بين عدالة السماء وعدالة الأرض... لمَن ينحاز "صاحب المقام"؟

الثلاثاء 4 أغسطس 202004:06 م

بدون اقتراب من البحث في الأسباب الكامنة وراء ظاهرة اللجوء إلى أولياء الله الصالحين، وهي الشعور باليأس من تحقيق العدالة على الأرض، تسير أحداث فيلم "صاحب المقام"، أحد أفلام موسم عيد الأضحى.

يتعرض الفيلم الذي كتب قصته والسيناريو الخاص به الكاتب إبراهيم عيسى، وأخرجه محمد العدل، في موضوعه، لفكرة الطرق الصوفية المنتشرة في مصر، وظاهرة لجوء المصريين إلى أولياء الصالحين، والتعلق بأضرحتهم، والتبرك بها، والإلحاح عليهم بتحقيق طلباتهم، بحسبانهم قادرين على إقالة العثرات، وحل المعضلات.

فبطل الفيلم "يحيى" رجل أعمال لعب دوره آسر ياسين، متألقاً كعادته في أداء الدور، تورّط في هدم ضريح "سيدي هلال"، ليقيم مبنى سكنياً يدرّ عليه مزيداً من المال. هدمه وهو يعتقد أنه لا يرتكب أي خطأ من أي نوع، موضحاً أن اعتبارات المصلحة المادية تطغى على ما عاداها، لكنه ما إن يُقدم على هذه الخطوة، حتى تبدأ المِحن والمُشكلات تَدق أبواب حياته: حريق مجهول السبب في منزله، وخسارة في البورصة، ومرض عضال يُصيب زوجته.

وهنا نقطة التحوّل في أفكار البطل الذي أتته الإشارات والبشارات على ضرورة استرضاء الأولياء الذين أغضبهم، كطريق لحل مشاكله. إشارات ترسلها له إحدى ممرضات المستشفى الذي تتعالج فيه زوجته، واسمها "روح"، ولعبت دورها الفنانة يُسرا.

وعلى سبيل التجربة، لاكتشاف مدى صِدقية هذه الإشارات، يَقترب بطل الفيلم، رويداً رويداً، من طريق الأولياء، يَزور بعضهم، يُصلّي عندهم، ويَتضرع إليهم، ويَنتهي به المطاف إلى ضريح الإمام الشافعي، فيَستأذن في استخراج بعض من الرسائل التي أرسلها المريدون والمترددون على الضريح، ليطّلع على مشكلاتهم، سعياً منه للمساعدة في حلها.

يزور البطل أصحاب الرسائل، يُخبرهم أنه مبعوث الإمام الشافعي، ويجتهد في مساعدتهم، وبالتوازي مع كل مشكلة يحلّها، تنحل أيضاً مشكلات حياته الخاصة، واحدة بعد أخرى، وهكذا حتى النهاية.

وإرسال الرسائل والطلبات للأضرحة، ظاهرة معروفة عند المصريين، وفكرة رصد هذه الرسائل باعتبارها مؤشراً يضع اليد على أكثر مشكلات المجتمع، بدأها وعمل عليها من قبل، عالم الاجتماع المصري الدكتور سيد عويس، وحللها سوسيولوجياً، في كتابه الممتع "ظاهرة إرسال الرسائل إلى ضريح الإمام الشافعي".

بطل فيلم "صاحب المقام" يُقدّم مساعدات لمَن لا يقدرون على مساعدة أنفسهم، ويتلقى في المقابل جزاء من جنس العمل، يتلقى إحساناً بإحسان، يُساعد الآخرين فيُساعده الله

ووفق مصنّف الدكتور سيد عويس، فإن أكثر الرسائل كانت، طلباً لرفع الظلم، وتحقيق العدل والانتقام من الظالمين.

ونفس الفكرة، عملت عليها بعد ثورة يناير، الكاتبة ضحى عاصي في كتابها "محاكمة مبارك بشهادة السيدة نفيسة"، والذي جمعت فيه رسائل المصريين لضريح نفيسة العلم في عهد مبارك.

على النقيض من رائعة يحيى حقي "قنديل أم هاشم"، ينحاز إبراهيم عيسى في "صاحب المقام" إلى تأكيد فكرة التعلق بالأضرحة وبركاتها، ويُعزز فكرة اللجوء إليها، وقدرتها على التدخل في المقادير، وأنها واسطة السماء لحل مشكلات الأرض.

وإشكالية هذا الطرح هي أن يكون صاحبه إبراهيم عيسى، فالرجل الذي كتب وقدّم، وما يزال يُقدّم نفسه باعتباره رأس حربة ضد الأفكار اللاعقلانية في الإسلام، وضد أي طروحات تتسامح مع الخرافة على حساب العقل، وتُخاصم المنطق لحساب الأساطير، نجده هنا منحازاً لأفكار تخاصم العقل أيضاً، فإبراهيم عيسى، رئيس تحرير "المقال"، ليس هو إبراهيم عيسى صاحب "المقام".

لم يقترب فيلم "صاحب المقام" من البحث في الأسباب الكامنة وراء ظاهرة اللجوء إلى أولياء الله الصالحين، والشكوى على عتباتهم، والتمسح بأضرحتهم، وهي ظاهرة، يقف وراءها بالضرورة شعور باليأس من تحقيق العدالة على الأرض، ليكون بديله المتاح طلب تحقيقها من السماء

ولقائل أن يقول إن رسالة الفيلم ليست كذلك، وأن يعتبر أن غاية العمل النهائية هي تعزيز قيمة الإيمان في مواجهة المادة، والدعوة إلى غذاء الروح كسبيل لراحة الجسد.

فالبطل يُقدّم مساعدات لمَن لا يقدرون على مساعدة أنفسهم، ويتلقى في المقابل جزاء من جنس العمل، يتلقى إحساناً بإحسان، يُساعد الآخرين فيُساعده الله، يحل مشاكل الغير فتنحل بذلك مشاكله، أي أنها دعوة للخروج من الأنا إلى الآخر.

وكان يمكن لهذا الطرح أن يكون مقبولاً لو أن قصة الفيلم انتهت إلى نهاية أخرى غير التي انتهت إليها.

فالبطل، في آخر مشاهد الفيلم، يُعيد مرة أخرى بناء ضريح "سيدي هلال" الذي هدمه في أول مشاهد الفيلم، وهو ما يبدو إعلان ندم وتوبة على اعتقاده السابق المقلل من قيمة وقدرة الأولياء وأصحاب الأضرحة.

وليس أعجب من موقف الكاتب إلا موقف المنصة التي حملت الفيلم، وكانت رافعته للمشاهد، وهي منصة "شاهد" التي أتاحت الفيلم، قبل عرضه بيوم في السينما، في سابقة هي الأولى من نوعها.

فالمعروف أن تطبيق "شاهد" منصة سعودية، وكان مدهشاً قبوله للفيلم، ذلك أنه في المقام الأول موجه لجماهير المملكة العربية السعودية، صاحبة التاريخ الطويل في تبني الخطاب السلفي الوهابي المخاصم بطبيعة الحال للتيار الصوفي.

وصحيح أن المملكة تَحللت قليلاً من تبعات هذه الخطاب السلفي، في السنوات القليلة الماضية، وأعلنت ما يُشبه الخصومة معه، وفق ما قد يُعدّ صفقة الحكم الجديد القائمة على إتاحة مزيد من الانفتاح الاجتماعي، مقابل فرض المزيد من القمع السياسي، وهي صيغة، بغض النظر عن تقييمها الآن، قد تسهم، على المدى الطويل، في تحقيق كل من الانفتاح الاجتماعي والسياسي.

وهذا أمل مرهون بعوامل أخرى ليس من بينها بطبيعة الحال التبشير بالتصوف مقابل التخلي عن التسلف، فالسلفية بصيغتها "الوهابية" كما الصوفية بصيغتها "المقامية"، لا تصلح صيغة لحل مشاكلنا من تخلف ورجعية وفساد ودكتاتورية.

وبالعودة إلى قصة الفيلم، سنجده وهو يدافع عن الصوفية، يتماهى تماماً مع السلفية في فكرة اللجوء إلى السماء، بديلاً عن البحث عن حل المشكلات على الأرض.

فالعمل لم يقترب، لا على مستوى الحوار ولا على مستوى السيناريو، من البحث في الأسباب الكامنة وراء ظاهرة اللجوء إلى أولياء الله الصالحين، والشكوى على عتباتهم، والتمسح بأضرحتهم، وهي ظاهرة، يقف وراءها بالضرورة شعور باليأس من تحقيق العدالة على الأرض، ليكون بديله المتاح طلب تحقيقها من السماء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard