جريمة قتل طفل سوري… قراءة في العنصرية المتزايدة ضد السوريين في تركيا

الثلاثاء 22 سبتمبر 202002:27 م

شهدت مدينة سامسون التركيّة، الأسبوع الماضي، جريمة قتل مروّعة، تعرض لها الطفل السوري أيمن حمامي، 16 عاماً، لأسباب عنصرية صرفة. 

وتأتي الجريمة في سياق ارتفاع مخيف في الاعتداءات على اللاجئين السوريين، حيث شهد نيسان/ أبريل الماضي مصرع شاب سوري في مدينة أضنة، برصاص شرطي تركي، وتعرّض مجموعة من الشبان السوريين في شهر آب/ أغسطس الماضي لإطلاق نار من قبل رجل تركي في اسطنبول، بمجرد معرفته بهويتهم، ما أسفر عن مقتل أحد الشبان.

ورغم أن تركيا تشهد منذ عام 2014 تصاعداً في العنف تجاه السوريين، لكن التغير الذي طرأ مؤخراً هو تحوّل العنصرية إلى عنصرية عمياء تستهدف السوريين جميعاً.

في السابق، كانت الاعتداءات تأتي على خلفية مشادات كلامية تتطور إلى عراك، أو إلى هجمات جماعيّة على محال السوريين وأماكن سكنهم، أما الآن فيمكن أن يكون أي سوري عرضة لهجوم عنصري دون سابق إنذار، لمجرد انتمائه إلى جماعة اللاجئين السوريين، كما حدث مع الطفل أيمن.

أما الآن فيمكن أن يكون أي سوري عرضة لهجوم عنصري دون سابق إنذار.

لتفكيك أسباب العنصرية المتصاعدة تجاه السوريين في تركيا لابد من أخذ عدة عوامل بعين الاعتبار:

- آليات بناء الهوية القومية التركية ودينامياتها، والصراع السياسي بين القوى الإسلامية المحافظة والقوى العلمانية للهيمنة على الدولة والمجتمع التركي.

 - دور الإعلام في بناء صورة السوريين لدى الجمهور التركي.

 - دور العامل الاقتصادي الذي يؤثر في تفجير التوترات الإثنية والهوياتية في كل بقاع العالم.

 اللاجئون السوريون والصراع على السلطة تركيا

اتصفت لحظة قدوم السوريين إلى تركيا بتغييرات كبيرة شهدتها البلاد، فكان الصراع السياسي بين التيار العلماني القومي الأتاتوركي، وبشكل خاص حزب الشعب الجمهوري CHP، وبين التيار الإسلامي المحافظ، متمثلاً في حزب العدالة والتنمية AKP، يتصاعد.

 طبّق حزب العدالة والتنمية سلسلة من الإجراءات ألغت القيود المفروضة على الحجاب في الدوائر الحكومية والجامعات، ووسّع علاقات تركيا الاقتصادية والسياسية مع العالم العربي. رأت المعارضة التركية العلمانية في هذه الإجراءات توجهاً نحو الأسلمة، ونظرت إلى اللاجئين السوريين كجماعة من المسلمين السنّة المحافظين التي تهدد علمانية الدولة التركية، وكعرب يهددون الهوية التركية، فالهوية التركية القومية بُنيت على القطع مع الماضي الإسلامي الذي يمثّل العرب بلغتهم وثقافتهم أحد أهم حملته، كما أنّ صورة العربي في المخيال الثقافي التركي هي صورة الخائن البدوي الذي تحالف مع القوى الغربية في تفكيك الإمبراطورية العثمانية. 

بدأ حزب الشعب الجمهوري بالتحريض ضد السوريين منذ قدومهم، وشاركتهم هذا الموقف فئات قومية أكثر تشدداً، وبشكل خاص حزب الحركة القومية MHP، الذي انشق عنه الجناح الأكثر تطرفاً تجاه السوريين عام 2017، وشكل الحزب الجيد Iyi party، أما حزب الشعوب الديمقراطي HDP، أحد الممثلين السياسيين لكرد تركيا، فرغم أن برنامجه السياسي يناصر حقوق اللاجئين السوريين، لكن عدداً لا يستهان به من أنصاره يشاركون في التحريض ضد السوريين، لأنهم يعتبرون السوريين العرب السنّة موالين لداعش والفصائل الإسلامية التي هاجمت المناطق الكردية في سوريا، ولأنهم يعتقدون بأن السوريين حصلوا على حقوق تفوق ما حصل عليه الكرد المحرومون من حقوقهم الثقافية في تركيا.

ركز إعلام المعارضة التركية على تقديم صورة سلبية عن السوريين، سواء بنقل أخبار تسيء إليهم أو بتلفيقها، حيث يبدو السوريون في هذا الإعلام كفقراء، شحاذين، غير متحضرين ومهددين للقيم التركية

أما حزب العدالة والتنمية الحاكم فقد انطلق موقفه من رؤية دينية تقول بأن السوريين أخوة في الدين، وبأنهم المهاجرون والأتراك هم الأنصار، كما لم تخلُ هذه الرؤية في باطنها من نَفَس امبراطوري قومي يرى في السوريين رعايا للسلطنة العثمانية. وحاول حزب العدالة والتنمية الاستفادة من اللاجئين السوريين للحصول على مساعدات مالية من الاتحاد الأوروبي، وتحصيل مكاسب، مثل سهولة انتقال العمالة التركية إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى استخدامهم كورقة ضغط سياسي.

 دور الإعلام في بناء خطاب الكراهية

ركز إعلام المعارضة التركية على تقديم صورة سلبية عن السوريين، سواء بنقل أخبار تسيء إليهم أو بتلفيقها، حيث يبدو السوريون في هذا الإعلام كفقراء، شحاذين، غير متحضرين ومهددين للقيم التركية. 

كما يتم عرض الشباب السوريين كعاطلين عن العمل، هائمين على وجوههم في الشوارع، ومتحرشين يدخنون "اﻷركيلة" في كل مكان. وفي تناقض غريب، يقدمهم الإعلام المعارض في الوقت نفسه كعمال رخيصي الأجرة، يتسبّبون بالبطالة للأتراك ويستفيدون من مساعدات الدولة التي تقدم لهم رواتب شهرية وتدفع فواتير الكهرباء والماء لهم (وهو أمر عار عن الصحة)، ناهيك عن الخطر الأمني الذي يشكلونه، فهم بحسب الإعلام التركي المعارض يضمون خلايا إرهابية.

أما حزب العدالة والتنمية الذي انطلق من فكرة الأنصار والمهاجرين، فكان يُضخِّم إعلامياً ما يقدّمه من خدمات للسوريين.

 ربما استفاد الإعلام المعارض من سلوكيات قسم من السوريين لترويج هذه الصورة عنهم: كالحضور الصاخب لبعضهم في الأماكن العامة، إزعاج الجيران بالضجيج والسهر في الأبنية السكنية المشتركة، لكن الفكرة هي أن كل ما يقدَّم عنهم هنا ينطلق من عقلية أيديولوجية عنصرية تتبنى خطاب كراهية تجاههم وتروّج له.

أما حزب العدالة والتنمية الذي انطلق من فكرة الأنصار والمهاجرين، فكان يُضخِّم إعلامياً ما يقدّمه من خدمات للسوريين، ما جعل المواطن التركي يشعر بالغبن، وساهم في ذلك أن عدداً كبيراً من السوريين، الذين تربوا في ظل حكم دكتاتوري قرابة نصف قرن، اعتادوا تمجيد الحاكم، فكان بعض السوريين يخرجون محتفلين في كل انتصار انتخابي لحزب العدالة والتنمية، حاملين صور أردوغان، ويعود ذلك أيضاً إلى اعتقاد بعض السوريين أن أردوغان هو من يحميهم في تركيا، وأن المعارضة ترغب في طردهم، يضاف إليه تنامي مشاعر طائفية سنيّة غذّتها الحرب الأهلية في سوريا، جعلتهم يرون في أردوغان قائداً للسنّة.

زاد الطين بلّة إعلان حزب العدالة والتنمية نيّته تجنيس جميع السوريين، ما أثار حنق المعارضة التركية التي رأت أن الهدف هو كسب أصواتهم في الانتخابات. ورغم أن السوريين الذين تم تجنيسهم حتى اﻵن 110 آلاف سوري، فإن المواطن التركي يعتقد أن الرقم أعلى من ذلك بكثير.

ولم تخل المسلسلات التركية من حضور للسوريين، ورغم عدم وجود خطاب عنصري ضدهم، لكن قُدِّم السوريون كأشخاص يرتدون ملابس رثة، فقراء وشحاذين، غير متعلمين ومغلوبين على أمرهم، ينطبق هذا على مسلسل "نبضات قلب"، فرغم انتقاده للعنصرية تجاه السوريين، لم يخرج في تقديم السوريين عن هذه الصورة النمطية التي يحملها رجل الشارع التركي عنهم.

 ارتفاع معدلات البطالة والأزمة الاقتصادية

كانت أحد أهم أوراق اعتماد حزب العدالة والتنمية في الوصول إلى السلطة، تحسينه خدمات الدولة العامة، كالطبابة، تنمية الجنوب المهمل، تحسين الوضع الاقتصادي من خلال استقطاب الاستثمارات وجذب السياحة، وساعد على ذلك المساعدات المالية المقدمة من دول الاتحاد الأوروبي، ولكن بعد أحداث "غيزي بارك" التي كانت إيذاناً بارتفاع الاستقطاب السياسي والاجتماعي في تركيا بين التيارات العلمانية والتيار الإسلامي المحافظ، بدأت الحريات العامة بالتراجع، تراجعت المساعدات الغربية ولم تعد الاستثمارات تتدفق بالدرجة نفسها، لأسباب لها علاقة بالخصومات السياسية مع بعض دول المنطقة النفطية، وبإحجام رؤوس الأموال عن الاستثمار في بيئة غير مستقرة، كما تأثرت السياحة نسبياً بالتفجيرات التي نفذتها خلايا داعش وبتجدد الصراع المسلح بين حزب العمال الكردستاني وتركيا.

وكما حدث في أزمات اقتصادية واجتماعية أخرى شهدتها تركيا عبر تاريخها، كان لا بد للذات القومية التركية من إيجاد "آخر" تلقي عليه الملامة.

 في خمسينيات القرن الماضي، تم تنفيس الغضب من الأوضاع الاقتصادية المتردية من خلال مهاجمة يونانيي إسطنبول وترحيلهم، وفي منتصف السبعينيات صرفتْ قضية القبارصة الأتراك الأنظار عن الأزمة الداخلية، وفي الثمانينيات كان الكرد هم الآخر المُهدّد للدولة التركية.

ترتفع الهجمات العنصرية تجاه اللاجئين السوريين على نحو مطرد، ويواجَهون بفاشية صريحة من المعارضة التركية، وبنزعة إنكار للعنصرية وعدم اكتراث من الحزب الحاكم، مع صمت أوروبي يتخلّله، من حين لحين، تذمّر قادة أوروبيين مما يعتبرونه ابتزازاً تركياً لهم من خلال ورقة اللاجئين

وفي الأزمة الحالية ألقيت اللائمة على اللاجئين السوريين، فهم من يسرقون فرص العمل ويتلقّون مساعدات مالية من الحكومة التركية. 

ومهّد لهذا الأمر جملة عوامل، إعلامية وسياسية وتاريخية، فالهوية القومية التركية بُنيت على مزيج غريب من الاستعلاء على العربي، ومن الإعجاب بالحضارة الغربية (رغم أن الغرب هنا يبقى مهدداً ومتآمراً على الأتراك)، ذلك أن الرابط القومي التركي هو جزء من متخيل جمعي يبني أنا نقية خيرة، مقابل غيرية تطرد منها سلبيات الذات وتلحق بها جميع مثالب الأنا، أو كما يسميها بيار كونيسا، في كتابه "صنع العدو" : "أنا آخري"، وعلى هذا الأساس يصبح الآخر الوافد سبب المشكلة، كما في حالة اللاجئين السوريين، الآخر الداخلي المهدد (أرمن، يونانيون، كرد)، أو الآخر الخارجي المتآمر. 

وفي ظل تضافر كل هذه العوامل السابقة، تمت شَيْطَنة السوريين، ووفقاً لنتائج دراسة نفِّذت لصالح المفوضية العليا لشؤون اللاجئين العام الماضي، يعتقد "ما يقارب نصف الأتراك، بأن السوريين يشكلون خطراً مستقبلياً على المجتمع التركي، وأنهم لم يدافعوا عن وطنهم، ويرى ما يقارب 30% منهم أن السوريين لا يهتمون بنظافتهم الشخصية ووقحون وكسالى، وأناس يستغلون كرم مضيفهم التركي". 

ترتفع الهجمات العنصرية تجاه اللاجئين السوريين على نحو مطرد، ويواجَهون بفاشية صريحة من المعارضة التركية، وبنزعة إنكار للعنصرية وعدم اكتراث من الحزب الحاكم، مع صمت أوروبي يتخلّله، من حين لحين، تذمّر قادة أوروبيين مما يعتبرونه ابتزازاً تركياً لهم من خلال ورقة اللاجئين، لكن يبقى الأوروبيون شركاء فيما يحدث، فالمهم أن يبقى السوريون عالقين على أسوار الاتحاد الأوروبي في تركيا وفي الجزر اليونانية، ولا بأس من انتهاك حقوقهم، طالما أن الأمر لا يتم على الأراضي الأوروبية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard