اعتداء جنسي عند اعتراف فتاة للكاهن… "ما يحدث في الكنيسة يبقى في الكنيسة"

السبت 18 يوليو 202004:45 م

في غرفة الاعتراف الضيقة في كنيسة البلدة الصغيرة، بدأت الفتاة تلاوة اعترافها على الكاهن. قطعة رقيقة من الخشب المثقوب تفصل بينهما. تبكي الفتاة من فرط ما حملت من ذنوب ظنت أن غفرانها أمر مستحيل، أو أن الطريق الوحيد للمغفرة يقع بين يدي هذا الكاهن تحديداً. تحدثت عن أفكار جنسية تراودها أحياناً أو ألفاظ نابية أطلقتها في وقت الغضب. عشر دقائق مرت كانت كفيلة بأن تبوح بما اقترفت، ولم تكن تعلم أنه على الناحية الأخرى من الحاجز الخشبي، آلاف الذنوب التي لا تنتهي يحملها نفس الرجل الذي وضعت فيه ثقتها في تلبية طلب غفرانها.

إحدى تلك الذنوب على وشك الحدوث، حينما سيستغل انفراده بالفتاة للاعتداء جنسياً عليها، ويتركها ضحية لاغتصاب أو تحرّش وكذلك للصمت المفروض عليها، فجزء كبير من المجتمع الكنسي لن يقبل بتشويه صورة مخلصهم الأقرب، وحتى أهلها لن يتخذوا موقفاً قانونياً ضد الكاهن هذا، فهم أيضاً أفراد داخل هذا المجتمع، وهكذا تنتهي القصة و"ما يحدث في الكنيسة يبقى في الكنيسة".

تلك حالات تكررت بنفس هذا الشكل، ولكن باختلافات بسيطة في طريقة الاستدراج والمكان. فمؤخراً، قامت فتاة تُدعى سالي زخاري، باللجوء إلى الرأي العام لإعادة فتح قضيتها مجدداً: قضية التحرش بها من قبل رجل دين. جرائم اضطرت فتيات عديدات لكتمانها خوفاً من قمعهن وإسكاتهن، كما يحدث في ظلّ "لوم الضحية" المتواصل.

لكن يبدو أن انتفاضة ضحايا الاعتداء الجنسي المتواصلة أثّرت على سالي زخاري، لسرد قصتها القديمة، باحثة عمن يسمعها، كما وحاجتها لأن تصل إلى المعنيين بالأمر، أولئك الذين رفضوا أن تصل تفاصيل الجريمة إلى حوش الكنيسة، علّ صفحات السوشال ميديا تدق ناقوس خطر يُسمع في الكنائس كلّها.

حسبما روت قصتها، فإن سالي هي مصرية تعيش في فلوريدا بالولايات المتحدة، تقول: "دي أصعب حاجة عملتها في حياتي وبطني بتوجعني كل مرة بفتكر الموقف تاني لحد النهاردة، أنا اتربيت في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لما كان عندي 11 سنة (1997)، كاهن قبطي من مصر اسمه ر.ع.خ قدم إلى مدينتي للخدمة مؤقتاً في كنيسة العذراء مريم، أقنع والدتي أن أبدأ الاعتراف في سني الصغير حتى أعتاد عليه. أطعت الأمر، وفي أولى جلسات اعترافي أخذني إلى غرفتي وأغلق الباب، تحرش بي في البداية ثم اعتدى جنسياً علي، وقبل أن يطلق سراحي حذرني من إبلاغ الأهل بتفاصيل الاعتراف كونه طقساً سرياً في الأساس".

مؤخراً، قامت فتاة تُدعى سالي زخاري، باللجوء إلى الرأي العام لإعادة فتح قضيتها مجدداً: قضية التحرش بها من قبل رجل دين. جرائم اضطرت فتيات عديدات لكتمانها خوفاً من قمعهن وإسكاتهن، كما يحدث في ظلّ "لوم الضحية" المتواصل

"كان يلبس رداء الكهنة الأسود، أول قبلة لي كانت مع كاهن"

صمتت سالي عما حدث خمس سنوات، قضتها في محاولات التملص من جلسات الاعتراف هذه، ولكنها تحدثت أخيراً عندما أبلغت قمّصاً يدعى يوسف بواقعة الاعتداء عليها، فكان الرد الصاعق منه: "كان فيه ضحايا تانيين كتير قبلك بس ماتقلقيش أنا بعته مصر والبابا هيتعامل مع الموضوع"، وكيف تعامل البابا مع الأمر؟ تم رسامة الكاهن كقمّص في مصر، وفقاً لمعلومات سالي، وبعدما فقدت الأمل في أن تتصرف الكنيسة حيال ما حدث لها، قررت اللجوء إلى الشرطة، ولكن فترة صمتها وصمت الكنيسة جعلت البلاغ غير قانوني لانقضاء فترة التقادم.

تُكمل سالي: "أنا بقالي 17 سنة بحارب عشان أحصل على عدالة. أنا اتكلمت مع عدد كبير من الكهنة، الأساقفة، الرهبان والخدام، وبعت رسائل للبابا شنودة والبابا تواضرس (وتم التأكيد لي إنهم على دراية بقضيتي). الكنيسة أخذت موقفاً فقط بإنها منعته عن الخدمة ورفضت حتى إزالته من الكهنوت".

هنا المشكلة

حتى هذه اللحظة، أقصى عقوبة قدمتها الكنيسة للكاهن هي عزله من الكهنوت بعد مثوله أمام مجلس إكليركي، حسب ما قاله أحد الكهنة في شيكاغو لسالي، فقط هذا ما يمكن أن يقدم لها ولبقية الضحايا، بلا عقوبة جنائية  لماذا؟ لأن ما يحدث في الكنيسة يبقى في الكنيسة.

تلك القصة ذكرتني بما سُمي فضائح الفاتيكان الجنسية، وأود هنا أن أضع نفسي في موقف الضحية التي يتم ابتزازها بالدين من أجل كسب صمتها، فإن تحدثت فهي خائنة لكنيستها وآبائها، وإن تحدث أهلها سيتم غالباً وصمهم بالعار.

وأكاد أجزم أن عدداً كبيراً من المسيحيين يشعر بالمقت تجاه سالي الآن، لأنها وضعت الكنيسة في مرمى نيران الانتقاد، مع أن البديل هو إفلات المجرم بما ارتكبه، واضطرار الضحايا للتعايش مع ذكرياتهن وغضبهن وكسرتهن، فقط حتى لا تكسر مرآة الكنيسة اللامعة. الانطباع الأول الذي قد تحمله الضحية طوال حياتها هو أنها قد وقعت في شباك عصابة ما انضمت لها، وكما هو الحال داخل تلك العصابات، فإن ما يحدث داخل صفوفها لا يخص مؤسسات الدولة، هل سمعت مثلاً عن أحد أفراد عصابة ما قدم بلاغاً ضد زميل له لأنه قام بضربه؟ لن يحدث هذا ولن تتدخل الشرطة في عمل العصابات.

الاعتداء الجنسي ليس أمر دينياً فقط، هو ذنب وجريمة كذلك، وسواء غفر الرب لصاحبه أو لم يفعل، فللمجتمعات قوانين يتبعها الجميع لا تتكل على محاكمات الآخرة. الجريمة تبقى جريمة، سواء ارتكبت داخل مسجد أو كنيسة أو أي مكان آخر، ورجل الدين هو رجل دين حتى يرتكب جريمة فيصبح مطلوباً للعدالة

رسالة إلى الدولة

عندما بدأت أعداد مصابي كورونا في الزيادة، دخلت الدولة في مفاوضات مع الكنيسة والأوقاف بشأن الإغلاق ومنع التناول للحد من انتشار الفيروس، مفاوضات تدخّل فيها الشعب بالموافقة أو الرفض عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حينها خرج وزير الأوقاف ليعلن صراحة أن أمر الإغلاق أو السماح بأداء الصلوات في المساجد لا يخص وزارة الأوقاف، بل أنه شأن أصيل لوزارة الصحة، وأنه كوزير للأوقاف سوف يتبع تعليمات أهل الاختصاص بلا أي نقاش أو مفاوضات.

هذا الموقف ليس بالبعيد عن حديثنا، فالاعتداء الجنسي ليس أمر دينياً فقط، هو ذنب وجريمة كذلك، وسواء غفر الرب لصاحبه أو لم يفعل، فللمجتمعات قوانين يتبعها الجميع لا تتكل على محاكمات الآخرة. الجريمة تبقى جريمة، سواء ارتكبت داخل مسجد أو كنيسة أو أي مكان آخر، ورجل الدين هو رجل دين حتى يرتكب جريمة فيصبح مطلوباً للعدالة، والعدالة لا دين لها بل قانون، وأجد أنه من الطبيعي معاقبة من تكتّم على هذا الأمر داخل الكنيسة، والعمل بشكل مباشر على فرض أمر واقع على جميع المؤسسات الدينية، مفاده أن التحقيقات تتم عن طريق النيابة لا المجالس الدينية، وأن حجب المعلومات عن الشرطة والقضاء يعني التستّر على المجرم. رسالة واضحة تجعل من قداسة رجال الدين شيئاً وقتياً ينتهي بنهاية العظة، وحينها يكون مواطناً عادياً، شأنه شأن الجميع، إن أخطأ فلن تنقذه "شلة من الكهنة" أو سرية مفروضة بين حوائط مبنى ما.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard