إطاحة بوزراء وتغييرات واسعة... سلطان عُمان يغيّر طريقة إدارة شؤون بلده

الاثنين 31 أغسطس 202010:14 ص

حينما تولى السلطان هيثم بن طارق، في كانون الثاني/ يناير الماضي، مقاليد الحكم في سلطنة عُمان، تكهّن محللون بأنه سيأخذ وقته قبل إجراء تغييرات كبيرة في الحكومة وطريقة إدارة شؤون البلاد.

ويرى البعض أن الإغلاق المطوّل للبلاد لمنع تفشي فيروس كورونا، منذ منتصف آذار/ مارس الماضي، أتاح للسلطان الجديد الفرصة للاستعداد بهدوء ودون ضغوط كبيرة من النخب للتغييرات التي يريد إجراءها.

خرجت هذه التغييرات إلى النور في 18 آب/ أغسطس، بصدور 28 مرسوماً سلطانياً تدور كلها في فلك هيكلة الحكومة، ونصت على إنشاء واستحداث وزارات جديدة، ودمج أخرى، وذلك في إطار خطة لتحديث الجهاز الإداري للسلطنة.

لم يُفاجأ المتابعون للمشهد العُماني بهذه التغييرات لأنها خرجت من رحم "رؤية عُمان 2040" التي كان يرأس لجنة تطويرها السلطان الحالي، إبّان حكم السلطان الراحل قابوس بن سعيد.

تغييرات هيكلية

التعديل الأكثر وضوحاً هو تقليل عدد الوزراء، فأصبح 19 بدلاً من 26 في المجلس السابق، وذلك بدمج عدد من الوزارات، وهو ما اعتبره محللون محاولة من السلطان الجديد لتقليص النفقات.

وبموجب المراسيم الجديدة، تقرر تعديل مسمى وزارة النفط والغاز إلى "وزارة الطاقة والمعادن"، ووزارة التجارة والصناعة إلى "وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار"، إلى جانب تعديل مسمى وزارة التعليم العالي إلى "وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار"، كما دُمجت وزارة العدل بوزارة الشؤون القانونية تحت مسمى وزارة العدل والشؤون القانونية.

ونصت المراسيم السلطانية على إنشاء وزارة للعمل، وأخرى للاقتصاد، وثالثة باسم "وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات"، كما قضت بتعديل مسمى وزارة الزراعة والثروة السمكية إلى مسمى "وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه"، وتغيّر اسم وزارة الإسكان إلى وزارة "الإسكان والتخطيط العمراني".

بجانب ذلك، عيّن السلطان عدداً من المحافظين ونواباً للوزراء ووكلاء لهم، ووضع مسؤولين جدد في عدد من الشركات الحكومية.

يكشف المحلل العماني حمد العلوي لرصيف22 أن أعمال التطوير شملت مشروعات البنية التحتة، ومنها تطوير ميناء الدقم الضخم والواعد وكذلك موانئ صحار وصلالة، إضافة إلى تطوير الصيد البحري والاهتمام بالزراعة وتنشيط السياحة وذلك بضمها إلى وزارة التراث بهدف توحيد الجهود.

ويرى أن السلطنة تتجه إلى الاستثمار في المعادن الثمينة التي أهملت لفترة طويلة على الرغم من غنى البلاد بها، إذ قرر السلطان ضم هذه المهمّة إلى وزارة الطاقة لتكون وزارة الطاقة والمعادن، ما سيأتي بروافد مهمة إلى الخزينة العامة.

ولفت إلى أن السلطنة كانت تعاني من هدر في الأموال العامة، بسبب مرض السلطان الراحل قابوس، وعولج الأمر خلال الشهور القليلة الماضية، وأثّر كثيراً في إحداث فائض في الخزينة العامة بما يوازي النصف حسبما تشير بعض التقارير المحلية.

ورأى المحلل العماني أن أهم تغيير تشهده البلاد حالياً هو اهتمام السلطان الجديد باللامركزية إذ خصص شطراً من الموازنة العامة لتطوير المحافظات وأعطى صلاحيات أكبر للمحافظين والولاة وأضاف إليهم مهمة الإشراف المباشر على بعض الأعمال البلدية والتنمية المناطقية، بخلاف ما كان يجري في السابق من مركزة الصلاحيات في العاصمة مسقط، وهذا سيقرّب الناس من مراكز تقديم الخدمات.

من جانبه، رأى رئيس تحرير صحيفة الرؤية العمانية حاتِم الطائي أن المراسيم والقرارات التي اتخذها السلطان في 18 آب/ أغسطس غيّرت من شكل الدولة، وأعادتْ هيكلة الجهاز الإداري على نحوٍ يتماشى مع تطلعات المُواطن، ووفق ما يُسهم في تطبيق الرؤية المُستقبلية "عُمان 2040".

وبرأيه، يمكن القول إن مُؤسسات الدولة، بعد هذه المراسيم وما سبقها وما قد يتبعها من مراسيم، تغيّر وجهها وتقلص حجمها، وتحوّلت إلى التقسيم القطاعي، بدلاً من التقسيم القائم على توزيع المهام والاختصاصات والذي أدى إلى تداخلها وتشابكها فضلاً عن بطء منظومة العمل بسبب الآلة البيروقراطية الضخمة، ما تسبب في تأخير قرارات وتجميد إصلاحات وذهاب أخرى سدى لأنها لم تجد البيئة الحاضنة التي تُساعد على التطبيق والإنجاز، ولا الظروف المؤاتية للتطور والتقدم المأمول.

في عُمان، كان كل شيء مرتبطاً بالسلطان قابوس الذي كان يتمتع بكاريزما سياسية خاصة جعلت كثيرين من العُمانيين يعتبرونه أباً لهم. كان يحتفظ لنفسه بمعظم السلطات كحاكم مطلق، ويشرف على إدارة الوزارات السيادية. لكن السلطان هيثم قرّر التنازل عن بعض صلاحياته

وقال الطائي إن عام 2020 هو "عام التجديد" في مختلف مؤسسات الدولة، خاصة بعد تعهد السلطان بإعادة هيكلة المؤسسات وتعيين مجموعة متنوعة من الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة.

تنازل عن صلاحيات

في عُمان، كان كل شيء مرتبطاً بالسلطان قابوس الذي كان يتمتع بكاريزما سياسية خاصة جعلت كثيرين من العُمانيين يعتبرونه أباً لهم. كان يحتفظ لنفسه بمعظم السلطات كحاكم مطلق، ويشرف على إدارة الوزارات السيادية.

في التعديل الجديد، قرر السلطان هيثم التنازل عن بعض صلاحياته، وعيّن أحد أفراد الأسرة الحاكمة، بدر البوسعيدي، وزيراً للخارجية مع إلغاء منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية الذي كان يشغله الدبلوماسي المخضرم يوسف بن علوي، لكنه احتفظ لنفسه بمنصب رئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة.

في تقرير نشره مركز أبحاث "ذا أتلانتك كاونسل" الأمريكي، رأى السفير الأمريكي السابق في مسقط مارك جي سيفيرز أن التغييرات الأكثر بروزاً هي الإطاحة بثلاثة وزراء خدموا لفترة طويلة مع السلطان السابق وكانوا يحضرون اجتماعات قابوس مع كبار المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين.

أول هؤلاء الوزراء هو يوسف بن علوي بن عبد الله، والثاني درويش البلوشي الذي كان مسؤول الدولة لشؤون المالية والثالث الدكتور علي السنيدي وزير الصناعة والتجارة. ويشغل السنيدي الآن منصب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة، أما بن علوي والبلوشي فقد أُحيلا على التقاعد.

برأي السفير الأمريكي السابق، "من المثير للاهتمام معرفة هوية المسؤولين الذين سيضمهم السلطان هيثم خلفاً لهؤلاء الوزراء عندما يستقبل كبار الزوار".

وعن التركيبة الجديدة لمجلس الوزراء، يشير سيفيرز إلى شخصيتين قريبتين من السلطان ويرجح أنهما سيلعبان أدواراً هامة، وهما نائبي رئيس الوزراء، ابن عمه الأكبر فهد بن محمود آل سعيد والذي يجلس دائماً في أقرب مقعد من السلطان وشقيقه شهاب بن طارق آل سعيد.

في الربيع الماضي، استحدث السلطان هيثم منصب نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع وعيّن فيه شقيقه شهاب بن طارق، ليكون الأخير المسؤول الفعلي عن إدارة مؤسسة الجيش، خاصة أن هذا التعيين رافقته إحالة الوزير المسؤول عن شؤون الدفاع بدر بن سعود البوسعيدي وأمين عام وزارة الدفاع محمد الراسبي إلى التقاعد، كما أن التشكيل الجديد لمجلس الوزراء الجديد لا يوجد فيه وزير للدفاع.

يبدو أيضاً أن هيثم بن طارق أحال أخاه غير الشقيق أسعد بن طارق آل سعيد الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الدولية والممثل الشخصي للسلطان إلى التقاعد، إذ لم يظهر اسمه في مجلس الوزراء الجديد.

ومن غير الواضح ما إذا كان أخوه الذي كان ينافسه على منصب السلطان يحتفظ بدور رسمي بحسب الدبلوماسي الأمريكي.

تنازل السلطان هيثم عن مناصب وزير الدفاع ووزير الخارجية ووزير المالية ومنحها لمسؤولين آخرين، و"هذا التفويض للسلطة - وهو أمر نادر بين القادة المستبدين – يتماشى مع جهوده السابقة للابتعاد عن إضفاء الطابع الشخصي على الدولة"

من جانبها ترى إلينا ديلوجر، وهي محللة سياسية ومؤسِسة "معهد سيج للشؤون الخارجية" أن السلطان تنازل عن مناصب وزير الدفاع ووزير الخارجية ووزير المالية ورئيس المصرف المركزي، ومنحها لمسؤولين آخرين، وفي بعض الحالات لأشخاص من خارج العائلة المالكة.

ورأت أن هذا "هذا التفويض للسلطة - وهو أمر نادر بين القادة المستبدين – يتماشى مع جهوده السابقة للابتعاد عن إضفاء الطابع الشخصي على الدولة"، مذكّرة بأن أحد مراسيم السلطان الأولى، في شباط/ فبراير، نصّ على إزالة الإشارة إلى السلطان قابوس من النشيد الوطني.

التوريث

تُظهر تعيينات السلطان هيثم في 18 آب/ أغسطس الأهمية التي يوليها للأسرة الحاكمة ورغبته في إشراكها في الحكم.

فقد عيّن نجله البالغ من العمر 30 عاماً، ذي يزن بن هيثم، على رأس وزارة الثقافة والرياضة والشباب التي نتجت عن دمج وزارة الثقافة ووزارة الشؤون الرياضية ووزارة شؤون الفنون واللجنة الوطنية للشباب، وهو شاب فاعل في المشهد العام العُماني، وكان راعياً لحفل يوم الشباب العُماني ولكأس السلطان لكرة القدم في تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

وعمل ذي يزن دبلوماسياً في وزارة الخارجية العُمانية منذ عام 2013. وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، عاد إلى مسقط من لندن، حيث كان يشغل منصب السكرتير الثاني في السفارة العُمانية.

وترى إلينا ديلوجر أن السلطان قد يرغب من خلال هذا التعيين في إعداده لتولي العرش في نهاية المطاف.

ويقول حمد العلوي إن السلطان محق بالدفع بابنه ذي يزن في وزارة الثقافة والرياضة والشباب فهو شاب فطن لكنه يعتبر أن لا علاقة بين هذا التعيين ووراثة العرش.

وأشار العلوي إلى أن النظام الأساسي للدولة الذي يُعَدّ بمثابة الدستور العماني، حدد طريقتين لتسلم الحكم عند شغور منصب السلطان، الأولى أن يجتمع مجلس العائلة المالكة ويختار شخص السلطان في غضون ثلاثة أيام، على أن يكون من بين أفراد الأسرة المتحدرة من السلطان فيصل بن تركي، الجد الرابع للسلطان الحالي، مع شرط البلوغ والعقل وأن يكون من أبوين عُمانيين.

أما الطريقة الثانية، ويتم اللجوء إليها بحال فشل مجلس العائلة في اختيار شخص محدد، فهي فض وصية السلطان السابق كما حصل مع السلطان الحالي. ويشير العلوي إلى أنه من المفترض أن تكون الوصية قد دُوّنت الآن أو اقترب تدوينها لأن السلطان هيثم يظهر التزاماً قوياً بالدين الإسلامي.

واللافت أن السلطان عيّن تيمور بن أسعد بن طارق آل بوسعيد، نجل شقيقه الذي كان ينافسه على العرش، رئيساً للبنك المركزي في السلطنة. ويظن العلوي أن هذا التعيين يهدف إلى موازنة الأمور بغرض الترضية.

السياسة الخارجية

انتشر جدل واسع في الأيام الماضية حول إمكانية تغيير عُمان سياستها الخارجية والتخلي عن عدم الانحياز لأي طرف في الصراعات الإقليمية الحالية. ولكن يستبعد الخبراء هكذا تحوّل ويقولون إنه ليس هناك ما يجعل مسقط تغيّر نهجها.

في هذا الشأن، قال حاتم الطائي إن تعيين وزير مختص بوزارة الخارجية لن يغيّر من النهج العُماني وما يتميز به من حيادية وانفتاح على الجميع، والحرص على تقريب وجهات النظر ونشر السلام والتوسط من أجله في مختلف القضايا.

من جانبها، رأت إلينا ديلوجر أن وزير الخارجية الجديد، المولود عام 1960 والذي تلقى تعليمه في جامعة أوكسفورد وعمل في وزارة الخارجية منذ عام 1988، محبوب جداً، ووصفه دبلوماسيون أمريكيون بأنه محاور جاد ومركّز ومميّز، وشريك جيّد للولايات المتحدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard