هو توثيق المزيد من الانتهاكات التي وصلتني"، متعهدةً المضي قدماً في "فضح جرائم الأطراف المتورطة في الصراع في اليمن".

الرسالة التي تعتقد أنها وصلت إلى الجمهور الأمريكي هي: "حكومة الولايات المتحدة ليست عاملاً مساعداً للتحالف العربي فحسب بل هي أيضاً مشاركة مباشرة في المعاناة اليمنية".

ووصفت الأحمد الإدانات المتكررة داخل الكونغرس الأمريكي لأطراف الصراع في اليمن بسبب انتهاكهم حقوق الإنسان، بأنها "نفاق ووقاحة" في ظل تجاهل تورط أمريكا في جرائم مشابهة. 

اهتمام نابع من شعور بالذنب؟

رداً على سؤالنا هل إعدادكِ كل هذه الأفلام عن الصراع في اليمن مبعثه الشعور بالذنب أو ربما المسؤولية كون بلادك قائدة الحملة العسكرية التي تؤكد منظمات دولية وحقوقية عدة أن هذه الحملة فاقمت المأساة في البلد الفقير؟

 أجابت: "لأني سعودية أشعر بالمسؤولية حيال القمع الذي يحدث في الداخل تجاه صديقاتي في السجون، وتجاه الدمار الذي يحدث في اليمن، تماماً كما أتألم كعربية لما يحدث في ليبيا ولبنان ومصر".

واستدركت المخرجة الممنوعة من دخول بلادها منذ عام 2014، على خلفية اتهامها بمساندة الإرهاب: "عام 2012 أخرجت أول فيلم لي عن اليمن. اهتمامي بما يجري هناك سبق الحرب الأهلية. حبي لليمن واهتمامي به يتعلقان بأمور أعمق. وأرغب في تقديم أعمال تعكس معاناة أهله انطلاقاً من ذلك"، مردفةً "لا أنكر أن الحرب كسرتني. الخزي والعار علينا، كيف نفعل هذا في بلدٍ حبيب كاليمن".

بالعودة إلى الهجوم عليها بعد كل فيلم تقدمه، عبّرت الأحمد عن شعورها بالضيق من "السب" لا من النقد الموضوعي، قائلةً: "عقب فيلم ‘الحوثيون: من الجبل إلى السلطة‘ شتموني على المنابر وكفروني ولم أدخل صنعاء منذ عام 2015. في المقابل، يقولون في دول التحالف إني حوثية أو أدافع عن الحوثيين. الذباب الإلكتروني (السعودي) يظن أنه سيدمر سمعتي في الغرب حين يقول إني تابعة لحزب الله. هذه سخافة وسطحية، لكن الشتم والهجوم مؤذيان نفسياً مهما حاولنا أن نبدو غير مهتمين بهما". 

في الأثناء، أعربت الأحمد عن امتنانها لـ"الدعم" الذي تحظى به من طرف واحد: النسويات، وخاصةً السعوديات اللواتي تقول إنهن يمثّلن "بلسماً ونافذة إيجابية مشجعة"، موضحةً أنها تشعر بأنها محظوظة دائماً لأنها، وإن كانت محرومة من بلدها، ليست معتقلة أو تقاسي ما تقاسيه لجين الهذلول أو نسيمة السادة والأخريات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard