"العالم كله وطننا وحدودنا السماء"... عن هجرة البشر وتنقلهم عبر الزمان والمكان

الخميس 30 يوليو 202006:25 م

كلنا في هذه الحياة مهاجرون، هذه هي حقيقتنا التي لا يجب أن نخجل منها.

لقد جئنا من أراضٍ وجبالٍ وبقعٍ جغرافية مختلفة، أنشأنا حضارات عبر الحدود وانتقلنا إلى ما وراء المحيطات لاكتشاف المجهول، فأبحرنا في السفن وغصنا في أعمق المحيطات. وكل جزء من السفينة يروي حكاية أفراد ذهبوا وراء الاكتشافات والمغامرات المثيرة والفرص الجديدة في هذه الحياة، فترك كلّ واحد منهم بصمة خاصة ساهمت في خلق حضارة تتسم بالتنوّع.

في الواقع، إن الإنسان بطبعه يحب التنقل، والحركات البشرية هي مؤشر على التنمية، كما أن الهجرة من مكان إلى آخر تشكل مساراً تاريخياً وأمراً لابد من حدوثه، فنحن كبشر نحمل في هياكلنا تراكمات التاريخ، وحمضنا النووي هو خريطة، ليس فقط لما نحن عليه، بل دليل على أننا جميعاً مهاجرون حتى في أوطاننا.

صفة بشرية

خلال التاريخ، كان الناس يتحركون من مكان لآخر لأسباب مختلفة: الفقر، الجوع، الحروب، المرض والبحث عن لقمة العيش... ومن خلال الاندماج الثقافي وكسر الحواجز والتغلب على الفروقات، يمكن للمرء أن يحسّن ظروف حياته، من هنا يمكن القول إن الهجرة هي بُعْد من أبعاد التغيير البشري.

"ينحدر كل واحد منّا من عائلات مهاجرة ولا أحد منّا يُعتبر مواطناً في المكان الذي نسميه الوطن. أن تكون إنساناً يعني أن تهاجر للأمام عبر الزمن"، هذا ما قاله الكاتب والروائي الباكستاني، محسن حميد.

في المقال الذي نشره موقع ناشيونال جيوغرافيك، اعتبر حميد أنه عبر الحياة، تتراكم الهجرات خلال الثواني وتتحول إلى ساعات وشهور وعقود: "نصبح لاجئين من طفولتنا، من المدارس، من الأصدقاء، من الألعاب، من الآباء الذين شكلوا عوالمنا التي اختفت واستُبدلت بالمباني الجديدة، المكالمات الهاتفية، ألبومات الصور والذكريات".

نحن كبشر نحمل في هياكلنا تراكمات التاريخ، وحمضنا النووي هو خريطة، ليس فقط لما نحن عليه، بل دليل على أننا جميعاً مهاجرون حتى في أوطاننا

وأشار محسن إلى أننا نخطو خطوة نحو شوارعنا، حيث ننظر إلى البالغين ونخرج مرة أخرى بعد ذلك، ونجذب نظرات الآخرين بشبابنا، وبعد ذلك بأطفالنا أو بأطفال أصدقائنا، فنختبر جميعنا الدراما المستمرة للحزن الجديد والثابت لفقدان ما تركناه وراءنا: "إنه حزن عالمي وقوي للغاية، لدرجة أننا نسعى إلى إنكاره ونادراً ما نعترف به في أنفسنا"، منوهاً بأن المجتمع يشجعنا على التركيز على كل ما هو جديد ومُكتسب، بدلاً من التركيز على الخسارة، و"هي الخيط الذي يوحّد ويربط جنسنا البشري"، على حدّ قوله.

إذن، كبشر نحن نتحرك بشكل مستمر عبر الزمن من خلال العالم الدنيوي، إلا أن المفارقة أننا نقوم بذلك لأننا مضطرون، بحسب محسن حميد: "نتحرك عبر الفضاء من خلال العالم المادي، ويبدو وكأننا نختار ذلك ولكن في هذه الخيارات هناك إكراه أيضاً"، شارحاً بأننا نتحرك عندما يكون من غير المحتمل لنا أن نبقى حيث نحن: "عندما لا نستطيع البقاء لفترة أطول بمفردنا في غرفة نومنا الخانقة، ويجب أن نخرج ونلعب، عندما لا نستطيع البقاء لفترة أطول ونحن نشعر بالجوع في مزرعتنا الجافة، ويجب أن نذهب إلى مكان آخر لتناول الطعام. نتحرك بسبب الضغوط البيئية والأخطار الجسدية وصغر عقل جيراننا، ولنكون الشخص الذي نتمنى أن نكون عليه، وللبحث عمّا نرغب في البحث عنه".

وبالتالي، أشار حميد إلى أن البشر هم بطبيعتهم مخلوقات مهاجرة، إذ إن الأفراد يتحركون بشكل دائم، تماماً كما فعل أسلافنا وكما سيقوم به أحفادنا في وقت لاحق: "سيتحركون مع تغيّر المناخ، مع ارتفاع مستويات البحر، عند خوض الحروب ومع اختفاء أحد أنماط النشاط الاقتصادي وإفساح المجال لآخر".

سرعة التغيير

كما هو معلوم، فإننا نعيش اليوم في عصر السرعة وفي زمن التقسيم. وعن هذه المسألة أوضح محسن حميد أن قوة التكنولوجيا التي نمتلكها وتأثيرها على كوكبنا آخذان بالازدياد، وبالتالي اعتبر أن سرعة التغيير تتسارع، ما يؤدي إلى ضغوط جديدة، بخاصة وأن المخلوقات الذكية تستخدم الحركة كجزء من استجابتها لهذه الضغوط، كما فعل أجدادنا وجداتنا: "قيل لنا إن مثل هذه الحركة غير مسبوقة، وأنها تمثل أزمة، طوفان، كارثة. قيل لنا إن هناك نوعين من البشر: السكان الأصليون والمهاجرون، وأنهم يجب أن يكافحوا من أجل بسط السيادة".

وأضاف حميد: "قيل لنا إن الحركة عبر المناطق الجغرافية ليست وحدها التي قد تتوقف، ولكن الحركة عبر الزمن يمكن أن تتوقف أيضاً، يمكننا العودة إلى الماضي، إلى ماضٍ أفضل، عندما كان بلدنا، عرقنا وديننا، رائعين حقاً. كل ما يجب أن نقبل به هو التقسيم. تقسيم البشرية إلى سكان أصليين ومهاجرين. رؤية العالم من الجدران والحواجز والحراس والأسلحة والمراقبة المطلوبة لتطبيق تلك الحواجز. عالم تموت فيه الخصوصية وإلى جانبها الكرامة والمساواة، وحيث يجب أن يتظاهر البشر بأنهم ساكنون، غير متحركين، يرسون على الأرض التي يقفون عليها حالياً وفي وقت يشبه وقت طفولتهم، أو طفولة أجدادهم، زمن خيالي، حيث لا يزال الوقوف فيه مجرد إمكانية خيالية".

واعتبر حميد أن هذه هي أحلام الجنس البشري الذي هُزم بالحنين، في الحرب مع نفسه، مع طبيعته المهاجرة وطبيعة علاقته مع الزمن، يصرخ في إنكار الحركة المستمرة التي هي حياة الإنسان.

وأضاف: "ربما التفكير بنا جميعاً كمهاجرين يوفر لنا مخرجاً من هذا الواقع المرير الوشيك. إذا كنا جميعاً مهاجرين، فمن المحتمل أن تكون هناك قرابة بين معاناة المرأة التي لم تعش أبداً في بلدة أخرى، ومع ذلك أصبحت تشعر بالغربة في شارعها، وبين معاناة الرجل الذي غادر مدينته ولن يراها مرة أخرى. ربما يكون الزوال هو عدونا المتبادل، ليس بمعنى أنه يمكن لمرور الوقت أن يشكل هزيمة بل بالأحرى أننا نعاني جميعاً من الخسائر التي يتسبب بها الوقت".

وأشار حميد إلى أنه قد يصبح هناك درجة أكبر من التعاطف لأنفسنا ومن التعاطف مع الآخرين، مضيفاً: "قد نحشد المزيد من الشجاعة بينما نسبح عبر الزمن، بدلاً من الاستسلام للخوف. قد نتمكن بشكل جماعي من أن نكون شجعاناً بما يكفي للاعتراف بأن نهاياتنا الفردية ليست نهاية كل شيء، وأن الجمال والأمل يظلان ممكنين حتى بعد رحيلنا".

وفي الختام، أشار محسن حميد إلى أن قبول واقعنا كنوع مهاجر لن يكون سهلاً، بحيث أنه ستكون هناك حاجة لفنٍّ جديد وقصص جديدة وطرق جديدة للوجود، لكن الإمكانيات عظيمة، بحسب تأكيده: "عالم أفضل ممكن، عالم أكثر عدلاً وشمولاً، أفضل لنا ولأحفادنا، مع طعام أفضل وموسيقى أفضل وعنف أقلّ أيضاً".

بين المواطنين والمهاجرين

تسيطر بعض المسائل والقضايا الحساسة، مثل المواطنة والهجرة والعمل السياسي على النقاش العام، الآن أكثر من أي وقت مضى.

وقد تحدث العديد من الكتاب والمفكرين والفلاسفة عن الطبيعة البشرية التي تتميز بالتنقل الدائم بحثاً عن التطور والتقدم في هذه الحياة.

ففي كتابه We Are All Migrants، اعتبر غريغوري فيلدمان، أننا جميعاً مهاجرون.

ومن خلال التحدث عن الانقسام بين أولئك الذين يعتبرون أنفسهم "مواطنين" وأولئك الذين يطلق عليهم اسم "مهاجرين". أظهر فيلدمان أن كلا الطرفين يواجهان عدم التمكين وعدم اليقين وعزلة الفرد العامل والانتشار العالمي للممارسات العقلانية، الأمن والإنتاج.

ومع ذلك، فإن هذا التفتيت يدفع الفرد إلى طرح سؤال وجودي عميق: هل أنا مهم في هذا العالم؟ وجادل فيلدمان بأنه من أجل أن يجيب الأفراد المعنيّون على هذا السؤال بالإيجاب، فإنه يجب تمكينهم لتشكيل الأماكن التي يعيشون فيها مع الآخرين بشكل مشترك.

ولكن كيف يؤثر التنقل البشري على الثقافة؟

في حديثها مع موقع رصيف22، أشارت الأخصائية في علم الأنثروبولوجيا، فرح حلابة، إلى كتاب يحمل عنوانTheatres of Memory: Past and Present in Contemporary Culture للمؤرخ البريطاني، رافائيل صموئيل، الذي غيّر النقاش حول ما يجب اعتباره "تاريخياً" ودور التراث الذي كان يشكل هاجساً لكل بلد في الماضي، إذ شدد الكاتب على أن التاريخ ممارسة حيّة، وهو أمر يُعاد تقييمه باستمرار في العالم من حولنا.

وعن "الهوس" بالتراث، قالت فرح: "هناك جملة وردت في الكتاب وعلقت في ذهني تقول: our obsession with heritage is a symptom of national decay، التي معناها أن هوسنا بالتراث هو أحد أعراض الاضمحلال الوطني، وهذا أمر مثير للاهتمام ويمكن أن يكون صحيحاً على الأقل في السياق المصري، إذ إن الكاتب تطرق إلى موضوع النوستالجيا والحنين إلى الوقت وإلى زمن الأجداد... دايماً عنّا إحساس إنو زمان كانوا أجدادنا مبسوطين".

نحن لا ننتمي إلى مكان واحد، ولكننا ننتمي إلى كل مكان، وحدودنا هي السماء

هذا واعتبرت حلابة أننا كبشر لطالما كنّا نتحرك منذ ملايين السنين، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد: كيف يمكن لهذا أن يؤثر على نظرتنا إلى الشق الثقافي؟ بخاصة وأن علماء الأنثروبولوجيا لا يدرسون الشخص خارج السياق الثقافي الخاص به، بخلاف عالم النفس الذي ينظر إلى الشخص كوحدة خاصة، والشق النفسي هو عالمي: "حتى ولو كنّا كأنثروبولوجيين ندرس أشخاصاً مختلفين عن المجموعة ومتمرّدين عن ثقافتهم، فهذا من شأنه أن يخبرنا بشكل ما عن الـMainstream culture (الثقافة السائدة)"، مضيفة بأن علم الأنثروبولوجيا يدرس المهاجرين بالمعنى الحديث، الحروب والتغييرات الثقافية عبر الوقت، وكل ذلك ضمن إطار ثقافي معيّن.

الهجرة ليست خيانة أو جريمة، ونحن جميعاً أبناء وبنات هذه الأرض، وأي مكان على وجه هذه المعمورة يحتضننا بحب وعطف يمكن أن نعتبره "وطننا"

في الختام قد يترك الناس أراضيهم بحثاً عن فرص جديدة وتحسين ظروف حياتهم أو يهربون من الاضطهاد والقمع، وبمعزل عن الأسباب التي تدفعهم إلى الانتقال من مكان إلى آخر، فإن الهجرة ليست خيانة أو جريمة، ونحن جميعاً أبناء وبنات هذه الأرض، وأي مكان على وجه هذه المعمورة يحتضننا بحب وعطف يمكن أن نعتبره "وطننا"، وبالتالي لا يجب أن يشعر أي شخص بالخجل أو بالنزوح عندما يهاجر إلى مكان آخر.

بالإضافة إلى ذلك، لا يجب أن نسمح للحدود الجغرافية أن تقيّدنا لأننا في الأصل أتينا من مناطق مختلفة من العالم، صحيح أننا قد نجلس الآن في منازلنا الآمنة والتي تجمعنا بها علاقة مميزة، إلا أن ذلك لا يخفي حقيقة أننا هاجرنا جميعاً من مكان ما، وفي عروقنا يسري تاريخ البشرية الذي يتسم بالهجرة والنزوح، ففي نهاية المطاف نحن لا ننتمي إلى مكان واحد، ولكننا ننتمي إلى كل مكان، وحدودنا هي السماء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard