كيف لمن يعنّف ويستبد زوجته أن يُزعجه استبداد الدولة وطغيانها على شعبها؟

الجمعة 4 سبتمبر 202004:48 م

كم من "قامة" اعتقدنا أنها تهوى الحرية والشُّعوب هَوَت أمام أعيننا في سوريا! والمعارض السوري، عمر الشيخ ابراهيم، هوى أمام أعيننا في بيته. هوى أمام امرأة قوية قررت أن تسحب نفسها بقوة من دائرة التعنيف التي وضعها فيها هذا الضعيف الهش. 

كيف لمن يتسلح بطغيانه لتشديد قبضته على زوجته بهدف السيطرة التامة عليها أن يزعجه استبداد الدولة وطغيانها على شعبها وسطوتها عليه؟ كيف لمن يستعمل القوة في بيته لضبط "النظام" أن يعارض استعمال نظام بلده نفس أداته، القوة، كأداة لضبط "النظام"؟ 

كيف يمكن لمن يمارس الهيمنة الأبوية الذكورية في بيته أن يعارض هيمنة الأبوية السياسية في بلده؟ كيف لمن يعيد إنتاج الهدر في بيته أن يعارض إنتاج النظام للهدر؟ فأدوات التعنيف المتوخّاة هي ذاتها، وأدوات السيطرة هي ذاتها، والأهداف هي ذاتها: الإخضاع والقولبة.

 لماذا يميِّز إذن، المعارض نفسه عن النظام؟ المعارض يتوجه للنظام القمعي السلطوي ويقول له: أنا لست مثلك. أنا أرفض آلية العنف الموجهة تجاهنا والتي تتغذّى منها. أنا ضد اعتدائك علينا وضد تشييئنا. أين هو المعارض عمر الشيخ ابراهيم من كل هذا حين توجه للنظام وقال له: أنا ضدك؟

الرجل الذي يعنّف زوجته يعتاش على قهرها لتصليب أناه الهشة جداً، ولإعادة شيء من الاعتبار المفقود لذاته المهزومة.

حين يكون الزوج بحاجة مستمرة وملحة للسيطرة والقوة، تنخرط المرأة شيئاً فشيئاً في علاقة اضطهادية. تعاطي النساء هنا يختلف من امرأة إلى أخرى، فنجد من تسحب نفسها بسرعة وبصلابة من هذا الشد المرضي إلى دائرة التعنيف، وهناك من تسمح بسحب وجر الرجل لها إلى تلك الدائرة.

 الرجل الذي يعنّف زوجته يعتاش على قهرها لتصليب أناه الهشة جداً، ولإعادة شيء من الاعتبار المفقود لذاته المهزومة. هو يحاول بدون جدوى ترميم عطب أصاب روحه، فالمهدور داخلياً هو من يهدر الآخر ليخفف عنه ألم الهدر المتمكّن منه أشد تمكّن.

إذا ما فشلت المرأة في محاولات التصدي والمواجهة فقد تصل إلى مرحلة العجز التام أمام هذه الرغبة الجامحة في العنف والاستعداد الدائم للاعتداء. 

في هذه الحالة، ومع تراكم الخوف داخلها، قد تعمل المرأة جاهدة على إرضائه واستعطافه بشدة حتى، متأملة من ذلك استجابة سلوكية إيجابية تخفف عنها الأذى الذي تتعرض له باستمرار. 

وإذا ما "لان" قليلاً، فحاجته المرضية للتعنيف تحول دون السيطرة على انفعالاته العنيفة التي يغذّي بها ضعفه بحثاً عن "قوة" متخيلة. هو يعلم تمام العلم أن شريكته ترى بوضوحٍ ضعفه وهشاشته، وهو ما يجعله يعيش في توتر وقلق دائمين يترجمان إلى عدوانية وعنف مستمرين.

 مع القهر والخوف المتواصلين، قد تفقد المرأة قدرتها الإدراكية على الهروب، تستسلم نهائياً لسجانها وترمي حاضرها ومآسيه على القدر. هي مرحلة سيئة جداً تستسلم فيها المرأة تماماً، وتتبنى الاعتقاد بأن ما تعيشه من قهر وهدر هو قدرها. حين يفلت مصيرها من يدها ويخرج عن سيطرتها كلياً تستكين المرأة للقدرية الاستسلامية الاتكالية المريحة بعض الشيء. 

إنها الهزيمة التامة! إنه العجز التام أمام الزوج العنيف. وتستولي عليها فكرة أن خلاصها لن يأتي إلا من السماء التي ابتلتها أشد ابتلاء. دعامة هذا الاستسلام الكامل هي التكيّف التاريخي للمرأة بأنها أدنى قيمة من الرجل، وفوقيته المزعومة تشرعن له تبخيسها كيف ما يشاء، وهنا تتواطأ المرأة مع الرجل في الاعتداء على نفسها.

كيف يمكن لمن يمارس الهيمنة الأبوية الذكورية في بيته أن يعارض هيمنة الأبوية السياسية في بلده؟ كيف لمن يعيد إنتاج الهدر في بيته أن يعارض إنتاج النظام للهدر؟ فأدوات التعنيف المتوخّاة هي ذاتها، وأدوات السيطرة هي ذاتها، والأهداف هي ذاتها: الإخضاع والقولبة

 ربَّما في فترة سابقة "تواطأت" آية الصبّاغ، زوجة عمر الشيخ ابراهيم، ضد نفسها لكن اليوم حضر الوعي وحضرت معه الشجاعة. ثنائية الوعي والشجاعة هي التي جعلتها تبدأ بسحب نفسها إلى فوق وإنزاله من عليائه إلى تحت، إلى مكانه. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ألا تشبه هذه السلوكيات العدوانية الصادرة عن الزوج العنيف وآليات الدفاع الصادرة عن الزوجة المعنَّفة سلوكيات الحاكم العنيف وآليات دفاع "المواطن" أو الشعب المعنَّف؟ لذا، أكرر نفس السؤال: لماذا يميِّز إذن هذا المعارض نفسه عن النظام السوري؟ فهو مع زوجته مثل النظام مع شعبه في حاجته المستمرة للعدوانية والتعنيف لتأكيد حضوره الطاغي والكلي الذي يستوجب الغياب الكامل، أو بمعنى أدق التغييب الكامل للشعب.

الزوج العنيف، عمر الشيخ ابراهيم أو غيره، يريد قولبة زوجته كما يشاء، والقولبة تتم بالتعنيف المتواصل لإجبارها على القبول بإخضاعه لها، كما تفعل الأنظمة القمعية بشعوبها. فبمرور الزمن، ومع الاستعمال الفائض والمستمر للسلطة والقوة، تستقر الشعوب على فكرة القبول بالاستبداد ونسيان الحرية، لخلق رعايا يخدمون عنوة بقايا هذه الأنظمة السلطوية، لكن إلى حين. 

والمرأة التي يضيق بها هذا القالب هي امرأة عصية على القولبة. ولأن آية الصباغ عصية على القولبة، أدركت بالأخير أنها قادرة على استرجاع مهارات تأكيد الذات التي سلبها إياها زوجها، وانطلقت في عملية المواجهة العلنية الشجاعة للتخلص من هذا الشد العنيف إلى القالب الذي صنعه لها. وهذا ما تفعله الشعوب حين تريد استرداد حريتها المصادرة. 

المرأة التي لا تقولب هي التي تتمتَّع أكثر بتجربتها فِي الحياة كامرأة. المرأة التي تخوض معارك ضد قولبة الرجل والمجتمع لها لتفرض قواعدها، تخسر معارك وتربح أُخرى. تراكم الخسارات وتراكم النجاحات.

 قد تقول يوماً ما: "كلّي لي، لا سيد على كلّي سوى أنا". حياتها مثيرة وغنية. بينما تكون تجربة المرأة التي لا تدخل الحرب ضد الزوج المعنِّف تجربة قد تذهب بحياتها. تفويت هذه الحرب قد يفوت عليها متعة استردادها لكلّها. 

ما دأبت وحرصت أنظمة المنطقة على فعله على امتداد عقود طويلة هو إخضاعنا بالقوة للقبول بالاستبداد.

هي لا تعيش متعة التحدي ومتعة الانتصار. هي امرأة تنتظر مد يد العون لها. وخير معين لها هي امرأة معنَّفة مثلها. آية، وكل امرأة تكسر حاجز الصمت بشجاعة وتتكلم عن تجربتها مع العنف الأسري هي تحرض باقي النساء المعنّفات على الحرية.

آية تقول للنساء المعنّفات الأخريات: يمكنكن خوض الحرب التي قررت خوضها. هي حرب ضد الكل للتخلص من قوة الجذب إلى العنف الأسري المقبول اجتماعياً في مجتمعاتنا التي ينخرها العنف في العمق.

تقول آية إن بعض الأصدقاء المقربين لهما تدخلوا في محاولة منهم من أجل الصلح بينها وبين معنِّفها. هذا تقليد معتاد في مجتمعنا في مثل هذه الحالات. الدعم الذكوري، من الجنسين على حد سواء، كبير، فمجتمعنا يضج بالعنف: "فلا بأس بتعنيف عمر الشيخ ابراهيم لزوجته آية الصباغ". 

هذا الشد الذكوري إلى الوراء قوي جداً، إنها الثورة المضادة التي تسعى جاهدة للإبقاء على الوضع القائم، ولاختزال الثائر إلى مجرد خائن ومخرب يهدد الوحدة بالعمل على تفكيكها، على أمل أن تواصل كل امرأة رفع صوتها ضد العنف الأسري معركتها إلى الآخر!

 التراجع عن المعركة هو رجوع إلى نفس دائرة التعنيف التي قد تصير أعنف من قبل، تماماً كما يفعل أي نظام مع شعب ثار ضده وفشل. فوسائل الإخضاع التقليدية لم تؤد المرجوّ منها، وإلا لما انفلتت الأمور عن السيطرة. فبالتأكيد المزيد من فنون التعنيف الممزوجة بالانتقام من شأنها أن ترجع تراتبية العلاقة إلى ما كانت عليه وأحسن، وذلك بالعمل على إيصال المقهور إلى حالة الرضوخ الداخلي الذاتي "التلقائي" لكسر إمكانية أي مقاومة أخرى.

ما دأبت وحرصت أنظمة المنطقة على فعله على امتداد عقود طويلة هو إخضاعنا بالقوة للقبول بالاستبداد، وجعلنا رعايا لا مواطنين، نخدم عنوة بقاء هذه الأنظمة. لقد اجتمعنا في نفس المكان مع أنوات حاكمة انقلابية، غير شرعية وفاسدة وساقطة أخلاقياً. أنوات عائلية متضخمة ومتورمة. أنوات تتمترس في أقبية ذواتها المريضة، وتتمرس على معاداتنا وتعنيفنا واختزالنا إلى حدود اللاشيء، فهي الكل ونحن اللاشيء. 

في أقبيتها لا تسمع إلا صدى أصواتها فلا حيّز لصوت آخر هناك. حتى الصدى يخيفها اعتقاداً منها أنه صوت آخر. وحين علا صوتنا على صوت أنظمتنا، رأت فينا أنظمتنا شعوباً غريبة عنها، ليست هي الشعوب التي ربّتها وروضتها لعقود طويلة على الخوف والخضوع والخنوع، وكيّفيتها قسرياً على القبول بالاستبداد والتخلي عن الحرية، الحرية التي صادرتها هذه الأنظمة الأبوية بعد أن استرجعناها من المستعمر. حين علا صوتنا، قالوا لنا: "من أنتم؟"، تماماً مثل ما توجّه عمر الشيخ لآية الصباغ حين نطقت بما عندها أمام العلن وقال لها: "من أنتِ؟".

حين خرجنا للشارع ضد من يحكموننا، كان بيننا حينها عمر الشيخ إبراهيم. هو غالطنا حينها، حين جعلنا نعتقد أنه خرج ضد الأبوية العنيفة، وغالط النظام في الآن ذاته حين جعله يعتقد أنه ضد عنفه. هو من نفس طينة النظام الأبوية العنيفة، هو صنيعته. هو يعكس صورة النظام في بيته من خلال هذه التشوهات السلوكية والعلائقية التي تصدر عنه كفرد. 

كثر هم من يجمعون في دواخلهم وظواهرهم الشيء ونقيضه. هم الأحرار الأبويون. هم المعنَّفون المعنِّفون. هم ضحايا منظومة العنف والهدر اليومي التي تحكمنا. لقد جرّدتنا هذه المنظومة من كل شيء ولم تترك لنا إلا العنف والقوة لنستعرضهما

هو يظهر علناً عكس ما يبطن في بيته، وهذا تماماً ما تفعله أنظمة السطو التي تصدِّر للخارج صورة لا تشبهها. كثر هم من يجمعون في دواخلهم وظواهرهم الشيء ونقيضه. هم الأحرار الأبويون. هم المعنَّفون المعنِّفون. هم ضحايا منظومة العنف والهدر اليومي التي تحكمنا. لقد جرّدتنا هذه المنظومة من كل شيء ولم تترك لنا إلا العنف والقوة لنستعرضهما. من أهم ما أنتجت المنظومة الحاكمة كماً وكيفاً هو العنف: العنف تجاهنا والعنف فيما بيننا.

الإنتاج المتواصل للعنف، الضامن الوحيد لبقاء هذه الأنظمة في السلطة، يقابله هدر متواصل لإنساننا. هو هدر يذهب بإنساننا للأسف للقبول بسادية هذه الأنظمة الحاكمة، ولشدَّة انهزاميته قد يمارس إنساننا نفس السادية على من يراه أضعف منه، علّه يشعر بالانتصار وبتوكيد وجوده وقيمته أمام ضحيته، الوجود والقيمة اللتان عصفت بهما المنظومة الحاكمة. هذه الأنظمة تحجر على الجسد والعقل معاً وتنتج أفراداً قد يحجرون على جسد وعقل من يرونهم أضعف منهم، ولنا في هذا مثال عمر الشيخ إبراهيم.

هذا الهدر يطال وعي إنساننا فيصحِّره. يغيب الوعي وتحضر القوة والخوف، التسلط والخنوع، السادية والمازوشية. لكن هنالك من لا ينخرطون أبداً في حلقة العنف كمعنِّفين، وهنالك من ينخرطون فيها كمعنَّفين وقد يسحبون أنفسهم منها بالأخير. القوة تجابه بالقوة. وقوة العنف تجابه بقوة الوعي. والوعي يحرك آليات الدفاع لدى المعنَّف. هي آليات دفاع حاسمة وجذرية. وآية قررت سحب نفسها من دائرة العنف وقررت أن تكون محرضة على الحرية، حرية الأخريات المعنَّفات. فشكراً لها! قليلات هن القادرات على النهوض من بين ركام مجتمع يحكمه وعي جمعي ذكوري عنيف، بجسد وروح منهكين ولكن بصوت عالٍ يجهر بالمكبوت. النَّشوة التِّي يمتلأ ويزهو بها العالم الأبوي السعيد ستخترقها أصوات النساء الناجيات من العنف بكل أشكاله لاسترداد إنسانيتهن ومن ثم سعادتهن المسلوبة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard