فرقة كون... دمج الفنون في رواية الحكاية السورية في "فوق الصفر"

الاثنين 7 سبتمبر 202003:45 م

يدخل المؤدون إلى الخشبة بتسلسل على إيقاع دف وطبول، يستلقون على الأرض في منتصف المسرح، يدورون على الأرض في حركة جسدية مكرورة، يدورون حول أنفسهم وحول الآخرين. هكذا يعرفنا عرض "فوق الصفر" لفرقة "كون"، على أن حكايات المسرحية هي عبارة عن مصائر متحولة للشخصيات. لكل من هذه الشخصيات "جست" حركي يؤديه أمام الجمهور ويميزه عن البقية، لكن دخول المجموعة معاً وحركتها الدائرية حول بعضها البعض يوحي بمصائر متماثلة، حكايات متفرقة بمصير مشترك.



جسديات الجسد المعذب

الأجساد تدور حول بعضها البعض، رحلة المصائر السورية أجساد تتساقط، تدفع بعضها البعض لتتخلص من تراكم الجثث ولتستمر على قيد الحياة. إنها محاولات النجاة، لا فكاك من دائرة الأجساد المتساقطة على المسرح، إلا سرير حديدي عند طرف المسرح الأيمن. يتسارع المؤدون للصعود عليه، خشبة الخلاص محدودة الاحتمال، يطردون إحداهن ويمنعونها من الصعود، تبقى مهملة في عتمة المسرح، بينما يضاء السرير وحده كما لو أنه قارب نجاة.

حكايات مسرحية "فوق الصفر" هي عبارة عن مصائر متحولة للشخصيات، في تجسيد لرحلة المصائر السورية... أجساد تتدافع لتتخلص من تراكم الجثث ولتستمر على قيد الحياة

حيوات في قلق القصف

إذا كان المشهد الأول مستوحى من ردود الأفعال الجسدية – النفسية للمتعرضين لتجارب عنفية في المعتقلات أو السجون، أو أي تجارب احتجاز وترهيب جسدي أخرى، فإن المشهد الثاني المؤدى جماعياً فوق السرير، يروي عن عيش تجربة الانفجارات أو القصف. يروي المؤدون عبر التنهيدات والأصوات أحداثاً تتعلق بهجوم الطيران، القصف، الدوي والانفجارات، ويقدمون أداءات حركية من الفزع، الهلع ومحاولات النجاة، وهي ردود الأفعال الجسدية والانفعالية الإنسانية تجاه عيش هذا الخوف والخطر.

رسائل الغائب والبحث عن المعتقل

يدخل المؤدي (عبد قبيسي) إلى المسرح وهو يحمل باب السجن على ظهره، ذلك يرمز إلى الاعتقال، يدور على جهات الخشبة وهو يحمل سجنه على ظهره، ثم ينصبه في منتصف المسرح ويغيب. لتأتي المؤدية (ستيفاني كيال) وتبدأ بالطرق على الباب، تدق بقوة باب المعتقل، هي تلك التجربة القاسية التي يعايشها أقرباء المعتقلين وأحباؤهم. يقذفها الباب بعيداً، يرفض تضرعاتها، تحاول الصعود على قضبانه الحديدية بلا جدوى. لا قدرة على التواصل مع من هم في الداخل، مع المعتقلين.

بينما تستمر المؤدية في محاولات اختراق الباب الحديدي، تؤدى على المسرح أغنية بأداء حي (غناء شادي علي، كلمات هاني السواح)، أغنية تتضمن كلماتها رسالة يوجهها المعتقل أو الغائب إلى حبيبته، يطلب منها أن تكتب له، ويطرح عليها أسئلة عن الحياة اليومية، عن حالها، عن الكهرباء والغاز، عن حضور الحواجز على الطرقات، يسألها إن كانت قد نسته أو مازال حاضراً في ذاكرتها:

"بعرف سألت كتير ما عندي غير أسئلتي

  أنت بس اكتبيلي ورح أقبل شو ما قلتي".

المشهد إذن محاولة عاشقين للتواصل، تفصل بينهما جدران المعتقل وأبوابه، وبينما يكتب المغني رسالة إلى حبيبته من الغياب أو السجن، تحاول هي جسدياً اختراق الأبواب والسجون التي تفصل بينهما.

صراع الذات الذكورية بين المدني والعسكري

يقف المؤدي (عامر البرزاوي) وحيداً على خشبة المسرح مقابلاً للجمهور، يرتدي أزياء مدنية باستثناء حذاء عسكري في قدمه اليمنى. منفرداً يقدم أداءات عن الألم والوجع، يصدر أصواتاً من الصراخ والعويل، يبدو وكأن عضواً من أعضاء جسده يؤلمه. إنها القدم، ذلك الجزء العسكري من لباسه. المشهد عبارة عن صراع بين المدني والعسكري في ذات واحدة. لن تتوقف الآلام في جسده، حتى يتمكن من التخلص أخيراً من البسطار العسكري، كل ذلك يتم في أداء حركي عالي الانفعالات والصوتيات، في مسعى لنقل الألم للمشاهد ما أمكن. لكن هذا التحرر من البسطار العسكري سيجلب عليه الويلات، ستتدخل السلطة للمرة الأولى في العرض.

صوت السلطة والمتمرد

في عرض الفرقة السابق بعنوان (سيلوفان) كانت أداة الشخصية السلطوية هو الدريل الكهربائي، في هذا العرض أداة السلطة هي كرة السلة، فضربها على الأرض بقوة والصوت الذي تصدره يقارب أصوات التفجيرات، القصف والقنابل. هكذا يستعمل المخرج الصوت للتعبير عن السلطة. لكن مع ظهور رجال السلطة وهم ثلاثة يحملون كرات السلة، يتحول مكان العرض المسرحي إلى عدة تأويلات، فنحن نتابع حكاية شخصيات هي إما في مشفى للأمراض العصبية أو في المعتقل، التأويلان جائزان.

للصوت أهمية استثنائية في عرض "فوق الصفر"، وصوت ضربات كرة السلة يمثل تعبيراً عن التعذيب والتسلط والذعر الذي يصنعه رجل السلطة المستبد

للصوت أهمية استثنائية في هذا العرض، وهنا صوت ضربات الكرة على خشبية المسرح هو التعبير عن التعذيب، عن التسلط. تُحكم المجموعة ذعراً بإيقاع كرة السلة، الضربات بين الأرض والطابة تصنع الذعر المتسيد. كل الشخصيات تتأثر بحضوره، تُقمع، ترتص على بعضها البعض أو تنكمش في الزوايا. لكن أحد المؤدين (بسام أبو دياب) يتمرد على المتسلطين الثلاثة، ويقذف كرة السلطة من يده بعيداً. ندرك مصير المتمرد في مجتمعاتنا، مصير المدافع عن الحق في وجه منظومة الفساد والعنف. يهجم عليه رجال السلطة الثلاثة بالضرب وبالتعذيب، يصبح رأسه كرة السلة التي كانوا يلهون بها.

الندب حكاية الميت

رويداً رويداً تتحول إيقاعات صوتيات تعذيب المتمرد إلى أنشودة جماعية تنشدها المجموعة على إيقاع ثلاثي معزوف حياً على المسرح، إنها طقوس ندب جماعية، تردد المجموعة من حولها عبارات مكررة:

"لما انضرب، وقع نام

مات من النعس، وما قام

برد، أتشرد، تعب، تمدد

تحتو الموتى وهو حرام".

كأن هذه العبارات المكرروة عبر الغناء الجمعي تروي حكاية الموتى تحت التعذيب، كل منهم ينضرب، يقع، يبرد ويتشرد ليتحول الموت حراماً يغطيه. هذه هي عناصر رحلة الموت تحت التعذيب، ترددها الأغاني والأناشيد لاحقاً.

عدسات الضحية

يُعلق جسد المعذب في وسط المسرح، لقد همد وأصبح جثة. ما الذي يقوم به العالم تجاه الذين يفارقون الحياة تحت التعذيب؟ يتفرجون عليهم عبر وسائل الإعلام، تنتشر صورهم في الميديا. يعبر المشهد عن هذه الموضوعة، حين تتحلق كامل المجموعة حول جسد المعذب المعلق، يتصورون السيلفي معه، يروون على الإعلام حكايته وانفعالاتهم العاطفية حولها، إنه عالم تصوير العنف واستقباله دون التحرك أو الالتزام بقضية إنهائه.

حكمة العايش من زمان

يشتد العنف في المسرحية إلى أوجه، تتوجه بعض الشخصيات إلى الانتحار، مشهد التعذيب والمأساة يخيم على الخشبة، إلى أن يظهر أول مونولوج طويل في المسرحية يؤديه (ميار ألكساني)، إنها حكمة "العايش من زمان"، المدرك أن الأحداث ستتوالى والمآسي ستتكاثر، لكن المهم هو الاستمرارية. الشعب سيروي حكايته بين الفنية والأخرى، وهذا ما تفعله الشخصية، إنها تروي حكاية المأساة إدراكاً لأهمية الروي، ولكن الروي بغاية الاستمرارية وتجاوز ما حدث، هكذا يستمر التاريخ عبر الروي.

تبرز أهمية السرد القصصي في مسرحية "فوق الصفر" تعبيراً عن أهمية فعل الروي للشعب لتحقيق الاستمرارية وتجاوز المأساة، فحركة التاريخ لا تستمر بغير السرد

الروي حاجة ومصدر للاستمرارية: "ليك أنا بتذكر. أنا بتذكر منيح. أنا بتذكر أول شب مات عنا بحارتنا، كان يوقف أول الحارة، كان زغرت، زغرت وذكي. كان عندو شامة تحت عيونو يحبوها كل صبايا الحارة، وراح. هاد كان أول واحد، أنا بتذكر بوقتها كانوا نسوان الحارة كلون عم يولولو أي كانو عم يولولو. بعدها راح مية. بهي البساطة راح مية. أي بس لما راح ألف، كلو خرس كلو خرس، أساساً ما عاد حدا قادر يفتح تمو بكلمة".

المرأة المُصانة المُقادة

المشهد التالي خاص بواقع المرأة في سورية وفي العالم العربي أيضاً. هي المصانة، المحافظ عليها، لكنها الدمية المستلبة الإرادة. يعبر المشهد عن موضوعات مثل الزواج المبكر، ملكية الرجل للمرأة، الزوجة المطواعة المقادة، يعبر عنها من خلال أداء المجموعة مع (ستيفاني كيال)، يلبسونها ثوب الزفاف، يقلبونه على وجهها للإشارة إلى غياب ذات المرأة وانكشاف جسدها، يزوجونها من الرجل الملتحي الخشن، الذي يكبرها ويعاملها كقطعة لحم للجنس وللتبعية.

البرميل الساقط على المسرح

أحد مشاهد المسرحية يتناول حضور البرميل كسلاح في الحرب السورية، يهبط البرميل من أعلى المسرح رويداً رويداً بإتجاه المجموعة، التي تتحلق حوله محدقةً بهذا الشكل الغريب الهابط من السماء، البرميل حامل الموت، أصبح الموت عادة. المجموعة تتأمل الأداة المودية بها إلى الهلاك دون أي رد فعل، الموت بالبراميل المتفجرة أصبح سؤالاً، ولم يعد خوفاً في هذا المشهد من المسرحية.

الأم المنتهكة ورغبة الانتقام

يعيدنا مشهد المؤدية (راوية الشاب) إلى مشاهدات من الحرب الأهلية، هي الأم التي تعرضت للتحرش وربما الاغتصاب وهي تحمل ابنها بين يديها، كأنها تستعيد سلوكيات وأحداث من الحرب الأهلية اللبنانية. تتوجه بالصراخ على كل واحد من المجموعة لتطلب منهم إظهار هوياتهم: "ورجيني هويتك ولا. وأنتي طلعي هويتك".

هذا المشهد مستوحى من قصيدة بعنوان "هدهدات" لبرتولد بريخت، وهي حديث أم لابنها عن ظروف إنجابه في ظل الحرب والجوع. في المشهد المسرحي تخاطب الأم وليدها، تؤجج فيه مشاعر الحقد والرغبة بالانتقام، ترغب منه أن يؤلم جميع الأمهات انتقاماً لها كأم منتهكة ومتألمة ومتروكة لشهوات الانتقام. إنه مشهد يروي كيف يتوالد الكره ورغبة الانتقام في الحرب، وكيف تصبح دوامة الكراهية وقوداً لاستمرار الحروب.

نمطيات الذكورة والأنوثة

في سينوغرافيا وأداء مسرحي، يدين العرض المسرحي الصور النمطية للذكر والأنثى المفروضة في الثقافة والمجتمع، تعرض على يسار المسرح صور نمطية للذكورة المتطرفة دينياً، للذكورة العسكرية، للذكورة المتسلطة سواء بقوة السلاح أو بقوة المال، وفي الوقت ذاته، نشاهد على يمين المسرح تنويعات لصورة المرأة النمطية، المرأة المتطرفة دينياً، المرأة البرجوازية الخانعة للعادات والتقاليد، المرأة السلعة والمرأة التي تتهاتف على الصور النمطية المرسومة لها.

مونولوجات الحاكم والمحكوم

المشهد الأخير في النسخة الأولى من العرض، عبارة عن إلقاء شعري يؤديه فنانا الراب (مازن السيد ووهاني السواح). مونولوجات مبهرة الإتقان عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فبينما يجسد (مازن السيد) منطق الحاكم، الديكتاتور، الواهم بإنقاذ البلاد وقيادتها، يقدم (هاني السواح) منطق المحكوم، التابع للزعيم ومن ثم المنتفض الثائر.

للحاكم منطق مقنع متمركز على الذات، وللمحكوم منطق الانتقام الذي يمكن أن يحوله ثائراً. في هذا الأداء الشعري يتجاور منطق الجلاد والضحية، منطق المتسلط والثائر، منطق الميت والحي.

للمنولوجات الشعرية حضور وظيفي في "فوق الصفر"، فالأداء الشعري الذي يزخر به المشهد الأخير يتجاوز منطق الجلاد والضحية، منطق المتسلط والثائر، منطق الميت والحي

يروي لنا الحاكم أن الشعب يحتاجه، كيف هؤلاء الأغبياء لا يدركون صعوبة مهمة قيادة الوطن بين الأمم. الحاكم يعتقد أنه إن ترك منصبه فسيهرولون وراءه لأنهم يحتاجون من يحكمهم. يصف الحاكم حياة الجماهير التابعة بأنها من جنس الظلام، بينما حياته التي تذوي في الخدمة هي من جنس النور، لا يجد إلا الزنازين حلاً للمعارضين والمقصلة، يقول الحاكم: "جلدي خريطة الوطن وأنفاسهم كالجذام".

ثم تلقى مونولوجات المحكوم، التابع للزعيم، الذي يترجى الزعيم للإبقاء عليه كلباً من كلابه، خروفاً في قطيعه، هتافاً في تمجيده وجمهوراً مهللاً لخطاباته. لكن مع اشتداد القمع والتسلط، تبدأ أفكار المحكوم بالتغير، تظهر النبرة الثورية التي تحمل الخيالات المثالية:

"تخيل نكون الكتاب كله.. ما نكون آية

تخيل مظاهرة كبيرة كل واحد فيها حامل بدال الشعار مراية.

تخيل تشبع من النشوة، وتشلف بوجهه لقمته،

ويصير الموت رفيقك بعد ما كان زلمته".

لقد انكسر حاجز الخوف عن المحكوم، فالذل والموت يتشابهان، يبرز التمرد، يهدد المحكمون الحاكم: سنقفل الطرقات، سنهدم السجون، الناس ستصرخ بإرادتها، سنتتقم بأن نحفر الوطن على جلدك أيها الحاكم. لكن المتسلط يسخر، يعتبر كل ما قيل قصائد جميلة، إما هزيلة كما الرقص وإما مستحيلة التحقيق، لأن العدو متربص بالجميع، وهذا ما يتطلب من الحاكم أن يقمع الجميع، يقمع الأقصائد، يقمع الأغاني، يتحكم بالوحي ويوجهه ويشتري سلطة الثقافة. وهكذا هي جدلية الثائر والمتسلط، يقول المتسلط، الحاكم الخالد: "أنا ما بموت"، بينما يجيب الثائر: "الميت ما بيموت"، بمعنى أن الزعيم المتسلط آيل للموت حتماً.

في النسخة الثانية من المسرحية والتي عرضت في بيروت وأمستردام، تلقي المؤدية (سارة الزين) قصيدة شعرية من كتابة (فرح شما). يمكن تقسيم القصيدة إلى أربعة أقسام: القسم الأول عن مفاهيم الانتفاض على القمع، القسم الثاني عن السلطات السائدة بنشر الموت، الطائفية، الفساد والدين. تقول الشاعرة: "حيّ على الفساد"، القسم الثالث عن آلالام التهجير والمنفى والفقدان والموت، القسم الرابع ينتقد المفردات والسلوكيات العسكرية في ثقافة المنطقة من الحرب والقتال: "تدوم الحرب ما دامت دماؤنا، تساوي العرض والطلب، من يرى الحقيقة في عين الكذب، في جيوبنا نحمل الدخان والضحايا".

الموسيقيان (عبد القبيسي، وعلي الحوت) هما المشرفان على التأليف الموسيقي المرافق للعرض، مع عزف حي على المسرح يؤديان فيه موسيقى مفاهيمية مؤلفة، ليس كي تتابع المشهد الدرامي أو تصعد من حالة المسرح الشعورية للجمهور، بل مؤلفة على أساس مفاهيمي يحاول أن تكون فيه للموسيقى سردية مستقلة، سردية صوتية لا ترافق الحدث المسرحي، بل تروي تحولاتها البنيوية وحدها. لتخلق هنا معادلة: طرح بصري مسرحي + طرح سماعي موسيقي = طرح جديد ينتجه المشاهد-المستمع، أي يتكون في ذهن المتلقي.

عرض "فوق الصفر" من إخراج أسامة حلال، وكريوغرافيا حور ملص، تجمع فيه فرقة "كون" المسرحية مجموعة من الفنون، باعتبار كل منها أساسياً في تكوين العرض المسرحي: الفن الحركي، الإيماء، التمثيل، الرقص الجماعي، الأداء الموسيقي، المونولوج المسرحي والإلقاء الشعري. وهذا ما يجعل العرض غنياً بالتأويلات، ومفتوحاً على مساحات واسعة من اللعب في العلاقة بين هذه الفنون، وذلك للتعبير عن موضوعاته وقضاياه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard