"ظل الله"... كيف تُكتَب نسخ مزيفة عن التاريخ العالمي

الاثنين 14 سبتمبر 202003:59 م

صدر حديثاً عن دار ليفرايت الأمريكية للنشر، سيرة ذاتية للسلطان العثماني سليم (حكم بين 1512-1520) في كتاب بعنوان "ظل الله: السلطان سليم، امبراطوريته العثمانية، وصياغة العالم الحديث" (2020) للمؤرخ آلان ميخائيل، بروفيسور ورئيس قسم التاريخ في جامعة ييل الأمريكية.

ورداً على النقاط المغلوطة الواردة في الكتاب، قام كل من كورنيل فليتشر، بروفيسور مختص بدراسات الإمبراطورية العثمانية في قسم التاريخ بجامعة شيكاغو، وجمال كفدار، بروفيسور الدراسات التركية في قسم التاريخ بجامعة هارفارد، و سانجاي صبراهمانيام، رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة كاليفورنيا UCLA بكتابة مقال بعنوان "كيف تُكتَب نسخ مزيفة عن التاريخ العالمي" نشر في مجلة CROMOHS العلمية (10 سبتمبر 2020) . فيما يلي نعرض ترجمةً لهذا المقال.

ابتكار ثوري (؟)

يزعم كتاب "ظل الله" في مقدمته أنه مساهمة "مبتكرة، بل ثورية" للتاريخ العالمي. وبينما حظي الكتاب بإشادة شعبية واهتمام في الصحافة، لم تلقَ الدراسات العلمية الحديثة الأخرى عن شخصية السلطان سليم من قبل الباحثين الشباب أي اهتمام شبيه. لا يشكل هذا مفاجأةً كبرى، فباعتباره كتاباً "تجارياً"، ترافق إصدار كتاب ميكايل مع حملة دعائية صاخبة قادها المؤلف ومدير أعماله وفريق عملهم الدؤوب.

أتاح وكلاء ميكايل ومعجبوه فرصاً عديدة له للترويج لكتابه عبر نشر مقالات تلخص فكرته قبل وبعد صدوره. فمثلاً، في 20 أغسطس 2020، نشرت صحيفة واشنطن بوست في قسم التاريخ مقالاً بقلم ميكايل نال شهرةً واسعة، تحت عنوان "السلطان العثماني الذي غيّر أمريكا"، يحمل عنوانه الفرعي ادعاءً مثيراً يقول: "ما يجمع بين أمريكا والبروتستانتية والقهوة هو تاريخها الإسلامي".

يرد في كتاب "ظل الله" لمؤلفه آلان ميكايل، بروفيسور التاريخ بجامعة ييل، عدد من المغالطات التاريخية في تناوله لسيرة السلطان العثماني سليم، تهدف لإثبات أثره على تاريخ أمريكا والمذهب البروتستانتي والانتشار العالمي للقهوة، يفندها المختصون في هذا المقال

غير أن المراجعات القليلة من قبل الباحثين المختصين لم تحتفي بهذه الفرضية. فقد وجدوا أن الكتاب يحوي عدداً من الأخطاء الحقائقية والمنطقية، فضلاً عن وجود عدد من الأخطاء الخطيرة في بعض الشروحات. وبرأيهم، ميكايل- كمؤرخ بيئي، بشكل رئيسي لتاريخ مصر في القرن الثامن عشر- لا يمتلك المؤهلات الكافية للكتابة عن تاريخ الإمبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر وتأثيرها على العالم. كما أشار هؤلاء إلى أن المؤلف يعتمد في عدة نقاط هامة من بحثه على مصادر يصعب تعيينها والتحقق منها. ومن الواضح أنه عمد من خلالها إلى تجنب المراجع العادية لنظرائه، والتي كان من شأنها أن تبرز الخلل في أطروحته.

يصرح ميكايل في مقالته الصحفية أن نيته كانت إقناع "الأمريكيين الذين لا يعرفون حتى ما هي الإمبراطورية العثمانية"، بالأهمية البالغة لهذه الإمبراطورية، وأن تاريخها لا يزال يستحق الدراسة. وهذه النقطة لا شك في أنها ليست موضع خلاف، ولا مشكلة لدينا مع وجهة نظره القائلة بأنه بدلاً من رؤية الإسلام دائماً على أنه "الآخر" الذي يهدد الغرب، حري بالجهود أن تتوجه لدراسة التفاعلات المتنوعة والمعقدة بين المسلمين وغير المسلمين عبر التاريخ. ومع ذلك، فإن الأساليب والحجج التي استخدمها ميكايل في عرض موضوعه لا تزال محل إرباك، خاصةً وأنها لا تنتمي إلى منهج البحث التاريخي كممارسة مهنية جادة.

وسنركز هنا على عدد قليل من النقاط، على الرغم من أن كتابه يحوي كمّاً أكبر من النقاط الأخرى التي يجب تداولها، باعتبار أنه لم يتم نشر سوى كم محدود من التحليلات النقدية المختصة من قبل باحثين أكفاء. في الحقيقة، إذا أردنا تفنيد كل الأخطاء العلمية والشروحات التي هي موضع شك بشكل منهجي، فقد ينتهي بنا الأمر لكتابة نص من عدة مئات من الصفحات.

نزعة التاريخ العالمي

يُعد كتاب ميكايل جزءاً من نزعة عمدت للأسف إلى اتخاذ "التاريخ العالمي" كذريعة للمؤلفين لتقديم فرضيات غريبة، يتكلون فيها على اعتقادهم بأنهم لن يخضعوا للتدقيق الأكاديمي المعتاد. مثال صارخ من فرنسا هو كتاب "التاريخ في أجزاء متساوية" (L’histoire à parts égales (Le Seuil, 2011 الحائز على جوائز لمؤلفه باحث العلوم السياسية رومان برتران. الكتاب عبارة عن مجموعة من المواد العسيرة الفهم تم انتشالها من عمل باحثين متخصصين وتغليفها ضمن إطار أفكار عن العالم الثالث، تتسم بصبغة بوهيمية وطابع سياسي مألوف في الضفة اليسارية من باريس.

وبذلك أسس برتران لاتجاه في فرنسا يمثل إما موسوعات رديئة على مثال كتاب "تاريخ فرنسا العالمي" (L’histoire mondiale de la France Le Seuil, (2017 أو لأعمال تقتبس معظم أفكارها من مصادر بحثية كتبت باللغة الإنكليزية دون التدليل عليها إلا بشكل يكاد يكون هامشياً. ولدينا في العالم الناطق باللغة الإنجليزية، مثال حديث على تلك الكتب التجارية لبروفيسورة التاريخ من جامعة ييل أيضاً، فاليري هانسن، بعنوان "العام 1000: عندما أنشأ المستكشفون صلات بين العالم، لتبدأ العولمة" (The Year 1000: When Explorers Connected the World – and Globalisation Began (Scribner, 2020.

تقدم هانسن في هذا العمل نفس الأوصاف التعميمية للأسواق الشرقية الغريبة أو "الإكزوتيكية" التي يعمد إليها ميكايل، والتي يبدو أن كلا المؤلفين اقتطفاها من البروشورات التعريفية السياحية. فميكايل، مثلاً، يزعم أن مدينة طرابزون التركية التي حكمها سليم عرفت "الفلفل الهندي الأحمر الحرّيف" قبل وقت طويل من وصوله إلى الهند من أمريكا.

 لكن هانسن تدعي أيضاً أنه في عام 1000 م، أصبح الإبحار حول الكرة الأرضية ممكناً لأول مرة، لأن الفايكنج (أو محاربو نورسمان الإسكندنافيون) اتصلوا بأمريكا الشمالية الشرقية، وتقفز إلى استنتاج لا يزال موضع شك لدى كبار المتخصصين الذين لا يدعمون صحته، وهو أنهم أنشأوا صلات مع قبائل المايا أيضاً. وقد كتب المؤرخ الشهير نويل مالكولم، بروفيسور التاريخ في جامعة أوكسفورد، مراجعة نقدية لهذا الكتاب في التلغراف، جاء فيها أن هانسن "تعلن ببهجة المنتصرين أن هؤلاء النورسمان قد عبروا كامل الكرة الأرضية عام 1000، ولأول مرة أمكن القول أن جسماً ما عبر العالم بأسره''.

ولكن على المرء أن يسأل، يتابع مالكوم، "حتى لو وجد علماء الآثار تمثالاً برونزياً لبوذا تعود ملكيته للفايكنج في الأراضي الكندية الجديدة Newfoundland، فهل يمثل هذا دليلاً فعلياً على بدء العولمة؟" ويؤكد مالكوم على أن المكون الأساسي لعملية العولمة لم يوجد قبل رحلات كولومبوس؛ "وحتى لو أن مكوث الفايكنج في تلك الأراضي امتد لفترة أطول، فما كان لهم ليعثروا على أي شبكة تجارية واسعة النطاق في أمريكا الشمالية الشرقية للتواصل معها. بالتأكيد لا يمكن بناء فرضية العولمة على مجرد اتصال واحد وطفيف حصل على أطراف القارة ".

ويبدو أن مؤلفين مثل ميكايل وهانسن يعتمدون على مصادر تخميمنية تحيط بها الشكوك لبناء فرضياتهم المزعزعة عن التاريخ العالمي.

وفي مراجعة أخرى لهذه الأعمال التجارية، كتب فيليب فرنانديز أرمستو، بروفيسور مختص بأبحاث كولومبوس من جامعة نوتردام، في صحيفة وول ستريت مقالاً بعنوان "ملاحون مخطئون" ينتقد فيه كتاب "بحث كولومبوس عن القدس: كيف قاد الدين استكشاف أمريكا" (2011)، لبروفيسورة الأنثروبولوجيا الحضارية في جامعة ستانفورد، كارول ديليني. اعتبر فرنانديز أن الباحثة "أظهرت انعدام كفاءتها في البحث وافتقارها للأحكام النقدية وثقة مطلقة بالنفس ذكرتنا بثقة كولومبوس نفسه"، ويضيف، "إن كُتّاباً كهؤلاء يبدون وكأنهم يشرعون في أبحاثهم كمن ينطلق في رحلته على متن مركب مثقوب".

لم يكن أي من المؤلفين الذين انتقدهم فرنانديز أرميستو مؤرخاً محترفاً يشغر منصباً في قسم التاريخ في إحدى الجامعات المرموقة، ومع ذلك فإن كتاب ديليني، الذي وصفه الناقد بأنه "لا يُعنى بالسرد المتماسك أو التسلسل الزمني العقلاني"، كان مرجعاً رئيسياً لميكايل، استُشهد به ثلاث عشرة مرة في القسم الأول المطول من كتابه،  الذي يجهد من خلاله لربط كولومبوس بالعثمانيين، غير عابئ برأي المختصين في هذا المرجع.

تاريخ الرجال العظماء

يتضح منذ بداية الكتاب أن ميكايل لا يزال يعمد إلى شكل قديم يتسم بالفجاجة في فرضيته التاريخية القائمة على تاريخ "الرجل العظيم"، حيث لا يصنع التاريخ سوى الأفراد من الحكام والأبطال البارزين. وهكذا يقارن بطله السلطان سليم بشكل إيجابي بكولومبوس ومارتن لوثر ونيكولو مكيافيلي بوصفهم الفاعلين الرئيسيين في أوائل القرن السادس عشر، وكرجال كان لأفعالهم تأثيراً "غيّر العالم". وتعتبر وجهة النظر هذه فرضيةً بائدة هجرها المؤرخون منذ فترة طويلة.

كتاب ميكايل "ظل الله" ينسب الفضل لرجل واحد بصياغة كل الأحداث التاريخية المفصلية، حيث جعل السلطان سليم وحده مسؤولاً عن صياغة العالم الحديث، ولهذا يعتبره المختصون إشكالياً

لم يكن توسع الإمبراطورية العثمانية في عام 1510 من فعل رجل واحد، بل نتاج تفاعل العديد من الأنظمة السياسية والعسكرية المعقدة. علاوة على ذلك، من السخف مقارنة قائد عسكري فاتح بفيلسوف ومفكر سياسي، كما لو أنهم ينتمون إلى التصنيف التاريخي ذاته. "هل غيّر أينشتاين العالم أكثر من ماو تسي تونغ؟" هذه هي بالضبط الأسئلة التي نعلم حتى المبتدئين من طلابنا تجنبها كطرق للتفكير في التاريخ.

ولكن بمجرد مضيه في هذا الافتراض، أصبح ميكايل حبيساً لوجهة النظر القائلة بأنه بمقدور رجل واحد "استراتيجي سياسي ذكي" أن يكون مسؤولاً عن صياغة كل الأحداث المفصلية، من صعود البروتستانتية مروراً بالغزو الإسباني لأمريكا، وانتهاءً بالانتشار العالمي لاستهلاك القهوة. من أجل إثبات ذلك، وجد نفسه مضطراً لإدخال حقائق فضفاضة، ولتشويه قوانين الزمان والمكان، واللجوء أحياناً إلى التزوير الصريح.

لوضع الأفكار ضمن سياق يلائم القارئ، رأى ميكايل أنه من الضروري اللجوء في أكثر من موضع إلى تدوين التاريخ بطريقة اعتقدنا أنها أصبحت طي النسيان منذ زمن طويل، وهي الطريقة "التأسيسية". بدلاً من البدء بسيرة تشارلز الخامس مع الهندو-آريين الأصليين، يقدم لنا ميكايل سبراً للألفية عبر أوراسيا: "بدأت الشعوب، التي ستدعى بالعثمانيين لاحقاً، مسيرها غرباً من الصين في أوائل القرن السادس، وشقوا طريقهم عبر آسيا الوسطى إلى البحر الأبيض المتوسط. وواصلوا رحلتهم التي استمرت ما يقارب الألف عام".

قد تكون هذه "قصة ملحمية"، لكنها ليست بداية ذات مغزى للعملية التاريخية التي تشكلت من خلالها الدولة العثمانية. قد تكون عبارة "السير غرباً من الصين" إشارة إلى "الجوهر" العسكري للأتراك، أو ربما يعني المؤلف القول "بمحاذاة الصين"، ما سيفهمه المهتمون بتاريخ أوراسيا على أنه "منغوليا الخارجية"، حيث وجدت أولى الدلائل المكتوبة باللغة التركية. ويبدو أن حقيقة المسألة تكمن في رغبة ميكايل أن يخلق من السلطان سليم بطلاً امتد تأثيره إلى كل اتجاه ممكن.

لنناقش حالة آسيا والمحيط الهندي: سيطر العثمانيون بالفعل على الحجاز والبحر الأحمر من 1516 إلى 1717، وفرضوا سيطرتهم على بعض أجزائه من خلال الحكم غير المباشر. ولكن في حين أن هذه السيطرة قد شكلت عاملاً من عوامل الاضطراب، إلا أنه من الخطأ القول إن سليم "حاز على مفاتيح الهيمنة العالمية" من خلال "احتكار طرق التجارة بين البحر الأبيض المتوسط ​​والهند والصين" على حد تعبير ميكايل. فقد واصلت العديد من الأقوام التي اشتغلت في التجارة في أجزاء مختلفة من آسيا، بما في ذلك غير المسلمين، استخدام طرق التجارة هذه ليس فقط في عام 1510 ولكن طوال القرن السادس عشر.

تمت مناقشة مسألة طموحات سليم "المحدودة" في شرق المحيط الهندي بتمحيص في مقال كتبه الباحث الفرنسي الشهير جان أوبان، والذي من الواضح أن ميكايل لم يطلع عليه لأنه يخطئ الاعتقاد بأن سليم استحوذ على أراضٍ في غرب الهند، وأنه أرسل أسطولاً كبيراً يتألف من "ثلاثين سفينة وآلاف البحارة" إلى المحيط الهندي في فبراير 1519، ويبدو أن هذا بني على قراءة خاطئة لمذكرات سياسي القرن الخامس عشر في إيطاليا سانوتو، التي تقول عكس ذلك تماماً.

خليفة "ذو تأثير عالمي"

لا تتوقف أفكار الكتاب الغريبة عند هذا الحد. فعلى الرغم من ادعاءات ميكايل، لم يكن سليم يمتلك "موانئ على جميع البحار والمحيطات الرئيسية في العالم القديم". فيما يلي بعض الاستثناءات الهامة: الساحل الشرقي للمحيط الأطلسي بأكمله، وبحر البلطيق، والخليج الفارسي، وخليج البنغال، وكل من غرب المحيط الهندي (خارج البحر الأحمر)، وبحر الصين الجنوبي، وبحر اليابان، وما إلى ذلك. وكان سليم يمتلك موانئ في ثلاثة بحار فقط: البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأحمر. وادعاء ميكايل هنا لا يعدو كونه إهمالاً متعجرفاً لأساسيات الجغرافيا. وهذا ليس سوى مثالاً واحداً من العديد من المزاعم المشابهة.

يهمل ميكايل أساسيات الجغرافيا حين يزعم أن السلطان سليم امتلك موانئ على جميع البحار والمحيطات الرئيسية في العالم القديم، في حين أن موانئه لم تكن تتعدى ثلاثة بحار فقط: البحر الأسود والبحر المتوسط والبحر الأحمر

نتوقع من مؤرخ مختص في الإمبراطورية العثمانية أن يعلم أنه حتى أواخر عام 1530، لم يكن المسلمون يشكلون أغلبية واضحة في الإمبراطورية (كانوا يمثلون 1.6 مليون من إجمالي 3.45 مليون أسرة في بيانات التعداد الجزئي). كما نتوقع أيضاً أن يعرف متخصص في التاريخ الإسلامي أنه من المغرض وغير المحايد الادعاء بأن سليم "امتلك سلطة دينية لا مثيل لها في العالم الإسلامي في عام 1517".

ففي الواقع لم يتم رفض سلطته في إيران والعراق فحسب، وإنما لم يعترف بها أيضاً المسلمون في العديد من المناطق الأخرى المكتظة بالسكان في العالم الإسلامي، مثل جنوب آسيا والمغرب. ولدعم هذا الادعاء العابث، يخترع ميكايل رسائل من الصفويين إلى السلطان سليم والتي لا يمكن العثور عليها حتى في المصدر الذي يستشهد به.

في فترة لاحقة من القرن السادس عشر، اعترف المثقفون العثمانيون وحتى البارزون منهم، أمثال مصطفى علي بشرعية "الخلافة" والمناصب الحاكمة التي احتلها الصفويون والمغول. وبما أن ميكايل، كما يتضح من مقطع نقدي في كتابه، لا يبدو أنه على دراية بالفرق بين السلطان المملوكي والخليفة العباسي، فقد تكون هذه النقاط الدقيقة قد أفلتت من ملاحظته.

في الحقيقة، كانت الخلافة العباسية الشرعية، التي يزعم ميكايل بكل ثقة على أنها نُقلت إلى سليم في عام 1517، حبراً على ورق منذ الغزو المغولي لبغداد عام 1258. صحيح أن الخلافة ثبّتت كنظام للحكم من قبل العديد من الخلفاء في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، لكن لم تكن للعباسيين أية صلة بذلك، بحسب ما تؤكد بإسهاب العديد من الكتب المرجعية الحديثة حول هذا الموضوع، والتي يتجاهلها ميكايل كلياً.

لعل أحد أكبر ادعاءات ميكايل وتخميناته نجدها في زعمه أن سليم كان مسؤولاً بشكل أو بآخر عن نجاح الإصلاح البروتستانتي، وذلك برأيه لسببين: أولاً، كان لوثر مقتنعاً بأن "الانحلال الأخلاقي للكنيسة الكاثوليكية ... قد مكّن العثمانيين من نشر الإسلام في جميع أنحاء العالم"؛ ثانياً، لأن الخوف من العثمانيين منع القوى الكاثوليكية من إرسال قوات قتالية إضافية لقمع التمردات البروتستانتية في مهدها.

يكرس ميكايل مبدأ الإسلاموفوبيا حين يفترض أن السلطان سليم كان مسؤولاً عن الإصلاح البروتستانتي لأن الخوف من العثمانيين منع القوى الكاثوليكية من إرسال قوات قتالية إضافية لقمع التمردات البروتستانتية في مهدها

ضمنياً، يعني هذا نسب الفضل إلى سليم لغرس الخوف من الإسلام بين الأوروبيين وتشكيل تهديد لأوروبا، وهي الفرضية ذاتها التي اعتقدنا أن ميكايل يسعى لدحضها. والأهم من ذلك، أن أياً من هاتين الفرضيتين لا وجود لهما في المصادر التاريخية. وفي الحقيقة مثّل سليم تهديداً لشركائه في العقيدة أكثر من تهديده المسيحية الأوروبية. كما لم يكن العثمانيون في عهد سليم يشغلون حيزاً من اهتمامات لوثر الأساسية، بحسب ما تشهد العديد من الدراسات الجديدة التي تتناول لوثر كموضوع لها.

سوف يفاجأ الطلاب الباحثون في عهد تشارلز الخامس حين يقرؤون في مقال ميكايل الصحافي أن أوروبا كانت في أواخر عام 1510 "قارة إماراتية صغيرة ودويلات متشاحنة على الحكم الوراثي" أو أن سليم كان السبب الرئيس وراء ازدهار البروتستانتية. لكن يبدو أن سليم لم يكتف بإنجاز كل هذا، فبرأي ميكايل "امتد تأثيره إلى ما بعد أوروبا والشرق الأوسط، وعبر المحيط الأطلسي إلى أمريكا الشمالية"، بحيث "شكّلت الإمبراطورية العثمانية العالم كما نعرفه في مطلع القرن السادس عشر من الصين إلى المكسيك".

كيف لنا أن نعرف هذا؟ لأن ميكايل يزعم أنه في نفس الوقت الذي قاد فيه سليم "قواته العثمانية لغزو القاهرة المملوكية"، شوهدت ولاية يوكاتان المكسيكية من قبل أسطول المستكشف الإسباني هيرنانديز القرطبي (والذي يبدو أن ميكايل تواصل معه عبر الإنترنت). يبدو أن هؤلاء الإسبان كان يطاردهم شبح سليم و "تستحوذ عليهم الأرواح العثمانية" لأنهم قارنوا مركزاً حضرياً لشعوب المايا بمدينة القاهرة، والتي -بالمصادفة- اعتقدوا أنها ما زالت عاصمة المماليك.

وفي الواقع فإن الصلة الحقيقية الوحيدة بين غزو المكسيك والعثمانيين جاءت لاحقاً، عندما شارك هيرنان كورتيس في رحلة استكشافية إلى الجزائر، كان مصيرها الإخفاق عام 1541، وسليم حينها كان متوفياً منذ زمن طويل. ولم يكن إرثه الرئيسي في الأمور العقائدية متعلقاً بالبروتستانتية، وإنما بذكريات مريرة عن قمعه الدموي لما اعتبره "هرطقة" بين رعاياه المسلمين، وهي حقيقة مؤسفة تم تجاهلها بشكل كامل في هذا النمط من "تأريخ الرجل الخارق" ولكن تستحق أن نتذكرها خاصةً وأن عنف الدولة يحضر في ذهنية الجميع الآن بفضل حملات Black Lives Matter.

قد يكون السلطان سليم هو بطل ميكايل، لكن الكثيرين في تركيا والشرق الأوسط لا يعتبرونه كذلك. وبالنظر لنوع التاريخ الذي كتبه، فإن جهود ميكايل تأتي مع نهاية الكتاب لتنصبّ في إطار خداع كلامي حول العثمانية الجديدة في تركيا اليوم، بدلاً من طرح وجهة نظر نقدية حقيقية (الموقف الذي أصبح ضرورياً هذه الأيام للاحتفاظ بصورة ليبرالية)، ليصدم القارئ ببساطة باتخاذه لهذا الموقف السياسي الإستراتيجي.

يتكرر هذا في كل من "الخاتمة" الركيكة التي يبدو أنها أُلحقت بالكتاب على عجل قبل نشره مباشرة، وكذلك في مقال بقلم ميكايل بعد نشر كتابه صدر في مجلة تايم (3 سبتمبر 2020). وعلى عكس ادعاءاته، فإن الغالبية العظمى من العلويين في تركيا لا يعتبرون أنفسهم شيعة ولا يريدون اعتبارهم كذلك، مهما كانت صلاتهم بالصفويين في بداية العصر الحديث. هذا لا يختلف عن التنميط الأمريكي بمصطلح "هيسبانيك" الذي يسبغ الأصل الإسباني على ملايين الأشخاص الذين يجدون أنه غير ذي صلة أو إقصائي، أو كليهما.

هذا يقودنا أخيراً إلى القهوة، حيث يزعم ميكايل أن جيش السلطان سليم هو أول من اكتشف "شجيرة بها ثمرة غريبة باللون الأحمر الفاتح" في اليمن، وبدأ في تصنيعها وبيعها. وكما هو متوقع، فإن هذا ادعاء يتضح كذبه. فهناك عدد كبير من المؤلفات التي توضح أن القهوة واستخدامها كانا معروفين بالفعل لدى المسلمين خلال القرن الخامس عشر، وربما للأثيوبيين قبل ذلك. تمت مناقشة شرعيتها كمشروب روحي من قبل المفكرين الإسلاميين في مكة والمدينة والقاهرة قبل الغزو العثماني لتلك المدن.

وقد انتشر تداول القهوة نتيجة لعدد من المبادرات الفردية، وليس نتيجة للسياسة العثمانية. وببساطة، لا أساس للاعتقاد بأن انتشار القهوة كان من خلال "مكان اتسع انتشاره في العالم بعد أن أورثه سليم للإنسانية، وهو المقهى" بحسب ميكايل في مقاله الصحافي، أو أن "السلطان العثماني سليم كان أول من حول التجارة إلى عملية جيوسياسية، واحتكر توريد إحدى أكثر السلع الوافرة الاستهلاك في العالم".

في إطار تقديم السلطان سليم كأول قائد استفاد من الأبعاد الجيوسياسية للتجارة، يزعم ميكايل مخطئاً أنه مبتكر فكرة "المقهى" بعد اكتشاف جيشه ثمار البن في اليمن، ليقوم السلطان بتصنيعها وبيعها

لا يوجد دليل موثق واحد يربط بشكل مباشر بين سليم وانتشار القهوة. نحن لا نعرف حتى ما إذا كان هو نفسه قد استهلكها أو كان على معرفة بها. وهذا ببساطة لا يعدو كونه اختراعاً لمؤرخ حديث لا يعرف أين يرسم حدوداً فاصلة بين الواقع والخيال، بين الحقيقة و "القليل من المبالغة".

الدوافع الاستراتيجية

لا يمكننا قراءة أفكار زملائنا المؤرخين، ناهيك عن قراءة عقل حاكم من أوائل القرن السادس عشر. فما الذي دعا مؤرخاً في جامعة محترمة لنسج هذه الأكاذيب وأنصاف الحقائق والتكهنات السخيفة؟ هذا ما يبقى لغزاً بالنسبة لنا. ولماذا تنشر صحيفة مثل واشنطن بوست مجموعة من هذه الادعاءات غير المدعمة ثم تمنع الردود عليها؟ هو أيضاً سؤال يستدعي التحقيق.

رفض أولاً محرر قسم التاريخ في الصحيفة، وهو مؤرخ لسياسة هوليوود والسياسة الأمريكية، نشر رد منا على مقال ميكايل بناءً على أن القسم "جزء من قسم أخبار وليس في قسم الرأي". ثم تكرم المحرر بالإضافة: "إذا ورد خطأ محدد في الوقائع التي تتضمنها المقالة وأردتم إرسال تفاصيل محددة حول ذلك حتى نتمكن من تصحيحه، يسعدنا مراجعة ذلك لأننا نريد أن تكون جميع مقلاتنا دقيقة في ما يتعلق بالحقائق".

قدمنا ​​بعد ذلك قائمة بسبعة أخطاء رئيسية في المقال. بعد بضعة أيام من الصمت، رد المحرر: "لقد راجعنا المقالة المعنية وتواصلنا مع المؤلف للحصول على وثائق محددة فقدمها لنا، ونعتقد أنه لا داعٍ لإجراء أية تصحيحات بناءً على الأدلة التي قدمها. أنا أشجعك على قراءة كتابه الجديد الذي يحتوي على تلك الوثائق". بطبيعة الحال، لم يرغب أحد في إخبارنا ما هي هذه "الوثائق المحددة" أو ما هو مصدرها.

لكن دعونا نضع أيضاً السياسات الكبرى العالمية في عين الاعتبار بخصوص هذه المسألة. سرعان ما حظي كتاب ميكايل بالإشادة على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل بعض الجماعات والأفراد في تركيا لتأكيد وجهة نظرهم الخاصة بأن السلطان سليم كان شخصيةً عظيمة غيّرت العالم وتم إهماله حتى الآن. والأجدر بالمؤرخين تمكين القراء حقاً من فهم أهمية الإمبراطورية العثمانية، وتأثيرها العميق على التاريخ العالمي، ومكانة شخصية مثل سليم، ولكن ليس عبر مجاملة جوفاء تعمد إلى التحريف، وليس على أساس الأبحاث الزائفة.

وقد كتبت المؤرخة والباحثة من جامعة لندن كارولين فينكل في مجلة Literary Review: "ميكايل أيضاً يعرض في كتابه سجلاً وافراً من كتاب، على الأقل في أصله التركي، لا يحتوي على هوامش، ومؤلفه غير معروف لي ولزملائي الذين استشرتهم". (تم الاستشهاد بالعمل المذكور للمؤلف فاتح أكجي إحدى وثلاثين مرة).

أليس من الاستهتار أن يفرط باحث مقيم في الغرب بالاستشهاد بمثل هذا المرجع "الأصلي"، بينما يعتبر العدد الكبير من المصادر الأولية حول الموضوع باللغات العربية والفارسية والتركية غير جديرة بالفحص؟ يحدث هذا في الوقت نفسه الذي يكتب فيه ميكايل في الصحافة الغربية محذراً من مخاطر الاستخدام السياسي للماضي العثماني.

مهما كانت حقيقة القضية، فمن الواضح أن كتاب "ظل الله" هو مثال ممتاز عن المحاذير التي يجب توخيها عند كتابة التاريخ العالمي. ولحسن الحظ، هناك أعمال أخرى تم نشرها، سواء عن طريق المراكز العلمية أو الناشرين التجاريين، تلقي الضوء على الطرق المتنوعة التي حري أن يكتب وفقها التاريخ العالمي. لكن سيكون من المؤسف أن يقتنص "المشككون في التاريخ العالمي"، وعددهم ليس بالقليل، أسوأ مثال لدعم حججهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard