بين التماس الأعذار والسبّ واللعن... كيف نظر علماء السنّة إلى مقتل الحسين على يد يزيد؟

الأحد 8 سبتمبر 201909:38 ص
Read in English

على العكس من أبيه الذي يحظى بمقام مهم ومعتبر في العقل السنّي الجمعي، لكونه واحداً من الصحابة، فإن الكثير من التضارب والاختلاف وقع بين علماء السنّة في ما خصّ الحكم على شخصية الخليفة الأموي الثاني يزيد بن معاوية.

يزيد الذي حكم لمدة ثلاث سنوات فقط، ارتبط اسمه بمجموعة من الأحداث الدموية، شديدة الوطأة في تاريخ المسلمين، ومن أهمها المذبحة التي تعرّض لها حفيد الرسول، الحسين بن علي بن أبي طالب، مع مجموعة من أهله، في كربلاء سنة 61هـ.

رغم التأثير الكارثي لهذا الحدث في تاريخ الإسلام، إلا أن العديد من علماء وفقهاء الخط السنّي عملوا على التماس المبررات والأعذار ليزيد، في محاولة لتبرئته من تلك الواقعة، فيما نحت مجموعة أخرى من علماء السنّة نحو تفسيقه مجيزةً سبّه ولعنه.

وبين الموقفين، بقي الموقف السنّي الأشهر تجاه يزيد هو ذلك الذي ينتهج الخط المحايد، فلا يتولاه ولا يتبرأ منه. ولخّص تقي الدين ابن تيمية هذا الموقف بقوله: "يزيد عند علماء أئمة المسلمين ملك من الملوك، لا يحبونه محبة الصالحين وأولياء الله، ولا يسبونه... والصواب هو ما عليه الأئمة: من أنه لا يخص بمحبة ولا يلعن"، بحسب ما ذكر في كتابه "مجموع الفتاوى".

من عام الجماعة إلى كربلاء

عام 41هـ/ 661م، وضعت الحرب الأهلية بين المسلمين أوزارها، وانعقد الصلح بين الحسن بن علي وأهل العراق من جهة، ومعاوية بن أبي سفيان وأهل الشام من جهة أخرى، واتفق الفريقان على التسليم بخلافة معاوية، ليصبح أول خلفاء الدولة الأموية.

رغم تضارب الأقوال في شروط وبنود الصلح، إلا أن أغلب المصادر التاريخية، ومنها على سبيل المثال الطبقات الكبرى لابن سعد، تذكر أن الاتفاق نص على أن يُترك أمر الخلافة بعد وفاة معاوية شورى بين المسلمين، ليختاروا مَن يرتضونه، دون أي تدخل من الخليفة الأموي الأول.

وعام 50هـ/ 670م، توفي الحسن بن علي، صاحب الحظ الأكبر في شغل منصب ولاية العهد، ما أتاح لمعاوية الفرصة للتحايل على شروط الصلح التي سبق أن أتفق عليها، فقام، بعد نصيحة من بعض أتباعه ومناصريه، بتعيين ابنه يزيد ولياً للعهد، وأرسل بذلك إلى شتى الأمصار لأخذ البيعة.

يفسر ابن كثير الدمشقي إقدام معاوية على تلك الخطوة في كتابه" البداية والنهاية"، بقوله: "كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته، وكان يظن أنه لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في الملك مقامه".

ورغم معارضة مجموعة من الصحابة لتلك الخطوة، من أمثال الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، إلا أنهم أُجبروا على السكوت وعدم الإعلان عن رفضهم، بعدما تم تهديدهم بالقتل، بحسب ما ورد في" تاريخ الرسل والملوك" لابن جرير الطبري.

وعام 60هـ/ 679م، ومع وفاة معاوية بن أبي سفيان، تفجرت تلك الخلافات، وظهرت على الساحة السياسية، بعدما طلب يزيد مبايعة المعارضين له بشكل واضح. رفض الحسين وابن الزبير، وتركا المدينة، ورحلا إلى مكة بعيداً عن قبضة الأمويين القوية.

ومع نهايات العام الستين للهجرة، قرر الحسين بن علي السفر إلى الكوفة، بعدما وصلته عشرات الكتب من شيعته، وعدته بالنصرة والتأييد، وبالثورة على يزيد.

الأحداث المتسارعة وصلت إلى ذروتها في العاشر من محرم من عام 61هـ، في منطقة كربلاء في العراق، عندما اعترض جيش الأمويين طريق الحسين ومَن معه من أهل بيته ورفاقه، لتقع معركة غير متكافئة بين الطرفين، سقط فيها حفيد الرسول مضرجاً بدمائه بعدما تخلى الكوفيون عن نصرته.

من الغزالي إلى ابن خلدون... التماس الأعذار ليزيد

كان حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت. 505هـ)، واحداً من أسبق علماء السنّة المدافعين عن يزيد بن معاوية، وربما اتخذ هذا الموقف مدفوعاً بميوله المؤيدة للسلطة الحاكمة بشكل عام، إذ كان الغزالي وثيق الصلة بسلاطين السلاجقة والخلفاء العباسيين، وكان يرى أن من حق الحاكم القيام بما يلزم في سبيل الدفاع عن حكمه، درءاً للفتنة والفوضى التي ستقع في البلاد بحال الاختلاف على شخص ولي الأمر.

في كتابه "إحياء علوم الدين"، ينفي الغزالي تهمة قتل الحسين عن يزيد جملةً وتفصيلاً، ويقول: "صح إسلام يزيد بن معاوية وما صح قتله الحسين ولا أمر به ولا رضيه ولا كان حاضراً حين قتل، ولا يصح ذلك منه ولا يجوز أن يُظن ذلك به، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام وقد قال الله: اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم".

في السياق نفسه، شكك الغزالي في جميع الروايات التاريخية التي ربطت بين يزيد وفاجعة كربلاء، وكان مما قاله: "مَن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به، فينبغي أن يعلم أن به غاية الحمق، فإن مَن كان من الأكابر والوزراء، والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة مَن الذي أمر بقتله ومَن الذي رضي به ومَن الذي كرهه لم يقدر على ذلك، وإن كان الذي قد قُتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو كان في بلد بعيد، وزمن قديم قد انقضى، فكيف نعلم ذلك في ما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد، وقد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب فهذا الأمر لا تُعلم حقيقته أصلاً، وإذا لم يُعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به".

وفي الاتجاه نفسه، ذهب الفقيه والقاضي الأندلسي أبو بكر بن العربي المالكي (ت. 543هـ)، والذي يعّد من علماء السنّة الذين عملوا على تقديم مبررات وأعذار لتسويغ ما فعله يزيد من إقدامه على قتل الحسين، وذلك في كتابه "العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد النبي".

ابن العربي في الكتاب المذكور حمل على كاهله عبء الدفاع عن تاريخ الدولة الأموية بشكل عام، ولا سيما في ما يخص مذبحة كربلاء.

يبني القاضي المالكي دفاعه عن يزيد في تلك القضية على أساسين مهمين: الأول، هو أن الحسين أخطأ في الخروج على يزيد، لأنه ولي الأمر، المُفترض الطاعة، ويقول إن الحسين "لم يقبل نصيحة أعلم أهل زمانه وطلب الابتداء في الانتهاء، وطلب الاستقامة في الاعوجاج، ونضارة الشيبة في هشيم المشيخة ليس حوله مثله ولا له مَن الأنصار من يرعى حقه ولا من يبذل نفسه دونه".

أما الأساس الثاني، فهو أن يزيد وعماله وجنده قتلوا الحسين انصياعاً وانقياداً للأوامر المنقولة عن الرسول الكريم، والتي تبيح قتل الثائر الخارج عن الجماعة "فما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال المحذّر عن الدخول في الفتن وأقواله في ذلك كثيرة منها ما روى مسلم عن زياد قوله إنه ستكون هنات وهنات، فمَن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً مَن كان، فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله".

من هنا، نقل الكثير من المؤرخين، ومنهم عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته، عن ابن العربي المالكي، قوله: "إنما قُتل الحسين بسيف جده، أو بشرع جده"، واشتهرت تلك الجملة وذاعت على الألسن، رغم أنها لم ترد بشكل صريح في كتاب ابن العربي، وإنْ وافقت في مضمونها مُجمل آرائه واعتقاداته.

العديد من علماء أهل السنّة تلقوا آراء الغزالي وابن العربي، ورددوها وأضافوا إليها، ودونوها في مصنفاتهم، ومن أشهرهم أبو عمرو عثمان الشهرزوري، المعروف بابن الصلاح (643هـ) عندما ذكر في فتاويه أنه "لم يصح عندنا أنه أمر بقتله والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله، إنما هو عُبيد الله بن زياد والي الكوفة آنذاك، وأما سب يزيد ولعنه فليس من شأن المؤمنين".

رغم التأثير الكارثي لمذبحة كربلاء في تاريخ الإسلام، عمل العديد من علماء السنّة على التماس المبررات والأعذار ليزيد بن معاوية، في محاولة لتبرئته، فيما نحت مجموعة أخرى من علماء السنّة نحو تفسيقه مجيزةً سبّه ولعنه
كان حجة الإسلام أبو حامد الغزالي واحداً من أسبق علماء السنّة المدافعين عن يزيد. يقول: "صح إسلام يزيد بن معاوية وما صح قتله الحسين ولا أمر به ولا رضيه ولا كان حاضراً حين قتل، ولا يصح ذلك منه ولا يجوز أن يُظن ذلك به"

في القرن الثامن من الهجرة، أثيرت مسألة الحكم على يزيد وعلاقته بقتل الحسين مرة أخرى. ومع اعترافه بعظيم جرم يزيد، آثر شيخ الإسلام ابن تيمية أن يتخذ موقفاً وسطاً في تلك المسألة، إذ برأ الخليفة الأموي الثاني من اتخاذ قرار قتل الحسين، وإنْ اعترف بظلمه وبأن هناك من الصحابة مَن كان أكثر استحقاقاً للخلافة منه، وذلك في كتابه "منهاج السنّة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية"، في سياق رده على حجج الشيعة الإمامية الاثناعشرية.

يذكر ابن تيمية في أحد المواضع في هذا الكتاب: "إن يزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق".

كما عمل ابن تيمية على إظهار حزن يزيد وتوجعه مما جرى لسبط الرسول، وانتقد جميع الروايات التاريخية التي تكلمت عن إهانة الخليفة الأموي لآل البيت النبوي، وكان مما كتبه: "لما بلغ يزيد قتل الحسين أظهر التوجع على ذلك وظهر البكاء في داره، ولم يَسْبِ لهم حريماً بل أكرم أهل بيته وأجازهم حتى ردّهم إلى بلادهم، أما الروايات التي في كتب الشيعة أنه أُهين نساء آل بيت رسول الله وأنهن أُخذن إلى الشام مَسبيَّات، وأُهِنّ هناك هذا كله كلام باطل، بل كان بنو أمية يعظِّمون بني هاشم".

وإذا كان معظم علماء السنّة الذين التمسوا الأعذار ليزيد قد ساقوا حججهم في سياق العلم الشرعي، فإن المؤرخ الأندلسي عبد الرحمن ابن خلدون خالفهم، إذ صاغ نظريته في الدفاع عن الخليفة الأموي الثاني، في معرض شرحه لنظريته الخاصة في مسألة العصبية والشوكة وعلاقتها الوطيدة بتأسيس الدول والأنظمة السياسية الحاكمة.

في مقدمته الشهيرة، وبالتحديد في الفصل الخاص بولاية العهد، يقول ابن خلدون: "أما الحسين فإنه لما ظهر فسق يزيد عند الكافة من أهل عصره بعثت شيعة أهل البيت بالكوفة للحسين أن يأتيهم فيقوموا بأمره، فرأى الحسين أن الخروج على يزيد متعيّن من أجل فسقه لا سيما مَن له القدرة على ذلك، وظنها من نفسه بأهليته وشوكته، فأما الأهلية فكانت كما ظن وزيادة، وأما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها؛ لأّن عصبية مضر كانت في قريش وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس ولا ينكرونه".

معنى مقالة ابن خلدون أن الحسين أخطأ في خروجه، لكونه لم يراعِ أسباب توافر القوة، ولأنه تجاهل السنّة القائمة في قيام الشوكة في بني أمية خاصة، دوناً عن بقية قبائل العرب، وهو القول الذي يُفهم منه أن خلافة يزيد كانت في حقيقتها أمراً واقعاً لا سبيل إلى تغييره أو تبديله، وهو ما يظهرها على أنها نوع من الحتميات التي فرضتها الدينامية التاريخية، وهو ما يعطيها قدراً من القوة والرسوخ باعتبارها إرادة عليا لا مناص من التسليم والانقياد لها.

وتظهر تخطئة ابن خلدون للحسين بشكل واضح في قوله: "تبيّن لك غلط الحسين إلا أنه في أمر دنيوي، لا يضره الغلط فيه، وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه، لأنه منوط بظنه، وكان ظنه القدرة على ذلك".

ابن الجوزي والشوكاني والألوسي... سبّ يزيد ولعنه

توازياً مع الخط السنّي الذي كان يبحث عن أي مبررات أو مسوغات لإبعاد تهمة قتل الحسين عن يزيد، كان هناك فريق آخر من العلماء الذين أكدوا على جريمة يزيد، ووصل الأمر ببعضهم إلى تفسيقه ولعنه في متون مؤلفاتهم.

من أشهر هؤلاء العلماء كان جمال الدين عبد الرحمن ابن الجوزي الحنبلي (ت. 597هـ)، والذي صنّف كتاباً كاملاً في تلك المسألة سمّاه "الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد".

ابن الجوزي رد في هذا الكتاب على أحد مشاهير فقهاء الحنابلة في عصره، وهو عبد المُغيث البغدادي، الذي كان قد صنف كتاباً في تحريم سب يزيد ولعنه.

يشير شمس الدين الذهبي، في كتابه "سير أعلام النبلاء"، إلى البُعد السياسي للمسألة في ذلك العصر، إذ أن الخليفة العباسي الناصر "لما بلغه نهي عبد المغيث عن سب يزيد تنكر، وقصده، وسأله عن ذلك، فتباله عنه، وقال: يا هذا إنما قصدت كف الألسنة عن لعن الخلفاء، وإلا فلو فتحنا هذا لكان خليفة الوقت أحق باللعن، لأنه يفعل كذا، ويفعل كذا، وجعل يعدد خطاياه".

من هنا يمكن فهم المعاني المُبطنة التي حملها كتاب ابن الجوزي، وكيف كان بشكل مستتر ينزع صفة القداسة والتنزيه عن خلفاء وسلاطين العصر.

أيضاً، وفي السياق نفسه، وجّه بعض من كبار علماء أهل السنّة سهام نقدهم إلى العلماء الذين التمسوا الأعذار ليزيد في قتله للحسين، ومن هؤلاء علامة اليمن بدر الدين الشوكاني (ت. 1250هـ)، في كتابه المشهور "نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار"، إذ قال: "أفرط بعض أهل العلم كالكرامية ومَن وافقهم في الجمود... حتى حكموا بأن الحسين السبط، باغٍ على الخمير السِّكِّير الهاتك لِحرم الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية لعنهم الله، فيا لله العجب من مقالات تقشعر منها الجلود ويتصدع من سماعها كل جلمود".

أما شهاب الدين الألوسي (ت. 1270هـ)، فقد ذهب في تفسيره "روح المعاني في تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني"، إلى جواز لعن يزيد تأسيساً على بعض الأحاديث التي تثبت جواز لعن العاصي المُعين، فقال: "لا توقف في لعن يزيد لكثرة أوصافه الخبيثة وارتكابه الكبائر في جميع أيام تكليفه... والطامة الكبرى ما فعله بأهل البيت ورضاه بقتل الحسين، واستبشاره بذلك وإهانته لأهل بيته".

ومن العلماء الكبار الذين تواترت أخبار لعنهم ليزيد وسبهم له في مؤلفاتهم، كل من القاضي أبي يُعلى الفراء في القرن الخامس، وسعد الدين التفتازاني في القرن الثامن، وجلال الدين السيوطي في القرن التاسع للهجرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard