الأسطورة والهوية والأنثروبولوجيا عاجزة ما لم تتكئ على "قطرميز مكدوس"

الثلاثاء 13 أكتوبر 202003:53 م

"أمال عملتو ثورة وخربتو بلدكم لييه!؟"، هذا ما صاحت به امرأة مصرية تشاهد جارتها السورية وهي تحشو بطن الباذنجان بخلطة الفليفلة والثوم والجوز لتغمرها بزيت الزيتون، وهو الحوار الذي بدأ به الشاعر السوري منذر المصري مقاله "المكدوس والثورة الجائعة"، ليخلص في النهاية إلى أن الثورة لم تقم بسبب جوع الشعب أو فقره، بل لأنه ينشد الكرامة.

هذه الأكلة الشعبية المنتشرة في أصقاع البلاد بدت يومها ترفاً بالنسبة للمرأة المصرية، لكن اليوم، وبعد مرور سنوات، وفي ظل ما تشهده البلاد من واقع اقتصادي يزداد سوءاً مع كل مطلع عام، هل ما زال المكدوس أكلةً شعبيةً وفي متناول جميع شرائح السوريين؟ وهل يملك الشعب السوري كلفة هذا الترف؟

يبقى، على أية حال، عشق "المكدوس" لدى الكثير من السوريين يتفوق في مناحٍ كثيرة على غيره من أنواع العشق، وكأنه "تعويذة سعادة" قادرة على درء أكثر الأحزان فتكاً، فيما يراه البعض "تميمة للسلام"، لدرجة أن شاعراً مكدوسيّاً قالها مرَّة: "عندما أتناول المكدوس لا أستطيع أن أكره أحداً"، وآخر تفتَّقت قريحته فكتب: "لست قادراً على الاعتراف بأي خريف... ما لم تنتش نفسي بمكدوس أمي، وكل تأويلات الأرض ليست كافية لوصف السأم من دونه. حتى إن الأسطورة والهوية والأنثروبولوجيا عاجزة ما لم تتكئ على قطرميز مكدوس". فما الذي يشكله المكدوس في الذاكرة الشعبية حتى ينال كل هذه الحظوة؟

وعي شعبي وهوية اجتماعية

للفلسفة قولها في هذه الأكلة السورية كواحدة من أهم مفردات السلة الغذائية لمؤونة الشتاء، والتي لم يتخلَّ السوريون عن الاهتمام بها، على الرغم من ارتفاع تكلفة هذه السلة. يقول يحيى زيدو، ماجستير فلسفة من جامعة دمشق: المكدوس لم يعد اليوم أكلة شعبية فحسب، بل أصبح يمثل شكلاً من أشكال الوعي الشعبي بكيفية الانتقال من اقتصاد الكفاف إلى اقتصاد الكفاية.

وهذا الوعي تشكل تاريخياً خلال محاولة الإنسان السوري الحفاظ على سلته الغذائية في ظروف الاحتلال، الحروب والكوارث الطبيعية. ولذلك صار "الوعي بالمكدوس" أو "وعي المكدوس" جزءاً من الثقافة الشعبية التي تُمارس فيها ضروب العمل الجماعي من أجل الحصول على الغذاء، بدءاً من لحظة نضوج الباذنجان المخصص للمكدوس، وبعدها قطافه أو شراؤه من السوق، ثم سلقه وحشوه بالملح الصخري للتخلص من الماء الزائد فيه، وصولاً إلى حشوه بالفليفلة والثوم والجوز أو الفستق، ثم غمره بالزيت، من أجل السماح للبكتيريا الدقيقة بأن تفعل فعلها لتعطيه نكهته المميزة التي تختلف باختلاف أنواع الباذنجان أو الحشوة أو الزيت، وكذلك باختلاف الوعاء الذي يتم تخزينه فيه، بين وعاء فخاري أو زجاجي أو بلاستيكي.

المكدوس دخل في قاموس السوريين ليس كنوع من الطعام الطيب فقط، بل كأحد مكونات الهوية المجتمعية السورية التي تدل على شخصية السوري، كما يدل ماكدونالدز على الشخصية الأمريكية

يضيف زيدو: المكدوس دخل في قاموس السوريين ليس كنوع من الطعام الطيب فقط، بل كأحد مكونات الهوية المجتمعية السورية التي تدل على شخصية السوري، كما يدل ماكدونالدز على الشخصية الأمريكية. من هنا أصبح الانحياز للمكدوس هو انحياز للهوية المجتمعية، وليس فقط اشتهاء لنوع محدد من الطعام. لتصبح "فلسفة المكدوس"، بهذا المعنى، تعني الوعي بالهوية الاجتماعية للشخصية السورية، التي يصبح الحياد تجاهها نوعاً من الجحود والتنكر للهوية الجامعة، وربما يمكن القول إن الحياد تجاه "الماك دوس" هو انحياز لثقافة "ماك دونالدز"، كشكل من أشكال الوعي الزائف الناجم عن التأثر بثقافة الاستهلاك التي تجتاح المجتمعات الأقل تطوراً من المجتمعات الغربية.

المكدوس هوية عالمية

الصحفي والباحث في التراث علي الراعي، يداور مفهوم المكدوس جغرافياً، إذ يرى أنه "خلطة عالمية" أكثر منه "منتجاً محلياً بحتاً"، فيقول: كانت الحيرة تنتابني مع نهاية كل أيلول؛ في طلب والدتي المئة كليوغرام من الباذنجان، وخيارها الأول "الباذنجان الحموي"، لزوم مؤنة المكدوس التي تبدأ بخيارات الباذنجان، إلى خيارات الجوز والفستق، والفليفلة.

وهكذا ستخزن الذاكرة هويات لكل مكوّن من مكونات مؤنة المكدوس، فللباذنجان هويته الإقليمية بين الفاخر الحموي، ثم يليه الحمصي، والنوع الثالث الذي سيأخذ اسم "البلدي"، هكذا بلدي وحسب، وكأنّ الصنفان الأولان ليسا بلديين. فيما سيكتسب الجوز هويات عابرة لـ"البلدي" إلى العالمي كالأوكراني مثلاً، والذي سيتفوق عليه الجوز البلدي بالأفضلية، وحتى هذا سيتبع انتماءات أخرى حسب طبيعة الأرض بين البعل والمروي، أو جوز الساحل وجوز الجرد، وأما الفستق كخيار أخير يتبع ضعف الحالة المادية.

ورغم أنه إنتاج بلدي، غير أنّ تبعية "سودانية" مُحيِّرة ستلصق به رغم أن هذا الفستق هو من مزروعات الساحل السوري، وحتى الثوم بين الصيني والمحلي، أو الزيت بين النباتي الذي قد يكون مستورداً من أكثر من دولة، وبين زيت زيتون الساحل أو زيت زيتون إدلب... أو بين الفليفلة الحارة أو الفليفلة المونَّسة... وهكذا ستأخذ مؤونة المكدوس الكثير من الهويات لإنتاج "مؤونة محلية" بل شديدة الخصوصية في محليتها السورية، لكن في المشهد البعيد تبدو عالمية في مكوناتها.

أمان غذائي

ولطالما كانت هذه الأكلة رمزاً للسعادة تشعّ العيون عند مرآه، وتسيل الغدد اللعابية أضعافاً مضاعفة عند اقترابه على طبق الطعام، لاسيما بالنسبة للأطفال الذين كانوا لفقرهم غير قادرين على التلذذ بالمكدوس إلا عندما يكونون ضيوفاً عند أقاربهم أو جيرانهم، كما أن هناك خصوصية لهذه الأكلة تتأتى من ضرورة احترام تقنية صناعتها الخاصة، والتي سيؤدي عدم احترام إحدى خطواتها لطعوم غير مناسبة، كالحموضة الزائدة للباذنجان، أو المرارة في الجوز، وغير ذلك.

لطالما كان "العنبر" أو بيت المونة رمزاً للأمان الغذائي في قرى الريف السوري وبيوتات المدينة الواسعة، والمكدوس ضمن مكوِّناته التي يُجمع السوريون على أهميتها

وهناك من يرجع إلى التاريخ القريب حيث كان "العنبر" رمزاً للأمان الغذائي في قرى الريف السوري وبيوتات المدينة الواسعة، ويقع المكدوس ضمن تلك المكوِّنات. يقول الدكتور عروة شدود، من قرية البهلولية، عن ذكرياته وعلاقة جدته بهذه الصناعة: كانت العقبة الكبرى التي تقف أمام العائلة قبل ثلاثين سنة في موسم تجهيز المكدوس، هي الكتلة الضاغطة على الباذنجان المسلوق.

وفي الريف يبقى حجر الرحى هو الخيار الأنجع، لشكله الدائري وموازنته للقوة المطبقة على الباذنجان المسلوق والملفوف بقطع قماش، إلا أن اضطراب الذاكرة القريب الذي أصاب جدتي حينها، أبقى على وفائها لحبة القمح والحنطة والعنبر وهو المكان الذي يحفظ به البرغل طيلة السنة، فالعنبر بمظهره الممتلئ كان رمزاً لأمان لقمة العيش في ذلك الريف، فذاكرتها البصرية عند رؤيتها لمنظر حجر الرحى فوق الباذنجان، يثير فيها الغضب الصارخ.

أقف أمامها بعمري البالغ ثماني سنوات مندهشاً لسبب صراخها المفاجئ وهي تنادي لي بأسماء كل أبنائها الذكور وبالترتيب من الأكبر حتى تصل إلى اسمي، وأنا حفيدها الوحيد البكر، وبنزق طفل وقلة احترام لمرضها أدير ظهري عن شتمها وسبابها لي وتلحقني بعبارة: لعنة الله على هالترباية...، وعلى غفلة منا تبعد حجر الرحى وتبدأ بغسله كي لا يُطعم ماء الباذنجان على البرغل المطحون على حد علمها... لنبدأ من جديد بسلق الباذنجان.

المكدوس فوبيا ومؤامرة كونية

ولكثرة ما نشر الفيسبوكيون على صفحاتهم صور المكدوس، اعتبر أحد المحرومين من هذه النعمة، أن حتى المكدوس بات مؤامرة كونية عليه شخصياً، لدرجة أن حبيبته لم تتعلم صناعة ولو قطرميز صغير من المكدوس كرمى لحبهما، وبات يفكِّر جدياً بالانفصال عنها، ما لم تتقن فنون تحضير هذه الأكلة، خاصةً أنه لم يذق منذ وفاة والدته مكدوساً كالذي كانت تصنعه بكامل حبها وحنانها.

لكثرة ما نشر الفيسبوكيون على صفحاتهم صور المكدوس، اعتبر أحد المحرومين من هذه النعمة، أن حتى المكدوس بات مؤامرة كونية عليه شخصياً

على صعيد مناقض تماماً، يرى الصحفي المغترب بهيج وردة، أنه كتب مؤخراً تاريخاً جديداً في مسيرة حياته بعدما تغلَّب على ما أسماه "فوبيا المكدوس"، قائلاً: أظن أنني الشخص الوحيد في العالم الذي يعاني فوبيا المكدوس، إذ لم أتذوق المكدوس مذ كنت طفلاً، وحاولت أمي أن تجبرني على تذوقه مراراً. طبعاً حاولت بالطرق السياسية والعنفية من دون جدوى، لكن على ما يبدو أن العنف ترك أثره من تلك الحادثة حتى يومنا هذا.

العنف كان لفظياً لكن لخشيتي من تذوق المكدوس حشرت نفسي بين طاولة المطبخ والبراد، ورفضت التحرك حتى استسلمت وتركتني، ولا تزال هذه اللقطة في بالي كلما التقيت المكدوس مصادفة على طاولة! تمر الأيام وأضطر لخوض غمار تذوق أطعمة مختلفة، أبرزها الحبار والقريدس والسمك النيء والسوشي وكل ما يمت بصلة إليها، إلى أن جاء دور تذوق المطعم الياباني وكان تجربتي الأولى الساحرة في "تو ري نو سو" في أبو ظبي، و"هاكاسان" في قصر الإمارات، وأعلنت غرامي بالأكل الياباني والصيني، حتى الحلزون تذوقته في فرنسا وأحببته.

لكن دائماً كان السؤال: إلى متى أرفض المكدوس؟ اليوم قررت كسر هذه الفوبيا وتذوق المكدوس، وأنا مدرك في قرارة نفسي بطعمه الطيب، لكنها "التناحة" التي أتمتع بها، وفعلاً أصبحت تلك الفوبيا من الماضي، وأضفت نفسي اسماً جديداً على قائمة عشاق المكدوس التي لا تنتهي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard